عند السلفية المعاصرة [القطيع الذي اجتمع فيه التقليد والغلو والإحداث بغباء]، أن البخاري رحمه الله علّق السند بصيغة الجزم!!،. واقرأ تدخّلهم في تخريج حكم المحدث، من موقع الدرر السنية،. عند حديث ــ ﴿ليَكونُ في أمَّتي قومٌ يستحلُّونَ الحِرَ والحريرَ والخمرَ والمعازفَ﴾،. قالوا : أخرجه البخاري موصولاً وصورته معلقاً بصيغة الجزم (5590)!،.
والله أن السلفية المعاصرة أهل خبث،. يعلمون أن الحديث معلق ضعيف بميزان علوم الحديث، فاخترعوا مصطلحاً جديداً ليخدم شهوتهم في ترقيع الحديث [ليخلصوا به إلى تحريم المعازف]،. وإلا فما هذا القول المحدث (معلقاً بصيغة الجزم؟!،.) هذا ليس إلا تحريف ودجل، وتخليط الحق بالباطل،.
ما معنى (بصيغة الجزم)؟!
ــ هل أقسم البخاري (برب الكعبة) حين رواه مثلاً؟!،.
ــ وبمقابل الجزم، وما هو صيغة الظن؟!،.
ــ وكيف نفرق بينهما؟!،.
ــ وهل فرّق البخاري [صاحب السند] هذه عن تلك؟!،.
ــ أم هو عبث وتطفل من المتأخرين على هذا الإمام الجبل؟!،.
جملة (رواه البخاري بصيغة الجزم)،. جملة محدثة وخبيثة في علم الحديث، [محدثة] أي جديدة، لم تكن عند الأولين، وليست من علوم المصطلح أساساً،. إنما هي لفظة دخيلة مصدرها الشباب المتطفلون المتطاولون على أكتاف هذا العلم الشريف،.
التعليق علة من العلل
التعليق علة من العلل في سند الحديث،. تُخل في اتصال السند من المدوّن إلى النبي ﷺ،. وهو [أي التعليق] نوع من أنواع الحديث المنقطع،. ولا توجد صيغة علمية تحدد نوع التعليق، أو تجعله قسمين أو ثلاثة [جزم وظن]،. وقد يقول المدون [قال أبوبكر]،. أو يقول [وقال أبوبكر]،. أو يقول [وعن أبي بكر]،. وكلنا نعلم أن أبابكر شيخه، وقد روى المدون عنه كثيراً بصيغ التحمّل التي تفيد السماع المباشر كــمثل [حدثنا/أخبرنا/أنبأنا/ سمعت أبابكر]،. ولكن في هذه المرة، لم يصرح المدون بالتحديث،. مما دل على أن المدوّن [كالبخاري] لم يسمعها منه،. ولو سمعها لقال [حدثنا]،. ولكنه في الحقيقة لم يسمعها منه،. فمن أمانته في النقل قال لك [عن أبي بكر]،. ولن يمنعه شيءٌ من التصريح بالسماع سوى أمانته في التدوين والنقل،. ولم يفرّق بين جزم وظن،. ولم تُعرف هذه التقسيمات إلا عند المتأخرين،. وفيها مافيها من التساهل الغبي والمفرط، لتمرير أي حديث معلول،.
فإن كنا سنقبل تقسيم العلة الواحدة لقسمين كما فعل حدثاء الأسنان في أيامنا [بصيغة الجزم وبغير صيغة الجزم!]،. لجاز لنا استخدام نفس القاعدة مع بقية أنواع الحديث المنقطع،. كالإرسال مثلاً والاعضال وعنعنة المدلس،.
ــ فسآتيك بالمنقطع، وأقول بعدها : هذا حديثٌ صحيح، أرسله علي بن طلحة عن ابن عباس بصيغة الجزم ((وإن لم يك قد سمع منه))،. ثم سئسأل سؤالا بارداً لأنتصر لرأيي : وهو الراجل حيكدب ليه؟! مصلحته إيه لما يكدب؟!،.
ــ وسأقول عن التدليس،. ((خاصةً الأحاديث التي أشتهي صحتها)) بأن الأعمش عنعنها بصيغة الجزم،. [أكييد هو يقصد الجزم]،.
ــ وسآتي على كل حديث مظلم هالك، فيه مبهمين أو مجاهيل،. وسأقول : رواه الأوزاعي عن مجهول بصيغة الجزم،. [وهو الراجل حيكدب ليه؟!]،.
ــ وسأقول عن المراسيل،. أن الحسن البصري أرسله عن النبي ﷺ بصيغة الجزم،. [وهل تتوقع أن يكذب الحسن على النبي ﷺ؟!]،.
ــ وسأقول عند البلاغات، أن الزهري قال (بلغنا) بصيغة الجزم،.
ــ وسأقول عن صيغ التحمّل، أن عبدالرزاق قال [حُدّثنا] بصيغة الجزم،.
وهكذا، سيتم اللعب بكل مصطلحات الحديث، وفقاً لما تشتهيه الأنفس من تمرير الحديث المعلول،. لأن [شيخي احتج بهذا الحديث أثناء الدرس]، فأكييييد هو صحيح عنده، ولابد أن العلة ليست بعلة حقيقية، لأن شيخي يرى أن البخاري كان في نيته الجزم والقطع، والبخاري يقصد في قرارة نفسه، وفي جوف قلبه أنه معلق بصيغة الجزم،. وليس بصيغة الظن!!،. حَسْبُنَا اللّٰه وَنِعْمَ الْوَكِيْل،.
منهج التقسيمات عند السلفية
هذه ليست أول مرة، يقوم فيها السلفية بتقسيم الكلمة الواحدة إلى قسمين أو أكثر،.. بل هذه عادتهم ودأبهم في تحريف أي لفظة عن سياقها ومعناها الأساسي ومفهومها الأصلي،.
هذه [التقسيمات] إحدى أساليب التحريف المتطورة،. يستخدمها السلفي للخروج من أي مأزق،. وهذا السلاح [التقسيمات]وجدت لها آذان صاغية ومتقبلة لما فيها من زخرف القول،.
فهذه التقسيمات [المستحدثة] عند السلفي، هي الحل الأمثل للخروج من أي معضلة تواجهه في أي مسألة،. فالتقسيمات عنده تعمل عمل (الجاذبية) عند الملاحدة،. هي بطاقة النجاة [الجوكر]،. فعوضاً أن ينظر في المسألة تأصيلاً وتحقيقاً ويعيد النظر في سياقات الآيات، أو أسانيد الروايات من جديد، يلجأ لأقرب مخرج للفكاك من التعارض [ألا وهي التقسيمات!] وهو متكئ على أريكته،.
ولأجل ذلك قسم السلفيون الكُفرَ قسمين، كفرٌ أصغر [كيوت] لا بأس به،. وكفرٌ أڪبر، والشرك كذلك، شركٌ أكبر مخرجٌ من الملة، وشركٌ أصغر [كيوت] فلا يضر القليل منه،. ومشيئة الله، جعلوها قسمين كذلك، مشيئة شرعية ومشيئة كونية، والواحد [التوحيد] صار ثلاث *((توحيدات!))* مختلفة،. [أي ثلاثة أقسام] ألوهية، وربوبية، وملوخية،. والتعريفات صارت قسمين، لغةً واصطلاحاً،. والبدعة جعلوها قسمين، حسنة وسيئة، والفرض عين وكفاية، والسنة عين وكفاية ومؤكدة، والنسخ نسخان، نسخ لرسم ونسخٌ لحكم،. مع أن النسخ كان للآية وليس للحكم أو الرسم،. والجعل كوني وشرعي، والإيمان حقيقة وكمال [لأنها من مقتضيات التفريق عن الجهمية]، والاختلاف في الدين [وهذه من أخبث التقسيمات] جعلوها قسمين، اختلاف تنوع واختلاف تضاد ((وجعلوا كل مشاققاتهم للۡقُرآن، وكل اختلافاتهم المذاهبية وعداواتهم للنبي ﷺ ومحدثاتهم في الدين تحت قسم : اختلاف التنوع الممدوح!!))، والتعارض، ظاهري وحقيقي [والنسخ إنما كان للتعارض الحقيقي في القرآن فهم يؤمنون بأن ٱلۡقُرآن متعارض]، والجهاد، جهاد دفع وجهاد طلب،. والسحر سحران، سحرٌ حقيقي، وسحرُ تخيّل [لينقذوا أنفسهم من حديث سحر النبي ﷺ] وقس على ذلك كل شيء، وهنا كذلك استخدموا نفس البطاقة [الجوكر]،. طريقة المترفين الشبعانين،. فجعلوا التعليق قسمين،. معلق بصيغة الجزم، ومعلق بصيغة غيره،. الجزمة على رؤوسهم،.
ألا يشبه هذا عمل النصارى في تقسيم الرب الواحد إلى ثلاث [[الآب والابن والروح القدس]]؟!،. بل يشبهه، فالنصارى سبقوهم في تقسيمهم لصلب عيسى [وهو ربٌ عندهم]،. فجعلوا عيسى قسمين الجزء الذي مات، هو الجزء البشري (يسمونه الجزء الناسوتي)،. هو الذي تأثر بالصلب!!،. أما الجزء الذي نجى من عيسى، هو القسم (اللاهوتي) فلم يتأثر لأنه إله،. تعالى الله عما يقوله النصارى والسلفية،.
ولكنها السنن،. قال نبي ٱلله ﷺ،. ﴿ﻟﺘﺘﺒﻌﻦ ﺳﻨﻦ ﻣﻦ ﻗﺒﻠﻜﻢ ﺷﺒﺮا ﺑﺸﺒﺮ، ﻭﺫﺭاﻋﺎ ﺑﺬﺭاﻉ، ﺣﺘﻰ ﻟﻮ ﺳﻠﻜﻮا ﺟﺤﺮ ﺿﺐ ﻟﺴﻠﻜﺘﻤﻮﻩ، ﻗﻠﻨﺎ: ﻳﺎ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ، اﻟﻴﻬﻮﺩ ﻭاﻟﻨﺼﺎﺭﻯ؟ ﻗﺎﻝ: ﻓﻤﻦ؟!﴾ أخرجه أحمد، والبخاري، ومسلم.،.
فلا غرابة الآن، من تقسيمهم للفظة [المعلق] إلى قسمين، بصيغة الجزم وبصيغة الــ [مش جزم]،. والغرض منه هو التهوين من علة (التعليق)، بالتالي تصحيح الحديث،. كله بهذا الجوكر [التقسيمات]،. التي بها تستطيع تغيير كل شيء على الإطلاق [فهي تعمل عمل السحر]،. في تقليب الحقائق،. وتلبيس الحق بالباطل،.