القمر السبت ١٩ ذُو الْحِجَّة ١٤٤٧ هـ

حديث الرزية

دراسة حديث الرزية بجمع الروايات وبيان تمام البلاغ النبوي وموضع الوصية بكتاب الله.

الحديث الأول: رواية ابن عباس رضي الله عنهما

عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عبد الله بن عباس، قال:
«لما حضر النبي ﷺ قال، وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، قال: ((هلم أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده، قال عمر: إن النبي ﷺ غلبه الوجع، وعندكم القرآن، فحسبنا كتاب الله))، واختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم رسول الله ﷺ كتاباً لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر، فلما أكثروا اللغط والاختلاف عند النبي ﷺ، قال: قوموا عني».
قال عبيد الله: فكان ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله ﷺ وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب، من اختلافهم ولغطهم.
أخرجه أحمد، والبخاري، ومسلم، والنسائي. واللفظ للبخاري (7366) قال: حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام، عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، به. ✅

شرح المصطلحات

ـ قول ابن عباس: لما حضر النبي ﷺ؛ أي اقترب موته ﷺ.

ـ وقوله: فلما أكثروا اللغط؛ أي الخلاف والصياح، واللغط هو الأصوات المبهمة التي لا تفهم من كثرة المتحدثين في وقت واحد.

ـ وقول ابن عباس: إن الرزية كل الرزية؛ أي المصيبة.

تنبيه على خطأ بعض المتعجلين

ولكن بعض المتعجّلين، أخذ بهذا الحديث ليستدل به على الاكتفاء بالقرآن دون كلام النبي ﷺ. ولكن كان يلزمه الصبر وجمع هذا الحديث مع آيات وأحاديث أخرى، حتى يفهم حقيقة الأمر، قبل أن يتهم النبي ﷺ بأنه قصر بالبلاغ.

في هذا الحديث، يقول رسول الله ﷺ: (هلم أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده). وهذه العبارة بالتمام، قد قالها الرسول ﷺ وحصل له ما أراد، وقد علمنا ما الذي أراد في حديث آخر.

❈ ❈ ❈

الحديث الثاني: توضيح ما أراد النبي ﷺ كتابته

عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال:
«يوم الخميس، وما يوم الخميس؛ يوم اشتد برسول الله ﷺ وجعه، فقال: ((ائتوني أكتب لكم كتاباً لا تضلون بعده))، فتنازعوا، ولا ينبغي عند نبي تنازع، قال: دعوني فما أنا فيه خير مما تسألون عنه، قال: أمرهم بثلاث: قال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم».
والثالثة لا أدري، قالها فنسيتها، أو لم يقلها.
أخرجه الحميدي، وابن أبي شيبة، وأحمد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وأبو يعلى. واللفظ لأبي يعلى (2418) قال: حدثنا زهير، حدثنا ابن عيينة، عن سليمان الأحول، عن سعيد بن جبير، به. ✅
ـ قول النبي ﷺ: وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم؛ أي أعطوا الوفود التي تأتي إليكم العطايا مع إكرامهم وضيافتهم وترغيباً لهم ولغيرهم، وإعانتهم على سفرهم.

ـ القائل: (والثالثة لا أدري… إلى آخره)؛ هو سليمان بن أبي مسلم الأحول، راوي هذا الحديث عن سعيد بن جبير.
قلت: قد علمنا شيئين مما أراد النبي ﷺ قوله، وهما: إخراج المشركين من جزيرة العرب [وهذا ليس في القرآن]، وإجازة الوفود بمثل ما كان يفعل [وهذا كذلك ليس من القرآن]. فليس لأحد أن يحتج بأن الرسول ﷺ كان سيوصي بالقرآن فقط دون شيء من حديثه، أو يحتج بقول عمر أنه يكفينا كتاب الله. فقد قال نبي الله ﷺ ما ليس في الكتاب، وهي عبارة عن وصية وتذكير لما قد سبق منه قوله.

إثبات تمام البلاغ النبوي

الأمر الآخر: هل بلغ النبي ﷺ كل ما أوحي إليه؟! أم بقي شيء لم يبلغه وقصر فيه، فمات ولم يبلغ ما أمره الله به؟!

الرسول ﷺ بلغ وأدى ونصح، ولم يقصر في البلاغ، كذلك كل الرسل.

الأدلة القرآنية على تمام البلاغ

﴿وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوۡمِهِ لِیُبَیِّنَ لَهُمۡ، فَیُضِلُّ ٱللهُ مَن یَشَاۤءُ وَیَهۡدِي مَن یَشَاۤءُ وَهُوَ ٱلۡعَزِیزُ ٱلۡحَكِیمُ﴾
[إبراهيم: 4]
﴿هَذَا بَلَاغࣱ لِّلنَّاسِ وَلِیُنذَرُوا۟ بِهِ وَلِیَعۡلَمُوۤا۟ أَنَّمَا هُوَ إِلَهࣱ وَاحِدࣱ وَلِیَذَّكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلۡأَلۡبَابِ﴾
[إبراهيم: 52]
﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغۡ مَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمۡ تَفۡعَلۡ فَمَا بَلَّغۡتَ رِسَالَتَهُ وَٱللهُ یَعۡصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ إِنَّ ٱللهَ لَا یَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَافِرِینَ﴾
[المائدة: 67]

وقال كذلك في نفس السورة [سورة المائدة التي أمر فيها النبي ﷺ أن يبلغ] قالها في نهاية حياة النبي ﷺ:

﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾
[المائدة: 3]
فهذه شهادة من الله أن الرسول ﷺ قد بلغ ما أمره الله به.
﴿عَالِمُ ٱلۡغَیۡبِ فَلَا یُظۡهِرُ عَلَىٰ غَیۡبِهِ أَحَدًا ۝ إِلَّا مَنِ ٱرۡتَضَىٰ مِن رَّسُولࣲ فَإِنَّهُ یَسۡلُكُ مِنۢ بَیۡنِ یَدَیۡهِ وَمِنۡ خَلۡفِهِ رَصَدࣰا ۝ لِّیَعۡلَمَ أَن قَدۡ أَبۡلَغُوا۟ رَسَالَاتِ رَبِّهِمۡ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَیۡهِمۡ وَأَحۡصَىٰ كُلَّ شَيءٍ عَدَدَۢا﴾
[الجن: 26-28]
❈ ❈ ❈

شهادة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها

عن مسروق بن الأجدع، عن عائشة، قالت: «لو كان محمد ﷺ كاتماً شيئاً، مما أنزل عليه، لكتم هذه الآية: {وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه}»
أخرجه مسلم والترمذي، والنسائي. واللفظ للنسائي في «الكبرى» (11519).
عن مسروق بن الأجدع، قال: كنت متكئاً عند عائشة، فقالت:
«يا أبا عائشة، ثلاث من تكلم بواحدة منهن، فقد أعظم على الله الفرية... ومن زعم أن رسول الله ﷺ كتم شيئاً من كتاب الله، فقد أعظم على الله الفرية، والله يقول: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته}...»
أخرجه أحمد، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وأبو يعلى. واللفظ لمسلم (358).

شهادة الصحابة في خطبة الوداع

قام الرسول ﷺ يخطب فقال: «وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به؛ كتاب الله، وأنتم تسألون عني، فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بإصبعه السبابة، يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: اللهم اشهد، اللهم اشهد، ثلاث مرات»
أخرجه مالك، والحميدي، وابن أبي شيبة، وأحمد، والدارمي، وعبد بن حميد، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجة، والترمذي، والنسائي، وأبو يعلى، وابن خزيمة، وابن حبان، والدارقطني، والبيهقي.

طبيعة وصايا النبي ﷺ

فالنبي ﷺ بلغ الدين كاملاً قبل هذه اللحظة، بالتالي [في حديث الرزية] لحظة قال النبي ﷺ للناس: ﴿هلم أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده﴾، وتبين أنه لم يكتب هذا الكتاب، فقد كان سيكتب لهم تذكيراً، يذكر الناس بشيء قد سبق وبلغه قبل ذلك.

عن طلحة بن مصرف، قال: سألت عبد الله بن أبي أوفى:
«هل أوصى رسول الله ﷺ؟ فقال: لم يترك رسول الله ﷺ شيئاً يوصي فيه، قلت: وكيف أمر الناس بالوصية ولم يوص؟ قال: أوصى بكتاب الله».
أخرجه الحميدي، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأحمد، والدارمي، والبخاري، ومسلم، وابن ماجة، والترمذي، والنسائي.

فهل وصية الرسول ﷺ هنا، يعتبر تشريعاً جديداً؟! لا، إنما يذكرهم بشيء مهم. وهذا التذكير اتباع لكلام الله:

﴿فَذَكِّرْ، إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية: 21]
﴿وَذَكِّرۡ فَإِنَّ ٱلذِّكۡرَىٰ تَنفَعُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [الذاريات: 55]

أمثلة على وصايا النبي ﷺ للصحابة

عن الصنابحي، عن معاذ بن جبل؛
«أن النبي ﷺ، أخذ بيده يوماً، ثم قال: يا معاذ، إني لأحبك، فقال له معاذ: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، وأنا أحبك، قال: أوصيك يا معاذ، لا تدعن في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك»
أخرجه أحمد، وعبد بن حميد، والبخاري، في «الأدب المفرد»، وأبو داود، والنسائي، وابن خزيمة.
عن أبي عثمان النهدي، عن أبي هريرة قال:
«أوصاني خليلي بثلاث، لا أدعهن حتى أموت: صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى، ونوم على وتر»
أخرجه أحمد، والدارمي، والبخاري، ومسلم، والنسائي، وفي الكبرى، وابن خزيمة.
عن أبي جحيفة، قال: سألنا علياً: هل عندكم من رسول الله ﷺ، شيء بعد القرآن؟ قال: لا، والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، إلا فهم يؤتيه الله رجلاً في القرآن، أو ما في الصحيفة، قلت: وما في الصحيفة؟ قال: «العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر».
أخرجه الحميدي، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأحمد، والدارمي، والبخاري، وابن ماجة، والترمذي، والنسائي، وأبو يعلى.

قول ابن عباس عما ترك النبي ﷺ

عن عبد العزيز بن رفيع، قال: دخلت أنا وشداد بن معقل، على ابن عباس، فقال ابن عباس: «ما ترك رسول الله ﷺ إلا ما بين هذين اللوحين». ودخلنا على محمد بن علي فقال مثل ذلك.
أخرجه أحمد، والبخاري.
ملاحظة مهمة: استدل بعضهم من هذا الحديث أن القرآن قد جُمع في عهد النبي ﷺ وقبل موته، وهذا خطأ. لأن الكلام هنا كان في زمن ابن عباس، حين سئل ابن عباس هذا السؤال، فكان القرآن مجموعاً كله بين دفتين. فلهذا أشار للموجود عنده حينها [المصحف] وقال: هذا الذي تركه فينا، ولا يدل هذا أن المصحف كان مجموعاً في عهد النبي ﷺ.

الخلاصة

حديث الرزية ليس فيه دليل على أن الحديث ليس بحجة، ولا يؤخذ به تشريعاً. ولكن الرسول ﷺ كان سيذكرهم بأمور قد قالها لهم سابقاً.

وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا،..

ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ.