أحاديث الذهب حرام على ذكور أمتي
تحقيق في السند والمتن وعلم علل الحديث للأحاديث المشهورة في تحريم الذهب
مقدمة: أحاديث الذهب حرام على ذكور أمتي
كثرت الأحاديث والمرويات التي يتداولها العامة والفقهاء في القول بتحريم الذهب والحرير على ذكور الأمة الإسلامية وحلها للإناث، ولكن بالتحقيق العلمي الحديثي نجد أن هذه الأحاديث بأسانيدها المشهورة لا تخلو من علل قادحة تمنع ثبوتها عن النبي ﷺ بالشكل والجزم المستدل به. وفيما يلي تفصيل التحقيق في أسانيد هذه الطرق وبيان عللها.
طريق الإفريقي، عبدالرحمن بن رافع، عن عبدالله بن عمرو
❌
«ﺧﺮﺝ ﺇﻟﻴﻨﺎ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ ﻭﻓﻲ ﺇﺣﺪﻯ ﻳﺪﻳﻪ ﺛﻮﺏ ﻣﻦ ﺣﺮﻳﺮ، ﻭﻓﻲ اﻷﺧﺮﻯ ﺫﻫﺐ، ﻓﻘﺎﻝ: ﺇﻥ ﻫﺬﻳﻦ ﻣﺤﺮﻡ ﻋﻠﻰ ﺫﻛﻮﺭ ﺃﻣﺘﻲ، ﺣﻞ ﻹﻧﺎﺛهم»
ﺃﺧﺮﺟﻪ اﺑﻦ ﺃﺑﻲ ﺷﻴﺒﺔ (25152)، ﻭاﺑﻦ ﻣﺎﺟﺔ (3597) ﻗﺎﻝ: ﺣﺪﺛﻨﺎ ﺃﺑﻮ ﺑﻜﺮ، ﻗﺎﻝ: ﺣﺪﺛﻨﺎ ﻋﺒﺪ اﻟﺮﺣﻴﻢ ﺑﻦ ﺳﻠﻴﻤﺎﻥ، ﻋﻦ اﻹﻓﺮﻳﻘﻲ، ﻋﻦ ﻋﺒﺪ اﻟﺮﺣﻤﻦ ﺑﻦ ﺭاﻓﻊ، ﻋﻦ ﻋﺒﺪ اﻟﻠله ﺑﻦ ﻋﻤﺮﻭ.
تحقيق رجال الإسناد وعلل الراويين
1. عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي
عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي قاضيها، ضعيف في حفظه، من السابعة، مات سنة ست وخمسين ومئة، وكان رجلاً صالحاً. وهو ليس بثقة عند أهل الحديث.
ـ قال أبو عيسى الترمذي: ضعيف عند أهل الحديث، وضعفه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين.
ـ قال البزار: الإفريقي، لم يكن بحافظ للحديث. «مسنده».
ـ قال الدارقطني في «السنن»: عبد الرحمن بن زياد الإفريقي ضعيف، لا يحتج به.
ـ وقال الدارمي: سألت يحيى بن معين عن الإفريقي، فقال: ضعيف.
ـ قال البيهقي: غير قوي، ومرة: ضعفه أهل العلم بالحديث، ومرة: غير محتج به.
ـ قال أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه ولا يحتج به.
ـ قال أبو زرعة الرازي: ضعيف.
ـ قال أحمد بن حنبل: ليس بشيء، ومرة: لا أكتب حديثه، ومرة: منكر الحديث.
ـ قال النسائي: ضعيف.
2. عبد الرحمن بن رافع التنوخي المصري
عبد الرحمن بن رافع التنوخي المصري، قاضي إفريقية، ضعيف، وهو منكر الحديث ❌.
خلاصة الطريق: هذا الحديث ضعيف ❌ لضعف الإفريقي ونكارة حديث عبد الرحمن بن رافع.
طريق عوف بن أبي جميلة، عن ميمون بن أستاذ، عن عبدالله بن عمرو
❌
«ﻣﻦ ﻟﺒﺲ اﻟﺬﻫﺐ ﻣﻦ ﺃﻣﺘﻲ، ﻓﻤﺎﺕ ﻭﻫﻮ ﻳﻠﺒﺴﻪ، ﺣﺮﻡ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﺫﻫﺐ اﻟﺠﻨﺔ، ﻭﻣﻦ ﻟﺒﺲ اﻟحرير ﻣﻦ ﺃﻣﺘﻲ، ﻓﻤﺎﺕ ﻭﻫﻮ ﻳﻠﺒﺴﻪ، ﺣﺮﻡ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﺣﺮﻳﺮ اﻟﺠﻨﺔ»
ﺃﺧﺮﺟﻪ ﺃﺣﻤﺪ (6556) ﻗﺎﻝ: ﺣﺪﺛﻨﺎ ﻣﺤﻤﺪ ﺑﻦ ﺟﻌﻔﺮ. ﻭﻓﻲ 2/208 (6947) ﻗﺎﻝ: ﺣﺪﺛﻨﺎ ﺇﺳﺤﺎﻕ ﺑﻦ ﻳﻮﺳﻒ اﻷﺯﺭﻕ، ﻭﻫﻮﺫﺓ ﺑﻦ ﺧﻠﻴﻔﺔ. ثلاثتهم عن عوف بن أبي جميلة، عن ميمون بن أستاذ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص.
❌
«ﻣﻦ ﻣﺎﺕ ﻣﻦ ﺃﻣﺘﻲ، ﻭﻫﻮ ﻳﺸﺮﺏ اﻟﺨﻤﺮ، ﺣﺮﻡ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﺷﺮﺑﻬﺎ ﻓﻲ اﻟﺠﻨﺔ، ﻭﻣﻦ ﻣﺎﺕ ﻣﻦ ﺃﻣﺘﻲ، ﻭﻫﻮ ﻳﺘﺤﻠﻰ اﻟﺬﻫﺐ، ﺣﺮﻡ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻟﺒﺎﺳﻪ ﻓﻲ اﻟﺠﻨﺔ»
ﺃﺧﺮﺟﻪ ﺃﺣﻤﺪ (6948) ﻗﺎﻝ: ﺣﺪﺛﻨﺎ ﻳﺰﻳﺪ ﺑﻦ ﻫﺎﺭﻭﻥ، ﻗﺎﻝ: ﺃﺧﺒﺮﻧﺎ اﻟﺠﺮﻳﺮﻱ [مختلط، ويزيد روى عنه بعد اختلاطه]، ﻋﻦ ﻣﻴﻤﻮﻥ ﺑﻦ ﺃﺳﺘﺎﺫ، ﻋﻦ اﻟﺼﺪﻓﻲ [مجهول]، ﻋﻦ ﻋﺒﺪ اﻟﻠﻪ ﺑﻦ ﻋﻤﺮﻭ.
دراسة رجال الإسناد وعلل الاختلاط والجهالة
1. ميمون بن أستاذ الهزاني البصري
ميمون بن أستاذ، أبو عبد الله البصري، مولى ابن سمرة، ضعيف، وهو ليس بثقة ❌.
2. سعيد بن إياس الجريري البصري
سعيد بن إياس الجريري، أبو مسعود، ثقة في الأصل ولكنه مختلط اختلط قبل موته بثلاث سنين. ويزيد بن هارون ممن كتب عنه بعد اختلاطه.
ـ قال النسائي: سعيد بن إياس الجريري، من سمع منه بعد الاختلاط فليس بشيء.
ـ قال العجلي: ثقة واختلط بأخرة، وكل ما روى عنه مثل هؤلاء الصغار (يزيد بن هارون، وابن المبارك) فهو مختلط.
3. الصدفي (المجهول)
الصدفي المذكور في الرواية مبهم ومجهول الحال، يدور بين كثير بن قليب أو محمد بن هدية، وكلاهما مجهول ❌ لا تقوم به حجة.
ـ قال عبد الله بن أحمد: ضرب أبي على هذا الحديث، لخطأ إسناده، فليس فيه "عن الصدفي"، وقيل ميمون هو الصدفي، وسماع يزيد بن هارون من الجريري كان في آخر عمره بعد اختلاطه.
ـ وقال يحيى بن معين عن الصدفي هذا: لا أدري من هو.
خلاصة الطريق: الحديث ضعيف جداً ❌ لعلل ضعف ميمون، اختلاط الجريري، وجهالة الصدفي.
طريق أبي أفلح، عن عبدالله بن زرير، عن علي
❌
«ﺃﺧﺬ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ ﺣﺮﻳﺮا ﺑﺸﻤﺎﻟﻪ، ﻭﺫﻫﺒﺎ ﺑﻴﻤﻴﻨﻪ، ﺛﻢ ﺭﻓﻊ ﺑﻬﻤﺎ ﻳﺪﻳﻪ، ﻓﻘﺎﻝ: ﺇﻥ ﻫﺬﻳﻦ ﺣﺮاﻡ ﻋﻠﻰ ﺫﻛﻮﺭ ﺃﻣﺘﻲ، ﺣﻞ ﻹﻧﺎﺛﻬﻢ»
ﺃﺧﺮﺟﻪ اﺑﻦ ﺃﺑﻲ ﺷﻴﺒﺔ (25149)، ﻭﺃﺣﻤﺪ (935)، ﻭاﺑﻦ ﻣﺎﺟﺔ (3595)، ﻭاﻟﻨﺴﺎﺋﻲ (9383)، ﻭﺃﺑﻮ ﻳﻌﻠﻰ (272)، ﻭاﺑﻦ ﺣﺒﺎﻥ (5434) من طرق عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الصعبة (عبد العزيز)، عن أبي أفلح الهمداني، عن عبد الله بن زرير الغافقي، عن علي بن أبي طالب.
تحقيق أسانيد الطريق وعلل تفرد رجاله
1. أبو أفلح الهمداني المصري
أبو أفلح الهمداني، مجهول الحال ❌ ولا تقوم به حجة.
2. عبد الله بن زرير الغافقي
عبد الله بن زرير الغافقي المصري، ثقة في الأصل ولكنه رمي بالتشيع الشديد. قال فيه بعض الأئمة: ليس بشيء لشيعيته.
3. عبد العزيز بن أبي الصعبة
عبد العزيز بن أبي الصعبة التيمي، أبو الصعبة، ليس بحجة ❌.
ـ قال أبو حاتم بن حبان: خبر سعيد بن أبي هند، عن أبي موسى، في هذا الباب، معلول لا يصح.
ـ وقال الدارقطني: يرويه يزيد بن أبي حبيب، واختلف عنه اختلافاً كبيراً؛ فرواه الليث ومحمد بن إسحاق عن يزيد عن عبد العزيز بن أبي الصعبة عن أبي أفلح عن ابن زرير عن علي. ورواه زيد بن أبي أنيسة عن يزيد عن ابن زرير مباشرة فأسقط رجلين. «العلل» (394).
خلاصة الطريق: الحديث ضعيف ❌ لجهالة أبي أفلح والاضطراب الشديد وسقوط الرواة في إسناده.
سعيد بن أبي هند، عن رجل، عن أبي موسى
❌
«ﺭﻓﻊ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ ﺣﺮﻳﺮا ﺑﻴﻤﻴﻨﻪ، ﻭﺫﻫﺒﺎ ﺑﺸﻤﺎﻟﻪ، ﻓﻘﺎﻝ: ﺃﺣﻞ ﻹﻧﺎﺙ ﺃﻣﺘﻲ، ﻭﺣﺮﻡ ﻋﻠﻰ ﺫﻛﻮﺭﻫﺎ»
ﺃﺧﺮﺟﻪ ﻋﺒﺪ اﻟﺮﺯاﻕ (19931)، ﻭﺃﺣﻤﺪ (19731)، ﻭاﻟﺘﺮﻣﺬﻱ (1720)، ﻭاﻟﻨﺴﺎﺋﻲ (9386) من طرق عن نافع، عن سعيد بن أبي هند، عن رجل [مجهول]، عن أبي موسى الأشعري.
علة الانقطاع والجهالة
الحديث فيه علتان قادحتان تمنعان ثبوته:
العلة الأولى: الجهالة، فالحديث يروى عن "رجل" مبهم من أهل البصرة وهو مجهول ❌.
العلة الثانية: الانقطاع الشديد، فسعيد بن أبي هند لم يسمع من أبي موسى الأشعري شيئاً ❌.
ـ قال الدارقطني: يرويه عبد الله بن سعيد بن أبي هند، واختلف عن نافع؛ فرواه أيوب وعبيد الله بن عمر عن نافع عن سعيد بن أبي هند عن أبي موسى. ورواه عبد الله بن عمر العمري عن نافع عن سعيد عن رجل عن أبي موسى، وهو أشبه بالصواب لأن سعيد بن أبي هند لم يسمع من أبي موسى شيئاً. «العلل» (1320).
خلاصة الطريق: الحديث ضعيف منقطع ❌ ولا يصح رفعه.
الصحيح الثابت في الباب
✅
«ﺃﻥ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ، اﺻﻄﻨﻊ ﺧﺎﺗﻤﺎ ﻣﻦ ﺫﻫﺐ، ﻭﻛﺎﻥ ﻳﺠﻌﻞ ﻓﺼﻪ ﻓﻲ ﺑﺎﻃﻦ ﻛﻔﻪ ﺇﺫا ﻟﺒﺴﻪ، ﻓﺼﻨﻊ اﻟﻨﺎﺱ، ﺛﻢ ﺇﻧﻪ ﺟﻠﺲ ﻋﻠﻰ اﻟﻤﻨﺒﺮ، ﻓﻨﺰﻋﻪ، ﻓﻘﺎﻝ: ﺇﻧﻲ ﻛﻨﺖ ﺃﻟﺒﺲ ﻫﺬا اﻟﺨﺎﺗﻢ، ﻭﺃﺟﻌﻞ ﻓﺼﻪ ﻣﻦ ﺩاﺧﻞ، ﻓﺮﻣﻰ ﺑﻪ، ﺛﻢ ﻗﺎﻝ: ﻭاﻟﻠﻪ ﻻ ﺃﻟﺒﺴﻪ ﺃﺑﺪا، ﻓﻨﺒﺬ اﻟﻨﺎﺱ ﺧﻮاﺗﻴﻤﻬﻢ»
ﺃﺧﺮﺟﻪ ﺃﺣﻤﺪ (6115)، ﻭاﻟﺒﺨﺎﺭﻱ، ﻭﻣﺴﻠﻢ، ﻭاﻟﻨﺴﺎﺋﻲ من طريق الليث عن نافع عن عبد الله بن عمر. إسناده صحيح وثابت ✅.
إن الثابت يقيناً في الباب هو فعل النبي ﷺ بامتناعه الشخصي عن لبس خاتم الذهب ونبذه له، دون ورود صيغة أمر أو نهي صريحة عامة للتحريم المطلق كما يُشاع، بل التأسي بفعله الشريف هو المعتمد.
قال الله تعالى في سورة الأحزاب:
﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةࣱ لِّمَن كَانَ یَرۡجُوا۟ ٱللهَ وَٱلۡیَوۡمَ ٱلۡآخِرَ وَذَكَرَ ٱللهَ كَثِیرࣰا﴾ [الأحزاب 21]
وهذا التأسي والاقتداء بفعل النبي ﷺ يشمل الأمة ذكوراً وإناثاً ممن يرجو الله واليوم الآخر.
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا،..
ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ.