القمر السبت ١٩ ذُو الْحِجَّة ١٤٤٧ هـ

حديث، سحر النبي ﷺ،.

حديث سحر النبي ﷺ.

المتن والتخريج

الحديث أخرجه الحميدي، وابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم وابن ماجة والنسائي وأبو يعلى وابن حبان بسند مداره على ثمانيتهم (سفيان بن عيينة، وعبد الله بن نمير، ويحيى بن سعيد، ومعمر بن راشد، وأبو أسامة، حماد بن أسامة، ووهيب بن خالد، وعيسى بن يونس، وأنس بن عياض) عن هشام بن عروة ❌، عن أبيه، عروة بن الزبير، عن عائشة، قالت:

عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة.
«سُحر النبي ﷺ، حتى إنه ليخيل إليه أنه يفعل الشيء وما فعله، حتى إذا كان ذات يوم وهو عندي، دعا الله ودعاه، ثم قال: أشعرت يا عائشة أن الله قد أفتاني فيما استفتيته فيه، قلت: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: جاءني رجلان، فجلس أحدهما عند راسي، والآخر عند رجلي، ثم قال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب، قال: ومن طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم اليهودي من بني زريق، قال: فيما ذا؟ قال: في مشط ومشاطة، وجف طلعة ذكر، قال: فأين هو؟ قال: في بئر ذي أروان، قال: فذهب النبي ﷺ في أناس من أصحابه إلى البئر، فنظر إليها وعليها نخل، ثم رجع إلى عائشة، فقال: والله لكأن ماءها نقاعة الحناء، ولكأن نخلها رؤوس الشياطين، قلت: يا رسول الله، أفأخرجته؟ قال: لا، أما أنا فقد عافاني الله وشفاني، وخشيت أن أثور على الناس منه شرا، وأمر بها فدفنت»

– وفي رواية: «أن النبي ﷺ سُحر، حتى كان يُخيل إليه أنه صنع شيئا ولم يصنعه»

– وفي رواية: «سُحر رسول الله ﷺ رجل من بني زريق، يقال له: لبيد بن الأعصم، حتى كان رسول الله ﷺ يُخيل إليه أنه يفعل الشيء وما فعله، حتى إذا كان ذات يوم، أو ذات ليلة، وهو عندي، لكنه دعا ودعا، ثم قال: يا عائشة، أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه، أتاني رجلان، فقعد أحدهما عند راسي، والآخر عند رجلي، فقال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ فقال: مطبوب، قال: من طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: في أي شيء؟ قال: في مشط ومشاطة، وجف طلع نخلة ذكر، قال: وأين هو؟ قال: في بئر ذروان، فأتاها رسول الله ﷺ في ناس من أصحابه، فجاء، فقال: يا عائشة، كأن ماءها نقاعة الحناء، أو كأن رؤوس نخلها رؤوس الشياطين، قلت: يا رسول الله، أفلا أستخرجه؟ قال: قد عافاني الله، فكرهت أن أثور على الناس فيه شرا، فأمر بها فدفنت»

– وفي رواية: «كان رسول الله ﷺ سحر، حتى كان يرى أنه ياتي النساء ولا ياتيهن، قال سفيان: وهذا أشد ما يكون من السحر، إذا كان كذا، فقال: يا عائشة، أعلمت أن الله قد أفتاني فيما استفتيته فيه، أتاني رجلان، فقعد أحدهما عند راسي، والآخر عند رجلي، فقال الذي عند راسي للآخر: ما بال الرجل؟ قال: مطبوب، قال: ومن طبه؟ قال: لبيد بن أعصم، رجل من بني زريق حليف ليهود كان منافقا، قال: وفيم؟ قال: في مشط ومشاقة، قال: وأين؟ قال: في جف طلعة ذكر، تحت رعوفة في بئر ذروان، قالت: فأتى النبي صلى الله عليه وسلم البئر حتى استخرجه، فقال: هذه البئر التي أريتها، وكأن ماءها نقاعة الحناء، وكأن نخلها رؤوس الشياطين، قال: فاستخرج، قالت: فقلت: أفلا؟ أي تنشرت، فقال: أما والله فقد شفاني، وأكره أن أثير على أحد من الناس شرا»

– وفي رواية: «لبث رسول الله ﷺ ستة أشهر يرى أنه ياتي ولا ياتي، فأتاه ملكان، فجلس أحدهما عند راسه، والآخر عند رجليه، فقال أحدهما للآخر: ما باله؟ قال: مطبوب قال: من طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: فيم؟ قال: في مشط ومشاطة، في جف طلعة ذكر، في بئر ذروان، تحت رعوفة، فاستيقظ النبي ﷺ من نومه، فقال: أي عائشة، ألم تري أن الله أفتاني فيم استفتيته، فأتى البئر، فأمر به فأخرج، فقال: هذه البئر التي أريتها، والله كأن ماءها نقاعة الحناء، وكأن رؤوس نخلها رؤوس الشياطين، فقالت عائشة: لو أنك، قال: كأنها تعني أن ينتشر، قال: أما والله قد عافاني الله، وأنا أكره أن أثير على الناس منه شرا».

والحديث؛ أخرجه إسحاق بن راهوية (737)، والطبري 2/ 351، والطبراني، في «الأوسط» (5926)، والبيهقي 8/ 135، والبغوي (3260).

قول الدارقطني

اختلاف الرواية عن هشام

ـ قال الدارقطني: يرويه هشام بن عروة، واختلف عنه؛
فرواه يحيى القطان، والليث بن سعد، ومرجى بن رجاء، وأبو أسامة، وابن عيينة، ومعمر، وحماد بن سلمة، وأنس بن عياض، ومسلمة بن سعيد، وعبد الله بن نمير، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة.
ورواه جنادة بن مروان، عن هشام، عن عروة، مرسلا.
والمتصل أصح. «العلل» (3507).

الحكم على الحديث

ــــــ حديث سحر النبي ﷺ حديثٌ ضعيف ❌،.

تحقيق في السند والمتن

لا شك أن كتاب الصحيح المسند للبخاري من أعظم الكتب التي ضمت الصحيح المسند، والطاعنين فيه أغلبهم مرضى لا يختلفون عمن غلوا فيه وأوصلوه وكأنه عمل الرب،. يبقى الكتاب عملٌ بشري لا يخلو من أخطاء وزلات،. ولكن يستبين هذا بالتحقيق مجرداً من الهوى والحقد، فلا يُرد الحديث الصحيح لمجرد التناقض الظاهر فيه، فربما كان التناقض إنما هو في رأس القارئ فحسب، وسوء فهم منه، وما أكثر ما وجدنا ذلك، لا يكون تناقضاً ولكنه شُبِّه لهم،.

أما بخصوص حديث سحر النبي ﷺ،.

أولاً: هشام بن عروة

الحديث فيه هشام بن عروة، هو ثقة حافظ متقن، كذا في شطر عمره، ((ولكن بعد رحلته إلى الشام خلط في بعض الروايات))،. فروايته هذه محل شك،. خاصةً أن خبرٍ كهذا، لا يكون مستوراً موارىً،.

قال أبو حاتم الرازي عن هشام بن عروة : ثقة إمام في الحديث.
قال علي بن المديني : له نحو من أربع مائة حديث.
قال يحيى بن معين وجماعة : ثقة.
قال يعقوب بن شيبة السدودي : هشام ثبت، لم يُنكر عليه إلا بعدما صار إلى العراق، فإنه انبسط في الرواية، ((وأرسل عن أبيه أشياء، مما كان قد سمعه من غير أبيه عن أبيه))،.
وقال عبد الرحمن بن خراش : بلغني أن مالكا نقم على هشام بن عروة حديثه لأهل العراق، ((وكان لا يرضاه، ثم قال : قدم الكوفة ثلاث مرات، قدمة كان يقول فيها : حدثني أبي قال : سمعت عائشة. والثانية، فكان يقول : أخبرني أبي عن عائشة. وقدم الثالثة فكان يقول : أبي عن عائشة، يعني يرسل عن أبيه))،.
قال النضر بن عبد الجبار : ((كان يعجب من حديثه عن أبيه))
قال سبط ابن العجمي : إمام مشهور لم يشتهر بالتدليس
قال عبد الرحمن بن يوسف بن خراش : كان مالك لا يرضاه، وكان هشام صدوقا تدخل اخباره في الصحيح، ومرة: قال بلغني ان مالكا نقم عليه حديثه لأهل العراق.
قال علي بن المديني : أروى القوم.
أما مالك بن أنس : ((كان لا يرضاه نقم عليه حديثه لأهل العراق، ومرة: كذاب، قال ابن معين: عسى أراد الكذب في الكلام))، فأما في الحديث فهو ثقه، وهو من الرواة عنه
قال محمد بن سعد كاتب الواقدي : ثقة، ثبت، كثير الحديث، حجة
قال وهيب بن خالد : قدم علينا فكان فينا مثل الحسين وابن سيرين
قال يحيى بن سعيد القطان : ما أبالي إذا كتبت الحديث عن سعيد أو هشام أو شعبة، لا أعيد حديث هذا على هذا ولا حديث هذا على هذا
يحيى بن معين : ثقة في الحديث، قيل له سمع من نافع؟ فقال: يروي عنه.

ثانياً: انفراد الطريق

لم يرو هذا أحد غيره، مع وجود عدة زوجات للنبي ﷺ، منهم ميمونة خالة ابن عباس كمثال،.

ثالثاً: القرآن والتعارض الظاهر

قال اللّٰه،. ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة 67]،. وقالَ اللّٰه،. ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الإسراء 47]،. فهذا تناقضٌ واضح مع ذلك الخبر،.

فبضم الثلاثة إلى بعضهم تعرف أن الحديث لا يمكن الجزم بثبوته،.

يعني ولو أن الراوي لم يَحدُث في حفظه شيئاً ولم يتغير حفظه، لم نك لنبحث هذه النقطة، لكن لمّا حدَث في حفظ هشام بن عروة شيءٌ، أصبحنا لا نستطيع أن نجزم بهذا الحديث،. ـ فننظر فيه، ــ فنجده مخالفاً للآية ـ ولا نعلم هل رواه قبل أو بعد تغييره وخلطه، لو كان بعد سفره للشام وخلطه، نريد قرينة لحديثه،. خاصةٌ مثل هذا الحديث، الذي له علاقة بزوجات النبي ﷺ، وله عدة زوجات منهم على سبيل المثال ميمونة خالة ابن عباس، وحفصة أخت عبد الله بن عمر، وغيرهما، ولم يرو أحدٌ من زوجاته هذه القضية على عظمها وطول مدتها (شهرين وهو مسحور!؟)،. كيف لا وقد روين كيفية غسل الجنابة بالتفصيل؟!،.

فهذه قرينة، بجانب مخالفة الآية تؤكد أن الرواية مما خلط فيه هشام،.

ردّ تشبيه موسى

أما من قال أن موسى كذلك سُحر، ليزيل شبهة التعارض بين الخبر والآية،. فقوله مردود عليه لسببين،. أولاً، أن موسى لم يُسحر، بل خيلّ إليه من سحرهم، والتخييل ليس سحراً، فسحرهم لم يكن في موسى، بل في حبالهم وعصيهم،. والأمر الآخر، أن الله لم يقل عن موسى ما قاله عن النبي ﷺ (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)،. فحتى لو قيل أنه حصل لموسى كذا،. فما اللازم من حصول ذلك لباقي الأنبياء؟!،. فكل نبي له وضع خاصٍ، فيه حكمةٌ من الله وعلم،. وليس كل الأنبياء سواء،. فليس يوسف كداوود في الملك، ولا نوح كيونس في الصبر،. ورُفع عيسى، ولم يرفع النبي نوح ﷺ،. كل نبي أعطي أمراً،. قد لا يكون هذا الأمر لغيره من الأنبياء،. فلا يُعمّم ما حصل لنبي ما، على كل الأنبياء، ولا ما حصل لموسى على بقية الأنبياء،. وقد كلم الله موسى تكليماً ولم هذا عن النبي ﷺ،. وقال عن النبي ﷺ أنه أميّ ولم هذا عن موسى عليه الصلاة والسلام،. فلا يوجد إلزام يقتضي منه أنه طالما سُحر موسى، فبالتالي، يجوز السحر على النبي ﷺ،. هذا الاشتراط ليس ملزماً،.

قال «ابن حجر» في دفاعه عن الحديث في البخاري: «وإنما يكون من جنس الخاطر، يخطر ولا يثبت، فلا يبقي على هذا للملحد حجة» فتح الباري (10/264)،.
قال الفقيه الحنفي «أبوبكر الجصاص [370 هـ.]» عن حديث سحر الرسول الذي أخرجه البخاري ومسلم: «ومثل هذه الأخبار من وضع الملحدين تلعبا بالحشو الطغام» أحكام القرآن (1/49)،.

أقوال ومنهج التقسيم

الكلام مع السلفيين اليوم، يشبه الكلام مع النصارى في الآب والابن والروح القدس!،. يقولون : الجزء الخاص بالوحي والبلاغ (اللاهوتي) لم يتأثر في النبي ﷺ،. أما الجزء البشري (الناسوتي) هو الذي تأثر!!،.

منهج التقسيمات عند السلفية،.

التقسيمات [التي اعتدنا عليها] عند السلفي، هي الحل الأمثل للخروج من أي معضلة تواجههم في أي مسألة،. فالتقسيمات عنده تعمل عمل (الجاذبية) عند الملاحدة،. هي بطاقة النجاة [الجوكر]،. فعوضاً أن ينظر في المسألة تأصيلاً وتحقيقاً ويعيد النظر في أسانيد الروايات من جديد، يلجأ لأسهل طريق للفكاك من التعارض [التقسيمات!] وهو متكئ على أريكته،. فلأجل ذلك قسم السلفيون الكفر قسمين، كفرٌ أصغر لا بأس به وكفرٌ أكبر، والشرك كذلك، شركٌ أكبر مخرجٌ من الملة، وشركٌ أصغر [كيوت] ولا يضر القليل منه، بل سيغفر الله لهذا المشرك، ولا تسأل كيف،. والإرادة أو مشيئة الله، شرعية وكونية، والواحد [التوحيد] صار ثلاث توحيدات! ألوهية وربوبية وأسماء وصفات،. والتعريفات، لغةً واصطلاحاً،. والبدعة حسنة وسيئة، والفرض عين وكفاية، والسنة عين وكفاية ومؤكدة، والنسخ للرسم والحكم مع أنها كانت للآية،. والجعل كوني وشرعي، والإيمان حقيقة وكمال [مقتضيات التفرقة عن الجهمية]، والاختلاف تنوع وتضاد، والتعارض، ظاهري وحقيقي [والنسخ للتعارض الحقيقي في القرآن]، وقس على ذلك كل شيء، وهنا كذلك استخدموا نفس البطاقة [الجوكر]،. طريقة المترفين الشبعانين،. وهذا ما حصل في حديث سحر النبي ﷺ،. قسموا السحر قسمين كذلك، ليخرجوا من هذه المعضلة،. قالوا أن السحر نوعين، حقيقي وتخيلات،. والذي حصل للنبي ﷺ هو التخيلي،.

أكبر شيءٍ أفسد في الإسلام وأوجد التعارض والتناقض بين نصوصه، هو عدم التمييز بين الصحيح والضعيف في الأسانيد،. حديث سحر النبي ﷺ في سنده شك،. بينما لا يُقبل في الدين إلا اليقين المبين،. وهذا التساهل في تناول الأسانيد أدى لظهور الكثير من منكري السنة وفتح الباب للطاعنين بالبخاري ومسلم وكتب (التراث) النبوي بظلم،. كله بسبب عناد البعض أن كل ما فيها صحيح دون مراجعة،. أطروها وقدسوها فظهرت التناقضات الكثيرة في الدين،.

الخلاصة

الخلاصة، التعارض قائم،. ولن يزول برده عبر تقسيم النبي ﷺ قسمين، لاهوتي وناسوتي،. بل بتحقيق سند الرواية،. وقد تبين أن سندها فيها ما فيها،.

وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا،..

ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ.