القمر السبت ١٩ ذُو الْحِجَّة ١٤٤٧ هـ

لو كان الثراء رجلاً لقتلته

رحلة قرآنية عميقة في حقيقة المال والثراء — أربعة أجزاء في مقال واحد

الجزء الأول من 4 أجزاء

من أكبر الفتن التي ابتلانا الله بها وزينها في قلوبنا هو حب المال. فقد زين لنا بعد حب النساء والبنين، حب المال والسعي لجمعه والإكثار منه.

زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ

[آل عمران: 14]
قال رسول الله ﷺ: «يكبر ابن آدم، ويكبر معه اثنان: حب المال، وطول العمر»
وفي رواية: «يهرم ابن آدم، وتبقى منه اثنتان: الحرص، والأمل»
أخرجه البخاري ومسلم
وقال ﷺ: «قلب الشيخ شاب على حب اثنتين: حب العيش، والمال»
أخرجه الحميدي وأحمد ومسلم
❈ ❈ ❈

أحببناه حباً جماً

لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ...

[البقرة: 177]

كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ۝ وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ ۝ وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا ۝ وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا

[الفجر: 17-20]

فحب المال مفطورٌ فينا. زُيّن لنا، فأحببناه، حتى أخذتنا مظاهر الترف والعز. فصرنا نوقر ونرفع صاحب المال لماله، ونحط ونتجاهل الفقير لقلة ماله.

وعلى هذا عاتب الله النبي ﷺ مرة، أنه تلهى عن الفقير الأعمى، وذهب للذي استغنى:

عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ ۝ أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ ۝ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ ۝ أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعُهُ الذِّكْرَىٰ ۝ أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَىٰ ۝ فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ ۝ وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ ۝ وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَىٰ ۝ وَهُوَ يَخْشَىٰ ۝ فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّىٰ

[عبس: 1-10]

فتعلم النبي ﷺ منها، وعرف أن الفقراء أكثر زكاة [طهراً] وقرباً لله من الأغنياء.

عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال: «مر رجل على رسول الله ﷺ، فقال: ما تقولون في هذا؟ قالوا: حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع، وإن قال أن يُستمع. قال: ثم سكت، فمر رجل من فقراء المسلمين، فقال: ما تقولون في هذا؟ قالوا: حري إن خطب أن لا ينكح، وإن شفع أن لا يشفع، وإن قال أن لا يُستمع. فقال رسول الله ﷺ: هذا خيرٌ من ملء الأرض مثل هذا»
أخرجه البخاري وابن ماجة والرويانيوالطبراني

فعلمنا النبي ﷺ بأن هذه المظاهر لا تعني شيئاً، وقد يكون الفقير أحسن وأقرب عند الله من الغني. قال: هذا [أي الفقير] خيرٌ من ملء الأرض مثل هذا [أي المترف].

انظر لتأثير المال بالأنفس، في قول أحد الشعراء:

مَنْ كَانَ يَمْلِكُ دِرْهَمَيْنِ تَعَلَّمَتْ * شَفَتَاهُ أَنْوَاعَ الكَلَامِ فَقَالَا
وَتَقَدَّمَ الإِخْوَانُ فَاسْتَمَعُوا لَهُ * وَرَأَيْتَهُ بَيْنَ الوَرَى مُخْتَالَا
لَوْلَا دَرَاهِمُه الَّتِي يَزْهُو بِهَا * لَوَجَدْتَهُ فِي النَّاسِ أَسْوَأَ حَالَا
إِنَّ الغَنِيَّ إِذَا تَكَلَّمَ بِالخَطَا * قَالُوا صَدَقْتَ وَمَا نَطَقْتَ مُحَالَا
أَمَّا الفَقِيرُ إِذَا تَكَلَّمَ صَادِقًا * قَالُوا كَذَبْتَ وَأَبْطَلُوا مَا قَالَا
إِنَّ الدَّرَاهِمَ فِي المَوَاطِنِ كُلِّهَا * تَكْسُو الرِّجَالَ مَهَابَةً وَجَمَالَا
فَهِيَ اللِّسَانُ لِمَنْ أَرَادَ فَصَاحَةً * وَهِيَ السِّلَاحُ لِمَنْ أَرَادَ قِتَالَا
❈ ❈ ❈

ما سنتعرف عليه في هذا المقال

سنتعرف في هذا المقال إن شاء الله، ما هي المكانة الحقيقية للمال في الإسلام. ومن الأقرب للخير، الأغنياء المترفون أم الفقراء المساكين؟!

وأمور كثيرة غيرها، ستقلب موازين نظرتنا للمال، وتعيد النظر في قراءة كتب تطوير الذات، وحضور الدورات التعليمية التي يطلبها القراء: [كيف تصبح غنياً؟، الأب الفقير والأب الغني!، كيف تصبح رجل أعمالٍ ناجح؟، وكيف وكيف؟]

وتعيد تفكيرنا من جديد في قضية السعي الحثيث خلف المال، والهم الذي يصيب أحدنا بسبب الفقر.

وسنعرف لماذا كان النبي ﷺ فقيراً؟ بينما كان يستطيع الله أن يجعله من ملوك ومترفي الأرض؟! وهكذا معظم الأنبياء كإبراهيم وموسى وعيسى والبقية.

استنكار الكفار من فقر الرسل

حتى استغرب الكفار من كون الرسل فقراء، لا يملكون الكنوز والجنات. رسولٌ من الله ويمشي في الأسواق وكأنه أحد العوام؟! ينبغي فيه أن يركب الخيول ومعه الموكب والحرس، لا بد أنه مسحور ويظن أنه رسول!

وَقَالُوا مَالِ هَٰذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا ۝ أَوْ يُلْقَىٰ إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا

[الفرقان: 7-8]

فقال الله:

انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا

[الفرقان: 9]

يقولون استنكاراً: أيعقل أن يكون رسولاً ولا يملك مالاً؟ فكان يتضايق النبي ﷺ من قولهم هذا.

فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ

[هود: 12]

وقال فرعون عن موسى وهو يريد تحقير شأنه أنه فقير ولا يملك مثله:

وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ ۝ أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَٰذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ ۝ فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ ۝ فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ

[الزخرف: 51-54]

هكذا معظم المسلمين اليوم، يقيّمون الإنسان بقدر ما يملك. فإن كنت تملك الملايين والكنوز فأنت المهيب الموقر صاحب السمو، وإن كنت تملك درهماً فقيمتك ذاك درهمٌ!

حتى قال الشاعر:

رأيت الناس قد مالوا إلى من عنده مالُ
ومن لا عنده مالُ فعنه الناس قد مالوا
رأيت الناس قد ذهبوا إلى من عنده ذهبُ
ومن لا عنده ذهبُ فعنه الناس قد ذهبوا
رأيت الناس منفضة إلى من عنده فضة
ومن لا عنده فضة فعنه الناس منفضة
❈ ❈ ❈

التكذيب والكفر من أهل النعمة والمال

ملاحظة مهمة

المتدبر للقرآن يجد أن التكذيب والكفر دائماً يكونان من أهل النعمة والمال والغنى والعز وكثرة الولد. بينما يجد أهل الإيمان والتصديق أغلبهم من الفقراء والمساكين والمستضعفين.

وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ

[فصلت: 51]

فدائماً تجد في القرآن، أن الشبعان وذي النعمة، هم أقرب الناس إلى التكذيب والإنكار والكفر!

قصة سبأ

ففي قصة سبأ، حين أنعم الله عليهم بالرزق والأمان أعرضوا وكفروا.

لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ۝ فَأَعْرَضُوا...

[سبأ: 15-16]

قصة المتحاورين في سورة الكهف

وفي قصة المتحاورين في سورة الكهف، كان الحوار بين رجل أوتي جنتين لها ثمارها وأنهارها وكان كثير المال والنفر، بينما الآخر كان فقيراً، كان أقل منه مالاً وولداً.

وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا ۝ كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا ۝ وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا ۝ وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِ أَبَدًا ۝ وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا

[الكهف: 32-36]

هذا شبعان، عنده كل شيءٍ، فكفر. بينما الآخر قال:

وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِن تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالًا وَوَلَدًا

[الكهف: 39]

كان مؤمناً... فقيراً.

❈ ❈ ❈

قصة أصحاب الجنة

حين يشبع الناس يكون هذا حالهم...

إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ ۝ وَلَا يَسْتَثْنُونَ ۝ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ ۝ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ ۝ فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ ۝ أَنِ اغْدُوا عَلَىٰ حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ ۝ فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ ۝ أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ ۝ وَغَدَوْا عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ ۝ فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ ۝ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ

[القلم: 17-27]
❈ ❈ ❈

الحكمة من بسط الرزق وتضييقه

آية عظيمة

كثرة الرزق والنعيم مصيبة. ذكر الله في عدة آيات أنه يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر [أي يضيّق عليه رزقه]. ولم يذكر السبب إلا في آية فريدة عجيبة، فيها كل الحكمة، واختصرت كل هذا المقال الطويل.

اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ

[الرعد: 26]

إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا

[الإسراء: 30]

اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ

[العنكبوت: 62]

وغيرها الكثير الكثير. ولكنه لم يقل لماذا يفعل ذلك إلا في هذه الآية:

وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ

[الشورى: 27]
استنتاج مهم

فكثرة الرزق يرافقها البغي "دائماً". ولهذا السبب يضيق الرزق على من يحبه، حتى لا يعينه بسط الرزق على البغي.

فإذا شبع الإنسان من النعيم بغى!! ومصداق ذلك قارون، كان غنياً، شبعاناً.

إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ...

[القصص: 76]
❈ ❈ ❈

الرابط بين الغنى والتكذيب

العجيب في (التكذيب)، أنه يكون دائماً مصاحباً لـ(كثرة النعم).

ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ۝ وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَّمْدُودًا ۝ وَبَنِينَ شُهُودًا ۝ وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا ۝ ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ ۝ كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا ۝ سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا

[المدثر: 11-17]

ثمة رابط غريب بين الغنى والتكذيب. فكل المكذبين أغنياء وأصحاب نعيمٍ وافر.

رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا ۝ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا ۝ وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا

[المزمل: 9-11]

وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ ۝ هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ ۝ مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ۝ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ ۝ أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ ۝ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ

[القلم: 10-15]

فهم الصحابة لهذه الحقيقة

وهكذا فهمها الصحابي ابن مسعود حين تحدث عن نفرٍ سمان، قرن السمنة بالغباء وقلة العلم.

عن أبي معمر عن ابن مسعود قال: «اجتمع عند البيت ثلاثة نفر؛ قرشيان وثقفي، أو ثقفيان وقرشي، قليلٌ فقه قلوبهم، كثيرٌ شحم بطونهم. فقال أحدهم: أترون الله يسمع ما نقول؟ وقال الآخر: يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا. وقال الآخر: إن كان يسمع إذا جهرنا فهو يسمع إذا أخفينا. فأنزل الله {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ} الآية...»
أخرجه الحميدي وأحمد والبخاري ومسلم والترمذي
❈ ❈ ❈

قصة آدم عليه السلام

آدم عليه السلام، أعطي الجنة كلها، فكان فيها "شبعاناً"... فعصى ربه.

وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ

[البقرة: 35]

إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ ۝ وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَىٰ ۝ فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ

[طه: 118-120]

ثم...

فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ

[طه: 121]

وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا

[طه: 115]

متى نسي؟ متى عصى؟! حين أكل منها رغداً وشبع.

الله يمد الكافر بالنعيم ليبعده في ضلاله

الغني الشبعان أقرب للعصيان والتكذيب من الجائع والفقير.

وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا ۝ وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا ۝ قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَٰنُ مَدًّا حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا

[مريم: 73-75]
تصوّر!

فالله يمد الكافر بالنعيم والرزق، ليبعده أكثر وأكثر في ضلاله، يهلكه بالنعمة!

❈ ❈ ❈

فتنة المال والولد

في سورة الأنفال، حذرنا الله من فتنةٍ تصيب الجميع، وليس الذين ظلموا منا خاصةً، بل هي فتنة عامة.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ۝ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ

[الأنفال: 24-25]

ما هي هذه الفتنة؟! فتنةً يقول الله قبلها، أنه يحول بين المرء وقلبه؟!

وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ

[الأنفال: 28]
توضيح معنى الفتنة

فالفتنة هنا كانت سعة المال والولد [الكثرة]. فكلما كثُر مالك، كلما اقتربت من الفتنة والظلم.

أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ

[العنكبوت: 2]

فالفتنة ستقع على الجميع، الذين ظلموا والمؤمنين. ألا وهي حب المال. يجعل قلوبنا تتعلق به وتحبه، وهي في الحقيقة فتنة ومهلكة وملهاة لنا عن الآخرة. هكذا يحول الله بين المرء وقلبه.

❈ ❈ ❈

القرون التي أهلكها الله

حقيقة قرآنية

القرون التي أهلكها الله من قبل، اتسمت بالعزة والقوة، وكثرة المال ورغد العيش. لم يذكر الله ولا مرة في القرآن أنه أهلك الفقراء، بل كل الذين أهلكهم كانوا في بسطةٍ من العيش وفي رغد.

وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ

[النحل: 112]

وقال صالح عليه السلام لقومه:

فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ۝ وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ الْعَالَمِينَ ۝ أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ ۝ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ۝ وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ ۝ وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ ۝ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ

[الشعراء: 131-144]

وقال هودٌ قبله:

أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

[الأعراف: 69]

وذكر قريشاً بالقرى السابقة أنه آتاهم من فتنة الدنيا، وبعد أن أنعم الله عليها بطرت معيشتها.

وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقًا مِّن لَّدُنَّا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ۝ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ ۝ وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَىٰ إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ ۝ وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

[القصص: 57-60]

يكون الإنسان في قمة النعيم الرغد والترف والرفاهية، فيكفر! شيءٌ غريب. ولو قارنتهم بالذين اتبعوا الأنبياء وصدقوهم، ستجد أن أغلبهم فقراء ضعفاء.

❈ ❈ ❈

الرابط الغريب بين التكذيب والمال

فما هذا الرابط الغريب بين التكذيب والمال؟

وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ ۝ وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ ۝ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ ۝ وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ

[الليل: 8-11]

فرعون كان غنياً من الأغنياء.

وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ

[الزخرف: 51]

فكذب بآيات الله.

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَٰئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ ۝ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ

[آل عمران: 10-11]

ويبدو أن موسى علِمَ أن سبب ضلالهم وكفرهم كانت هي تلك الأموال التي مدهم الله بها، فقال:

وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّىٰ يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ

[يونس: 88]
استنتاج

وكأنها قاعدة لازمة لكل الكفار أن يكونوا أصحاب مال وثروة ونعمة!

التكذيب ليس في فرعون وحده، بل (وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ). فكأنها قاعدة في الأقوام الكافرة، أن يكونوا أصحاب أموال كثيرة.

كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُم بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ۝ أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ

[التوبة: 69-70]

حين يستغني الإنسان [يغتني] ويملك المال، يكذب بالآيات. وهذه من أوائل الآيات التي نزلت في القرآن، [في سورة اقرأ باسم ربك]، أن الإنسان إذا استغنى يطغى مباشرةً.

كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ ۝ أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ

[العلق: 6-7]
❈ ❈ ❈

الترف في القرآن

الترف، وهو قمة البطر والرغد، وكثرة المال.

حقيقة مهمة

ذكر الله "الترف" بكل مشتقاتها في القرآن 8 مرات. كلها كانت في محل سوء وشر. بل كانت كلها للعتاة الفسقة والمكذبين. وأغلبها كانت في أهل النار.

ثمانية مواضع للترف في القرآن
1 ― الترف والإجرام

فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ

[هود: 116]
2 ― المترفون فساق

والفسق ارتبط بهم، ولم يرتبط بالفقراء والمساكين.

وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا

[الإسراء: 16]
3 ― الترف يورث الظلم والإسراف

وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ۝ وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَّا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ ۝ ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَن نَّشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ ۝ لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ۝ وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ ۝ فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ ۝ لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَىٰ مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ

[الأنبياء: 7-13]
4 ― الترف والتكذيب

وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ

[المؤمنون: 33]
5 ― الترف والكبر ورد الآيات

فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّىٰ حِينٍ ۝ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ ۝ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَّا يَشْعُرُونَ

[المؤمنون: 54-56]

ثم قال بعدها بآيات:

بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِّنْ هَٰذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِّن دُونِ ذَٰلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ ۝ حَتَّىٰ إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ ۝ لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُم مِّنَّا لَا تُنصَرُونَ ۝ قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ ۝ مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ

[المؤمنون: 63-67]
6 ― الترف والكفر

والتعزز بكثرة الأموال والبنين.

وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ ۝ وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ۝ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ

[سبأ: 34-36]
7 ― الترف ورد الهدى

واتباع الآباء.

وَكَذَٰلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ ۝ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ ۝ فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ

[الزخرف: 23-25]
8 ― الترف وإنكار البعث

المترفون هم أصحاب الشمال.

وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ ۝ فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ ۝ وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ ۝ لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ ۝ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ مُتْرَفِينَ ۝ وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ ۝ وَكَانُوا يَقُولُونَ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ۝ أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ ۝ قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ ۝ لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ ۝ ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ ۝ لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ ۝ فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ ۝ فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ ۝ فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ ۝ هَٰذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ

[الواقعة: 41-56]
استنتاج مهم

نستخلص من هذا، أن الترف من سمات المكذبين. وأن الترف يعين على التكذيب. وأن الترف يُفترك [يفصلك] عن الدين والإيمان. وأن الترف ليس فيه خيرٌ لمن كان يريد الآخرة.

فلا تطمع يوماً أن تكون ذا مالٍ وكثرة وسعة. الترف يصرفك عن دينك. لم يمدح الله الترف، كل آيات الترف كانت في سوء وشر. فالترف فتنة عظيمة، لأنها محبوبة للأنفس، براقة جميلة، الكل يريدها، وهم لا يعلمون، أن هلاكهم فيما يسعون له ويطلبون.

❈ ❈ ❈

الفتنة تعظم حين تُطلب

هذه الفتنة تعظم أكثر حين تطلبها، تسعى خلفها. تجري وراء ما يهلكك. فكلما طلبها زيادة، أعطاك الله منها. وكله بلاء ومهلكة. وهكذا من يريد الدنيا، ونسي الآخرة.

مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا ۝ وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا ۝ كُلًّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ۝ انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا

[الإسراء: 18-21]

مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ ۝ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ

[هود: 15-16]

اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ۝ مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ

[الشورى: 19-20]
تحذير صريح

كل من يقرأ هذه الآيات يمني نفسه أنه لن يبخل ولن يحتفظ بها، يقول إن حصلت على المال فسوف أتصدق وأنفق وأتخلص منه. ولكن لا نضحك على أنفسنا.

لن تفعل هذا إلا بعد أن تضمن مستقبلك. ستسعى لشراء ما يؤمن حياتك وستستثمره لتوسع دخلك. تقول سأتصدق لاحقاً بمبلغ أكثر. فلن تفعل، فلا تجازف ولا تعرض نفسك للفتنة والاختبار. اهرب منها، فهي فتنة شديدة. لا يسلم منها إلا من رحمه الله.

ولا تظن بأنك لو تصدقت بمعظم مالك فستنجو من الفتنة. المتصدق بماله أكثرهم فتنة، لأن الله سيرد عليه أموالاً مضاعفة.

قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ

[سبأ: 39]

فتكون فتنتها أشد من الأولى. وكل ما تصدق رجعت له الأموال مضاعفة أكثر وأكثر. حتى يعزز نفسه ويبقي القليل للصدقة. والفلوس تغيّر النفوس.

❈ ❈ ❈

المنافقون والمال

المنافقين الذين كذبوا بالدين. قارن بين حالهم وحال المسلمين في هذه الآيات:

لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَىٰ وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ۝ وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ ۝ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ

[التوبة: 91-93]
ملاحظة

من سمات المنافقين أنهم أغنياء، أصحاب مال، لا ينفقون.

المال زينة الحياة الدنيا

المال في حقيقته زينة، وهذا أمر خطير.

الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا

[الكهف: 46]
فائدة من اللسان العربي

والزينة تعني: كل ما زاد عن الأصل. الذي يهمك هو الأصل نفسه، وليست الزيادة. الزينة زيادة، تصرفك عن الأصول وعن حقائق الأمور. المال زينة، الفقير يرى الحقائق والأصول بشكل أوضح من الغني.

❈ ❈ ❈

الفقير والمسكين

الفقير، هو كل محتاج، لأي شيءٍ كانت حاجته. كل محتاج فقير. أما المسكين هو الذي يحتاج الطعام حصراً.

الفقير ليس هو معدوم المال حصراً وإن كانت حاجته للمال أظهر حاجة، إنما هو المحتاج عموماً. والحاجة لا تُحصر للمال فقط، إنما تكون لكل شيء. فقد يكون ثرياً مريضاً محتاجاً للصحة مثلاً، أو ثرياً ضالاً محتاجاً للهدى، أو ثرياً محتاجاً للزوجة الصالحة، أو ثرياً متزوجاً محتاجاً للولد.

يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ

[فاطر: 15]

قال أنتم الفقراء إلى الله، ولم يقل أنتم المساكين إلى الله. فالفقير المحتاج، والفقر الحاجة، وقد تكون لأي شيء. ونحن نحتاج ربنا في كل شيء.

فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ

[القصص: 24]

حال الإنسان في الضر وفي النعمة

حين يكون الإنسان في ضَرٍ وحاجة، يؤمن بالله ويتقيه! ثم إذا عاد للنعيم والأمان يكفر وينسى ربه!

وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ۝ ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ۝ لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ

[النحل: 53-55]

وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ۝ لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ

[الروم: 33-34]

فَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ۝ قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ ۝ فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَٰؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ ۝ أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ

[الزمر: 49-52]
❈ ❈ ❈

الرابط العجيب بين المحتاج والإيمان

المحتاج، أي نوع من أنواع الحاجة، سواء من احتاج مالاً بعد فقر، أو نجاةً بعد ضر، أو صحةً بعد مرض، أو ولداً بعد عقم.

وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنسَانُ كَفُورًا

[الإسراء: 67]

فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ۝ لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ

[العنكبوت: 65-66]
سؤال مهم

ما هذا الرابط العجيب بين المُحتاج والإيمان؟! والضد بالضد كذلك!؟ ما الرابط بين المُكثر المنعّم والكفر؟!

قوم موسى، حين كانوا مضطهدين عند فرعون، كانوا في قمة الإيمان والخضوع لله. ثم لما نجاهم اتخذوا العجل!

وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ ۝ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلِ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ ۝ وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ

[البقرة: 49-51]
❈ ❈ ❈

قصص من سورة يونس

وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ

[يونس: 12]

وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ

[يونس: 21]

قال بعدها:

هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ۝ فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُم مَّتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ

[يونس: 22-23]

إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ۝ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَىٰ دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ

[يونس: 24-25]

قال في بداياتها:

إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ ۝ أُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ

[يونس: 7-8]

ولأن الفقير كان في ذلٍ وقتر في الدنيا، فكان جزاؤهم في هذه السورة:

لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ

[يونس: 26]
❈ ❈ ❈

معظم الأنبياء كانوا فقراء

ولهذا تجد أن معظم الأنبياء كانوا فقراء وضعفاء، ويتبعهم الفقراء والضعفاء.

قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ

[هود: 91]

وقبله عن أتباع نوح:

فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِي الرَّأْيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ

[هود: 27]
ملاحظة من اللسان العربي

وكلمة الملأ تدل على الكثرة والامتلاء! وهؤلاء أغلبهم المترفون. ومعظم الملأ في القرآن هم أكابر الأقوام الكافرة. امتلؤوا بالمال والنعيم، وكذبّوا الحق.

وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ

[المؤمنون: 33]
❈ ❈ ❈

كثرة المال تلهيك عن دينك

أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ

[التكاثر: 1]
عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن أبيه، قال: «انتهيت إلى رسول الله ﷺ، وهو يقول: ألهاكم التكاثر. يقول ابن آدم: مالي مالي، وما لك من مالك؛ إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت»
أخرجه الطيالسي وأحمد وعبد بن حميد ومسلم والترمذي والنسائي وابن حبان والبيهقي

يقول الله عن (التكاثر):

اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةِ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ

[الحديد: 20]

فالتكاثر في الأموال والأولاد. قال عن (الأموال والأولاد):

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ۝ وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ...

[المنافقون: 9-10]

المال عذاب

رحلة قرآنية عميقة في حقيقة المال والثراء

الجزء الثاني من أربعة أجزاء

هذه السلسلة، سوف تغيّر نظرتك للمال 180 درجة. ستدرك معها أنك كنت تجري وتسعى خلف (هلاكك) وأنت لا تدري. بل كنت تدعو الله وترجوه أن يعطيك من (العذاب). وأنت لا تشعر أنه عذاب. نعم،.. هذه هي الحقيقة، المال عذاب.

❈ ❈ ❈

ولكن.. كيف يكون المال عذاباً؟

سعة الرزق والمال ملهاة، وهي علامة الظالم والمكذب [كما سبق وذكرنا الآيات]. الله يعطي المال للناس كلهم. للمؤمن والكافر سواء. يكتبه الله على الجميع ليفتنهم به. فمن تخفف منه نجى. ومن تشرَّف به هلك.

كثرة المال، شرٌ في جميع أحواله. فهو على الكافر بلاءٌ واستدراج فيه مهلكته. وهو على المؤمن بلاءٌ وفتنة، فيه مهلكته.

الله يعطي المؤمن والكافر سواء. أما الكافر فيعطيه استدراجاً ويمده ليزداد كفراً. ولكن المؤمن،.. يعطيه بلاءً. يختبره ويمتحنه بها. فهي عليه كذلك فتنة. يبتليه الله ويفتنه لمجرد أنه آمن. والصور الفتن هذه كثيرة متعددة. أشدها وأقواها فتنة المال وسعة الرزق.

وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَا فِي قَرۡیَةࣲ مِّن نَّبِي إِلَّاۤ أَخَذۡنَاۤ أَهۡلَهَا بِٱلۡبَأۡسَاۤءِ وَٱلضَّرَّاۤءِ لَعَلَّهُمۡ یَضَّرَّعُونَ ۝ ثُمَّ بَدَّلۡنَا مَكَانَ ٱلسَّیِّئَةِ ٱلۡحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَوا۟ وَّقَالُوا۟ قَدۡ مَسَّ ءَابَاۤءَنَا ٱلضَّرَّاۤءُ وَٱلسَّرَّاۤءُ فَأَخَذۡنَاهُم بَغۡتَةࣰ وَهُمۡ لَا یَشۡعُرُونَ ۝ وَلَوۡ أَنَّ أَهۡلَ ٱلۡقُرَىٰۤ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّقَوۡا۟ لَفَتَحۡنَا عَلَیۡهِم بَرَكَاتࣲ مِّنَ ٱلسَّمَاۤءِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا۟ فَأَخَذۡنَاهُم بِمَا كَانُوا۟ یَكۡسِبُونَ ۝ أَفَأَمِنَ أَهۡلُ ٱلۡقُرَىٰۤ أَن یَأۡتِیَهُم بَأۡسُنَا بَیَاتࣰا وَهُمۡ نَاۤئمُونَ ۝ أَوَأَمِنَ أَهۡلُ ٱلۡقُرَىٰۤ أَن یَأۡتِیَهُم بَأۡسُنَا ضُحࣰى وَهُمۡ یَلۡعَبُونَ ۝ أَفَأَمِنُوا۟ مَكۡرَ ٱللَّهِ فَلَا یَأۡمَنُ مَكۡرَ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡخَاسِرُونَ

[الأعراف: 94-99]

القارئ لهذه الآية يرى بأن البركات نعيم وخير وفضل ورحمة للذين آمنوا واتقوا. ولكنها في الحقيقة بلاء وفتنة. ولهذا قال الله فيها: لفتحنا (عليهم). ولم يقل لفتحنا (لهم). فلا يقال للخير عليك. بل يقال لك. انظر حين أعطى النّبي ﷺ الفتح، لم يقل ((إنا فتحنا عليك)). بل قال:

إِنَّا فَتَحۡنَا لَكَ فَتۡحࣰا مُّبِینࣰا

[الفتح: 1]

وسنعود لهذه النقطة.

❈ ❈ ❈

الله يمد الجميع.. والمد للمسلم زيادة بلاء

قال الله في الناس جميعاً، للكافر الذي يريد الدنيا وللمسلم الذي يريد الآخرة:

كُلࣰّا نُّمِدُّ هَؤُلَاۤءِ وَهَؤُلَاۤءِ مِنۡ عَطَاۤءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاۤءِ رَبِّكَ مَحۡظُورًا

[الإسراء: 20]

ولكن الإمداد للمسلم ليس جزاءً لإيمانه. إنما زيادةُ بلاء.

هذا المد [الذي بالأموال والبنين]. يكون فتنة لينظر كيف يفعلون. قال الله قبلها:

ثُمَّ رَدَدۡنَا لَكُمُ ٱلۡكَرَّةَ عَلَیۡهِمۡ وَأَمۡدَدۡنَاكُم بِأَمۡوَالࣲ وَبَنِینَ وَجَعَلۡنَاكُمۡ أَكۡثَرَ نَفِیرًا ۝ إِنۡ أَحۡسَنتُمۡ أَحۡسَنتُمۡ لِأَنفُسِكُمۡ وَإِنۡ أَسَأۡتُمۡ فَلَهَا..

[الإسراء: 6-7]

إن أحسنوا فقد مهدوا لأنفسهم الخير يوم القيامة، ولكن المال فتنة. فغالباً لن يحسنوا. سيسيؤون. ولو أساؤوا فقد أساؤوا بسبب المال والبنين. وقعوا في الفتنة. لأجلها أساؤوا. ﴿..وَإِنۡ أَسَأۡتُمۡ فَلَهَا﴾. فلأجل كثرة المال والبنون.

❈ ❈ ❈

المد عذاب

قُلۡ مَن كَانَ فِي ٱلضَّلَالَةِ فَلۡیَمۡدُدۡ لَهُ ٱلرَّحۡمَٰنُ مَدًّا حَتَّىٰۤ إِذَا رَأَوۡا۟ مَا یُوعَدُونَ إِمَّا ٱلۡعَذَابَ وَإِمَّا ٱلسَّاعَةَ فَسَیَعۡلَمُونَ مَنۡ هُوَ شَرࣱّ مَّكَانࣰا وَأَضۡعَفُ جُندࣰا

[مريم: 75]

يمدهم بماذا؟! قال الله بعدها:

أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا ۝ أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَٰنِ عَهْدًا ۝ كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا ۝ وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا

[مريم: 77-80]

فالمد في حقيقته عذاب، يمدهم بالعذاب. ولكن ما هو هذا العذاب؟! هذا العذاب هو المال والبنون. قال الله بعدها: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ..﴾. أي نعطيه ما يقول! فما الذي قاله هذا المعذب؟! قال قبل ذلك: ﴿..وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾. فمده الله بما قال، وهذا المد سماه الله عذاباً، فالعذاب هو أن يمدك الله بالمال والبنين.

قال الله قبل ذلك:

قُلۡ مَن كَانَ فِي ٱلضَّلَالَةِ فَلۡیَمۡدُدۡ لَهُ ٱلرَّحۡمَٰنُ مَدًّا حَتَّىٰۤ إِذَا رَأَوۡا۟ مَا یُوعَدُونَ إِمَّا ٱلۡعَذَابَ وَإِمَّا ٱلسَّاعَةَ فَسَیَعۡلَمُونَ مَنۡ هُوَ شَرࣱّ مَّكَانࣰا وَأَضۡعَفُ جُندࣰا ۝ وَیَزِیدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِینَ ٱهۡتَدَوۡا۟ هُدࣰى وَٱلۡبَاقِیَٰتُ ٱلصَّالِحَاتُ خَیۡرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابࣰا وَخَیۡرࣱ مَّرَدًّا

[مريم: 75-76]

هذه التي تقابل المال والدنيا. هذه ضدها.

❈ ❈ ❈

فتح الله عليهم أبواب كل شيء

وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَاۤ إِلَىٰۤ أُمَمࣲ مِّن قَبۡلِكَ فَأَخَذۡنَاهُم بِٱلۡبَأۡسَاۤءِ وَٱلضَّرَّاۤءِ لَعَلَّهُمۡ یَتَضَرَّعُونَ ۝ فَلَوۡلَاۤ إِذۡ جَاۤءَهُم بَأۡسُنَا تَضَرَّعُوا۟ وَلَٰكِن قَسَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَزَیَّنَ لَهُمُ ٱلشَّیۡطَانُ مَا كَانُوا۟ یَعۡمَلُونَ ۝ فَلَمَّا نَسُوا۟ مَا ذُكِّرُوا۟ بِهِ فَتَحۡنَا عَلَیۡهِمۡ أَبۡوَابَ كُلِّ شَيءٍ حَتَّىٰۤ إِذَا فَرِحُوا۟ بِمَاۤ أُوتُوۤا۟ أَخَذۡنَاهُم بَغۡتَةࣰ فَإِذَا هُم مُّبۡلِسُونَ ۝ فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِینَ ظَلَمُوا۟ وَٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَالَمِینَ

[الأنعام: 42-45]

قال الله: ﴿أبواب كل شيء﴾. وهذه تدل على سعة الرزق والنعيم، وكثرة المال والبنين، وكل شيء يعجب الناس. هذه النعم. قد ذكرها الله في آية أخرى ولكن بكلمة مخيفة. كلمة تعرفك أن الرزق الواسع الكثير ليس كما يظن الناس، بل بعكس ما هم عليه. سماه عذاباً شديداً.

وَإِنَّ ٱلَّذِینَ لَا یُؤۡمِنُونَ بِٱلۡآخِرَةِ عَنِ ٱلصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ ۝ وَلَوۡ رَحِمۡنَاهُمۡ وَكَشَفۡنَا مَا بِهِم مِّن ضُرࣲّ لَّلَجُّوا۟ فِي طُغۡیَانِهِمۡ یَعۡمَهُونَ ۝ وَلَقَدۡ أَخَذۡنَاهُم بِٱلۡعَذَابِ فَمَا ٱسۡتَكَانُوا۟ لِرَبِّهِمۡ وَمَا یَتَضَرَّعُونَ ۝ حَتَّىٰۤ إِذَا فَتَحۡنَا عَلَیۡهِم بَابࣰا ذَا عَذَابࣲ شَدِیدٍ إِذَا هُمۡ فِیهِ مُبۡلِسُونَ

[المؤمنون: 74-77]

فهذه الآية أخت تلك، قد فسرتها وشرحتها. هي شبيهة بها. ولاحظ تشابه كلماتها. ففي سياق الآيتين تجد التضرع والإبلاس. وتلاحظ أنه في كلا الآيتين يستخدم الله (عليهم) بدلاً من (لــهم). فحين يكون الأمر خيراً يقول لك/لكم/له. ولا يقول عليك/عليهم/عليه.

والكلام في سورة "المؤمنون" كان عن المترفين [سبق تفصيلها]. فالعذاب الشديد هو سعة الرزق والمال والولد. بالمال يهلكهم الله ويبعدهم زيادةً.

❈ ❈ ❈

الأموال والأولاد عذاب

وهل تعتبر سعة المال والولد عذاباً؟ نعم.

فَلَا تُعۡجِبۡكَ أَمۡوَالُهُمۡ وَلَاۤ أَوۡلَادُهُمۡ إِنَّمَا یُرِیدُ ٱللَّهُ لِیُعَذِّبَهُم بِهَا فِي ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا وَتَزۡهَقَ أَنفُسُهُمۡ وَهُمۡ كَافِرُونَ

[التوبة: 55]

وَلَا تُعۡجِبۡكَ أَمۡوَالُهُمۡ وَأَوۡلَادُهُمۡ إِنَّمَا یُرِیدُ ٱللَّهُ أَن یُعَذِّبَهُم بِهَا فِي ٱلدُّنۡیَا وَتَزۡهَقَ أَنفُسُهُمۡ وَهُمۡ كَافِرُونَ

[التوبة: 85]

فيعذبهم الله في الدنيا بماذا؟! بكثرة الأموال والأولاد.

كما قال موسى من قبل:

وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَاۤ إِنَّكَ ءَاتَیۡتَ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَأَهُ زِینَةࣰ وَأَمۡوَالࣰا فِي ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا رَبَّنَا لِیُضِلُّوا۟ عَن سَبِیلِكَ...

[يونس: 88]

بالتالي، أكبر معينٍ للضلالة هو المال.

❈ ❈ ❈

يهلكون أنفسهم

ذكر الله المهلكة كذلك مع المنافقين. والمنافقون أكثر ما امتازوا به هو بخلهم بمالهم، وصدهم عن الانفاق في سبيل الله. قال الله [ولاحظ فيم ذكر الهلاك]:

ٱنفِرُوا۟ خِفَافࣰا وَثِقَالࣰا وَجَاهِدُوا۟ بِأَمۡوَالِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ فِي سَبِیلِ ٱللَّهِ ذَٰلِكُمۡ خَیۡرࣱ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ۝ لَوۡ كَانَ عَرَضࣰا قَرِیبࣰا وَسَفَرࣰا قَاصِدࣰا لَّٱتَّبَعُوكَ وَلَٰكِنۢ بَعُدَتۡ عَلَیۡهِمُ ٱلشُّقَّةُ وَسَیَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسۡتَطَعۡنَا لَخَرَجۡنَا مَعَكُمۡ یُهۡلِكُونَ أَنفُسَهُمۡ وَٱللَّهُ یَعۡلَمُ إِنَّهُمۡ لَكَاذِبُونَ

[التوبة: 41-42]

فالغني، صاحب المال الكثير، يهلك نفسه دون أن يشعر. إلا من رحمه الله وجعله يُهلك ماله في سبيل الله. وهم قلة قلة، أقل من 1% من الناس يستطيع فعل هذا، هي ليست هينة سهلة، أن تتخلص من مالك كله أو معظمه. نحن ندعوا الله لاجل المال دائماً. فإن آتانا هل سنتخلص منه؟!.

الدنيا هلاك. والمهلكة هي الحياة الدنيا. وهي حقيرة مقابل الآخرة.

یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ مَا لَكُمۡ إِذَا قِیلَ لَكُمُ ٱنفِرُوا۟ فِي سَبِیلِ ٱللَّهِ ٱتهَّاقَلۡتُمۡ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ؟ أَرَضِیتُم بِٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا مِنَ ٱلۡـَٔاخِرَةِ؟ فَمَا مَتَاعُ ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا فِي ٱلۡـَٔاخِرَةِ إِلَّا قَلِیلٌ

[التوبة: 38]

یَـٰۤأَیُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقࣱّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلۡحَیَوٰةُ ٱلدُّنۡیَا وَلَا یَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلۡغَرُورُ ۝ إِنَّ ٱلشَّیۡطَانَ لَكُمۡ عَدُوࣱّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا یَدۡعُوا۟ حِزۡبَهُ لِیَكُونُوا۟ مِنۡ أَصۡحَابِ ٱلسَّعِیرِ

[فاطر: 5-6]
❈ ❈ ❈

إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً

وَلَا یَحۡزُنكَ ٱلَّذِینَ یُسَارِعُونَ فِي ٱلۡكُفۡرِ إِنَّهُمۡ لَن یَضُرُّوا۟ ٱللَّهَ شَیۡـࣰٔا یُرِیدُ ٱللَّهُ أَلَّا یَجۡعَلَ لَهُمۡ حَظࣰّا فِي ٱلۡآخِرَةِ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِیمٌ ۝ إِنَّ ٱلَّذِینَ ٱسهۡتَرَوُا۟ ٱلۡكُفۡرَ بِٱلۡإِیمَٰنِ لَن یَضُرُّوا۟ ٱللَّهَ شَیۡـࣰٔا وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِیمࣱ ۝ وَلَا یَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِینَ كَفَرُوۤا۟ أَنَّمَا نُمۡلِي لَهُمۡ خَیۡرࣱ لِّأَنفُسِهِمۡ، إِنَّمَا نُمۡلِي لَهُمۡ لِیَزۡدَادُوۤا۟ إِثۡمࣰا وَلَهُمۡ عَذَابࣱ مُّهِینࣱ ۝ مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِیَذَرَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ عَلَىٰ مَاۤ أَنتُمۡ عَلَیۡهِ حَتَّىٰ یَمِیزَ ٱلۡخَبِیثَ مِنَ ٱلطَّیِّبِ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِیُطۡلِعَكُمۡ عَلَى ٱلۡغَیۡبِ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ یَجۡتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن یَشَاۤءُ فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤۡمِنُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَلَكُمۡ أَجۡرٌ عَظِیمࣱ

[آل عمران: 176-179]
قال رسول الله ﷺ: «لا أحد أصبر على أذى يسمعه من الله عز وجل إنه يشرك به ويجعل له الولد ثم هو يعافيهم ويرزقهم»
أخرجه الحميدي، وأحمد، والبخاري، ومسلم

فالله يعطي المال فتنة للمسلم والكافر سواء،.. الكافر يزداد إثماً، والمسلم يبتلى ويمتحن به، وعليه ألا يسيء [كما فعل الأكثرية]، عليه أن يقتصد ويتخفف منه [وهؤلاء قلة قليلة].

وَلَوۡ أَنَّهُمۡ أَقَامُوا۟ ٱلتَّوۡرَاةَ وَٱلۡإِنجِیلَ وَمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡهِم مِّن رَّبِّهِمۡ لَأَكَلُوا۟ مِن فَوۡقِهِمۡ وَمِن تَحۡتِ أَرۡجُلِهِم مِّنۡهُمۡ أُمَّةࣱ مُّقۡتَصِدَةࣱ وَكَثِیرࣱ مِّنۡهُمۡ سَاۤءَ مَا یَعۡمَلُونَ

[المائدة: 66]
❈ ❈ ❈

كيف نوفق بين فتنة المال وأن الله وعد المستغفرين بالأموال؟

في قول الله في سورة نوح:

فَقُلۡتُ ٱسۡتَغۡفِرُوا۟ رَبَّكُمۡ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارࣰا ۝ یُرۡسِلِ ٱلسَّمَاۤءَ عَلَیۡكُم مِّدۡرَارࣰا ۝ وَیُمۡدِدۡكُم بِأَمۡوَالࣲ وَبَنِینَ وَیَجۡعَل لَّكُمۡ جَنَّٰتࣲ وَیَجۡعَل لَّكُمۡ أَنۡهَٰرࣰا

[نوح: 10-12]

حتى هذا المال فتنة. فالحياة لم تنتهي بها. سوء الفهم حصل بسبب ظن القارئ أن الأموال والبنون هي الجزاء النهائي للمستغفر. وأنه إذا حصل المسلم على المال والبنين، تنتهي القصة هنا. وكأنه دخل الجنة وقضي الأمر!. لا يا أخي. أنت ما زلت حياً تعيش في الدنيا، فالفتنة لم تنقضي. ولو أعطاك المال، يعطيك ليرى ماذا ستفعل، القصة لم تنتهي فأنت ما زلت فيها. في الفتنة والبلاء. ولا يأمن الإنسان الفتنة على نفسه حتى يموت. الله يعطي المال فتنة وبلاء. قال الله للمؤمنين خاصةً:

یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَخُونُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوۤا۟ أَمَٰنَٰتِكُمۡ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ۝ وَٱعۡلَمُوۤا۟ أَنَّمَاۤ أَمۡوَالُكُمۡ وَأَوۡلَٰدُكُمۡ فِتۡنَةࣱ وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ أَجۡرٌ عَظِیمࣱ ۝ یَا أَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ إِن تَتَّقُوا۟ ٱللَّهَ یَجۡعَل لَّكُمۡ فُرۡقَانࣰا¹ وَیُكَفِّرۡ عَنكُمۡ سَیِّـَٔاتِكُمۡ وَیَغۡفِرۡ لَكُمۡ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِیمِ

[الأنفال: 27-29]
❈ ❈ ❈

الله يعطي الجميع.. والمؤمن يطلب الآخرة

الله يعطي الجميع وليس للمستغفر فقط. ولكن المؤمن يعلم أن المال فتنة، فلا يتعلق بها. بل يطلب الآخرة ويسعى لها.

مَّن كَانَ یُرِیدُ ٱلۡعَاجِلَةَ عَجَّلۡنَا لَهُ فِیهَا مَا نَشَاۤءُ لِمَن نُّرِیدُ ثُمَّ جَعَلۡنَا لَهُ جَهَنَّمَ یَصۡلَٰهَا مَذۡمُومࣰا مَّدۡحُورࣰا ۝ وَمَنۡ أَرَادَ ٱلۡآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعۡیَهَا وَهُوَ مُؤۡمِنࣱ فَأُو۟لَٰٓئِكَ كَانَ سَعۡیُهُم مَّسهۡكُورࣰا ۝ كُلࣰّا نُّمِدُّ هَـٰۤؤُلَاۤءِ وَهَـٰۤؤُلَاۤءِ مِنۡ عَطَاۤءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاۤءِ رَبِّكَ مَحۡظُورًا ۝ ٱنظُرۡ كَیۡفَ فَضَّلۡنَا بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضࣲ وَلَلۡآخِرَةُ أَكۡبَرُ دَرَجَٰتࣲ وَأَكۡبَرُ تَفۡضِیلࣰا

[الإسراء: 18-21]

يعطى الناس كلهم، ومن جهلهم يحسبون أن الله يسارع لهم في الخيرات، بينما هي وبالٌ عليهم وهم لا يشعرون.

فَذَرۡهُمۡ فِي غَمۡرَتِهِمۡ حَتَّىٰ حِینٍ ۝ أَیَحۡسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِۦ مِن مَّالࣲ وَبَنِینَ ۝ نُسَارِعُ لَهُمۡ فِي ٱلۡخَیۡرَٰتِ؟ بَل لَّا یَسهۡعُرُونَ

[المؤمنون: 54-56]

يقول الله مستنكراً: أتظن أن ما أمدتك به كان مسارعةً منا لك في الخير؟! لا. بل هو شر، ولكنك لا تشعر. وهذا الكلام يشمل الجميع، الكافر والمسلم.

❈ ❈ ❈

زينة الحياة الدنيا

الله يعطي المسلم فتنةً وبلاءً.

فَلَعَلَّكَ بَاخِعࣱ نَّفۡسَكَ عَلَىٰۤ ءَاثَٰرِهِمۡ إِن لَّمۡ یُؤۡمِنُوا۟ بِهَٰذَا ٱلۡحَدِیثِ أَسَفًا ۝ إِنَّا جَعَلۡنَا مَا عَلَى ٱلۡأَرۡضِ زِینَةࣰ لَّهَا لِنَبۡلُوَهُمۡ أَیُّهُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلࣰا ۝ وَإِنَّا لَجَٰعِلُونَ مَا عَلَیۡهَا صَعِیدࣰا جُرُزًا

[الكهف: 6-8]

وفي مثل هذه الزينة قال الله في نفس السورة:

وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلَ ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا كَمَاۤءٍ أَنزَلۡنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَاۤءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ فَأَصۡبَحَ هَشِیمࣰا تَذۡرُوهُ ٱلرِّیَٰحُ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيءࣲ مُّقۡتَدِرًا ۝ ٱلۡمَالُ وَٱلۡبَنُونَ زِینَةُ ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا وَٱلۡبَٰقِیَٰتُ ٱلصَّٰلِحَٰتُ خَیۡرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابࣰا وَخَیۡرٌ أَمَلࣰا

[الكهف: 45-46]

فلا خير، إلا في الباقيات الصالحات، هي التي (ستبقى) لك. هي أعمالك الصالحة كلها. سواءً كانت الذكر، أو الصدقة أو ما قدمت لنفسك من عمل. وليس المال.

هل مدح الله المال والبنون بقوله زينة الحياة الدنيا؟

لا. كلمة زينة لا تدل على مدح. أصل كلمة الزينة هو ما زاد عن الأصل. والزينة تصرف عن الأصل. تغتر فيها، تعجبك، فتنصرف عن الحقيقة، تلهيك عن الحق. لهذا يسمي الله الدنيا بالزينة.

مَن كَانَ یُرِیدُ ٱلۡحَیَوٰةَ ٱلدُّنۡیَا وَزِینَتَهَا نُوَفِّ إِلَیۡهِمۡ أَعۡمَٰلَهُمۡ فِیهَا وَهُمۡ فِیهَا لَا یُبۡخَسُونَ ۝ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِینَ لَیۡسَ لَهُمۡ فِي ٱلۡـَٔاخِرَةِ إِلَّا ٱلنَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا۟ فِیهَا وَبَٰطِلࣱ مَّا كَانُوا۟ یَعۡمَلُونَ

[هود: 15-16]

سماها زينة لأنها تلهيك وتغريك. ليست هي الحق. الحق في الآخرة.

وَمَاۤ أُوتِیتُم مِّن شَيءࣲ فَمَتَٰعُ ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا وَزِینَتُهَا وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَیۡرࣱ وَأَبۡقَىٰۤ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ۝ أَفَمَن وَعَدۡنَٰهُ وَعۡدًا حَسَنࣰا فَهُوَ لَٰقِیهِ كَمَن مَّتَّعۡنَٰهُ مَتَٰعَ ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا ثُمَّ هُوَ یَوۡمَ ٱلۡقِیَٰمَةِ مِنَ ٱلۡمُحۡضَرِینَ

[القصص: 60-61]

قال الله في نفس سورة الكهف:

إِنَّا جَعَلۡنَا مَا عَلَى ٱلۡأَرۡضِ زِینَةࣰ لَّهَا لِنَبۡلُوَهُمۡ أَیُّهُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلࣰا

[الكهف: 7]

فالزينة بلاء وفتنة. وليس هذا مدح للمال والبنون.

الزينة تُلهي عن ذكر الله

وفي سورة الكهف كذلك، يبين الله لك ماهي هذه الزينة.

وَٱصۡبِرۡ نَفۡسَكَ مَعَ ٱلَّذِینَ یَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِي یُرِیدُونَ وَجۡهَهُ وَلَا تَعۡدُ عَیۡنَاكَ عَنۡهُمۡ تُرِیدُ زِینَةَ ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا وَلَا تُطِعۡ مَنۡ أَغۡفَلۡنَا قَلۡبَهُ عَن ذِكۡرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمۡرُهُ فُرُطࣰا

[الكهف: 28]

ما الذي يُغفل الإنسان عن ذكر الله ويلهيه عن الآخرة؟! المال والبنين.

یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تُلۡهِكُمۡ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَلَاۤ أَوۡلَٰدُكُمۡ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَمَن یَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ۝ وَأَنفِقُوا۟ مِن مَّا رَزَقۡنَٰكُم مِّن قَبۡلِ أَن یَأۡتِيَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ فَیَقُولَ رَبِّ لَوۡلَاۤ أَخَّرۡتَنِي إِلَىٰۤ أَجَلࣲ قَرِیبࣲ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّٰلِحِینَ ۝ وَلَن یُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِذَا جَاۤءَ أَجَلُهَا وَٱللَّهُ خَبِیرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ

[المنافقون: 9-11]

قال محذراً من الدنيا وتكاثر الأموال فيها:

اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغۡفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ

[الحديد: 20]
❈ ❈ ❈

إذا ابتلاه ربه فأكرمه

فَأَمَّا ٱلۡإِنۡسَٰنُ إِذَا مَا ٱبۡتَلَٰهُ رَبُّهُ فَأَكۡرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَیَقُولُ رَبّي أَكۡرَمَنِ/أَكۡرَمَنِي

[الفجر: 15]

يفرح بها المسكين، يقول ربي أكرمني، أعطاني، فهو يحبني. لا يدري أنها بلاء عليه. رد الله عليه بعدها وقال ﴿كلا﴾. أي، أنت مخطئ، هذا ليس بإكرام.

وَلَئِنۡ أَذَقۡنَٰهُ نَعۡمَاۤءَ بَعۡدَ ضَرَّاۤءَ مَسَّتۡهُ لَیَقُولَنَّ ذَهَبَ ٱلسَّیِّـَٔاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحࣱ فَخُورٌ ۝ إِلَّا ٱلَّذِینَ صَبَرُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُم مَّغۡفِرَةࣱ وَأَجۡرࣱ كَبِیرࣱ

[هود: 10-11]

والله لا يحب المختال الفخور.

لِّكَیۡلَا تَأۡسَوۡا۟ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا تَفۡرَحُوا۟ بِمَاۤ ءَاتَىٰكُمۡ وَٱللَّهُ لَا یُحِبُّ كُلَّ مُخۡتَالࣲ فَخُورٍ

[الحديد: 23]

فالأصل ألا نفرح بالمال الكثير.

ٱللَّهُ یَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن یَشَاۤءُ وَیَقۡدِرُ وَفَرِحُوا۟ بِٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا وَمَا ٱلۡحَیَوٰةُ ٱلدُّنۡیَا فِي ٱلۡـَٔاخِرَةِ إِلَّا مَتَٰعࣱ

[الرعد: 26]

قال الله عن قارون:

..إِذۡ قَالَ لَهُ قَوۡمُهُ لَا تَفۡرَحۡ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُحِبُّ ٱلۡفَرِحِینَ ۝ وَٱبۡتَغِ فِیمَاۤ ءَاتَىٰكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلۡـَٔاخِرَةَ وَلَا تَنۡسَ نَصِیبَكَ مِنَ ٱلدُّنۡیَا وَأَحۡسِن كَمَاۤ أَحۡسَنَ ٱللَّهُ إِلَیۡكَ وَلَا تَبۡغِ ٱلۡفَسَادَ فِي ٱلۡأَرۡضِ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُحِبُّ ٱلۡمُفۡسِدِینَ

[القصص: 76-77]

فلا يدفعك أن الله أمدك بالأموال فتفترح بها، عليك أن تفرح بفضل الله ورحمته، وليس بالمال.

یَا أَیُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَاۤءَتۡكُم مَّوۡعِظَةࣱ مِّن رَّبِّكُمۡ وَشِفَاۤءࣱ لِّمَا فِي ٱلصُّدُورِ وَهُدࣰى وَرَحۡمَةࣱ لِّلۡمُؤۡمِنِینَ ۝ قُلۡ بِفَضۡلِ ٱللَّهِ وَبِرَحۡمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلۡیَفۡرَحُوا۟ هُوَ خَیۡرࣱ مِّمَّا یَجۡمَعُونَ

[يونس: 57-58]
❈ ❈ ❈

المؤمن يُفتن ما دام حياً

المؤمن في فتنة ما زال حياً. فقد قال الله لكل مؤمن:

الۤمۤ ۝ أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن یُتۡرَكُوۤا۟ أَن یَقُولُوۤا۟ ءَامَنَّا وَهُمۡ لَا یُفۡتَنُونَ؟ ۝ وَلَقَدۡ فَتَنَّا ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَلَیَعۡلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِینَ صَدَقُوا۟ وَلَیَعۡلَمَنَّ ٱلۡكَٰذِبِینَ

[العنكبوت: 1-3]

فيفتن الله المؤمن بالمال. ينظر ماذا يفعل. والناجي من أهلكه وأنفقه وتصدق به وتخلّص منه.

كُلُّ نَفۡسࣲ ذَاۤئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِ وَنَبۡلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلۡخَیۡرِ فِتۡنَةࣰ وَإِلَیۡنَا تُرۡجَعُونَ

[الأنبياء: 35]

فالله قد يجعل البلاء فيما تظنه خيرٌ لك. فلا تفرح بكل خيرٍ تراه في الدنيا. الخير يكون في الآخرة فقط.

❈ ❈ ❈

مثل الحياة الدنيا كماء

المال الذي نراه اليوم خيرٌ! هو في الحقيقة بلاءٌ واختبارٌ ليس إلا. ضرب الله مثل الدنيا بالماء ثلاث مرات. قال:

إِنَّمَا مَثَلُ ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا كَمَاۤءٍ أَنزَلۡنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَاۤءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ مِمَّا یَأۡكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلۡأَنۡعَٰمُ حَتَّىٰۤ إِذَاۤ أَخَذَتِ ٱلۡأَرۡضُ زُخۡرُفَهَا وَٱزَّیَّنَتۡ وَظَنَّ أَهۡلُهَاۤ أَنَّهُمۡ قَٰدِرُونَ عَلَیۡهَاۤ أَتَىٰهَاۤ أَمۡرُنَا لَیۡلًا أَوۡ نَهَارࣰا فَجَعَلۡنَٰهَا حَصِيدࣰا كَأَن لَّمۡ تَغۡنَ بِٱلۡأَمۡسِ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡآیَٰتِ لِقَوۡمࣲ یَتَفَكَّرُونَ

[يونس: 24]

وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيءࣲ مُّقۡتَدِرًا ۝ ٱلۡمَالُ وَٱلۡبَنُونَ زِینَةُ ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا وَٱلۡبَٰقِیَٰتُ ٱلصَّٰلِحَٰتُ خَیۡرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابࣰا وَخَیۡرٌ أَمَلࣰا

[الكهف: 45-46]

اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِیدٌ وَمَغۡفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ

[الحديد: 20]
❈ ❈ ❈

اختبار طالوت بالماء

مثَّلَ اللهُ الدنيا في الأمثال الثلاثة بالماء. والعجيب أن طالوت حين أراد اختبار جيشه وقومه، إن كانت قلوبهم متعلقة بالدنيا أم لا. اختبرهم بالماء.

فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبۡتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ..

[البقرة: 249]

فَتَنَهم طالوت بمَثَل الدنيا. فمن كان قلبه متعلقاً بها فلن يصلح الجهاد في سبيل الله. ولن يدفع نفسه للآخرة، إلا من استغنى بالآخرة عن الدنيا. ولم يأخذ من الدنيا إلا (غُرفة). وهذا هو نصيبك القليل جداً من الدنيا. كما قيل لقارون:

وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ..

[القصص: 77]
❈ ❈ ❈

فتنة الإكرام والإهانة

هذا المثال في الآيات الثلاثة مثالٌ عظيم. فيه تحذير ألا يغتر الإنسان ويفرح بما يراه ويظنه خيراً. ولو كان بعد إيمانٍ وتقوى. فيظن أن جزاءَ التقوى أن يكرمه الله بالزيادة والبركة والاكثار في المال والرزق. بل هي فتنة، وكل رزق ونعمة فتنة وبلاء.

قال الله في سورة الفجر:

فَأَمَّا ٱلۡإِنۡسَٰنُ إِذَا مَا ٱبۡتَلَٰهُ رَبُّهُ فَأَكۡرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَیَقُولُ رَبّي أَكۡرَمَنِ/أَكۡرَمَنِي

[الفجر: 15]

يفرح بها المسكين، يقول ربي أكرمني، أعطاني، فهو يحبني. لا يدري أنه بلاء عليه وفتنة.

ثم قال:

وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزۡقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَٰنَنِ/أَهَٰنَنِي

[الفجر: 16]

وهذا يشتكي ويقول أن الله أهانه بسبب قلة المال. وكلاهما مخطئ.

الانسان في كل أحواله يحب الدنيا، لا يطمئن قلبه حتى يغتني فيها ويتنعم. لا ينظر للآخرة ولا يعلق قلبه فيها. كل همه الدنيا وما فيها من نعيم. إن أكرمه الله فيها فرح وقال ﴿أكرمني﴾! وإذا ضيق عليه اشتكى وقال ﴿أهانني﴾! يقول هذا لأن تفكيره في الدنيا فقط. قال الله بعدها ﴿كلا﴾. أي أن ما ظنه الانسان خطأ. فالأول لم يكرمه حين أنعم عليه، بل هو بلاء عليه واختبار فالمال ليس رفعة وتشريفاً له (ليست كرامة ولا إكرام). فهو لم يكرمه كما قال [أكرمني] فرحاً بها فخوراً، وحين ضيَّق عليه فهو لم يهنه كما قال [أهانني] شاكياً، إنما كانت له وقاية وبعدٌ من النار ولكنه لا يشعر فلهذا يشتكي ويظنها إهانة. المال بلاءٌ لكليهما. (الذي أنعم عليه)، ابتلاه فبخل ولم ينفق، (والذي ضيق عليه)، ابتلاه فجزع واشتكى ولم يصبر. [كلا] فكلاهما مخطئ. قلوبهم تعلقت بالدنيا. وهكذا هو الانسان. يطمئن للدنيا. ينسى أن وراءه يوماً عظيماً، فلا يفكر بذلك اليوم ولا يعمل له. كل كلامه وحرصه على الدنيا فقط. لهذا يقول [أكرمني، وأهانني].

كَلَّا بَل لَّا تُكۡرِمُونَ الْيَتِيمَ ۝ وَلَا تَحَٰٓضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ ۝ وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكۡلًا لَّمًّا ۝ وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا

[الفجر: 15-20]

لو كانت نفسك مطمئنة. لن تحب المال حبا جماً، وستهتم بآخرتك بإطعام المساكين وإكرام اليتامى. لا أن تهتم بنفسك هل أكرمك الله بالمال أو لم يكرمك. إن أعطاك الله أو حرمك فذلك بلاؤك. ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ... ۝ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ...﴾. يبتليك بالغنى والفقر، لينظر كيف تعمل. هل تكون ممن تعلق قلبه في دنياه أم أهتم لليتامى والمساكين حتى يفوز بالآخرة؟!.

❈ ❈ ❈

المؤمن يفتنه الله ما دام حياً

المؤمن يفتنه الله ويمده بالمال ليختبره، فإما أن يبخل [فيخسر دينه]. وإما أن يتصدق فيرده الله عليه، ويمده الله أضعافاً [يفتنه]. فيرجع ويتصدق، فيمده الله زيادة، يبقى يفتنه ما دام حياً. حتى يموت فيفوز. فالمؤمن لا يطمئن للدنيا أبداً. إنما للآخرة.

❈ ❈ ❈

فقر النبي ﷺ

لهذا،... لا تعجب إذا علمت أن الله جعل النّبي محمد ﷺ فقيراً. تمر عليه الأيام والأشهر وليس في بيته طعام يُطبخ، ليس عنده سوى الماء، وأحيانا والتمر!. رغم قدرته أن يجعله غنياً مترفاً يملك من المال ما يعينه على نشر الدعوة والإسلام. ولكنه جعله فقيراً. (في زماننا، هو أشبه بالمعدوم).

عن أبي حازم، عن أبي هريرة، رضي الله عنه: «جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: إني مجهود [أي جائع]، فأرسلَ إلى بعض نسائه، فقالت: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء، ثم أرسل إلى أخرى، فقالت مثل ذلك، حتى قلن كلهن مثل ذلك، لا، والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء. فقال: من يضيف هذا الليلة رحمه الله، فقام رجل من الأنصار، فقال: أنا يا رسول الله، فانطلق به إلى رحله، فقال لامرأته: هل عندك شيء، قالت: لا، إلا قوت صبياني، قال: فعلليهم بشيء، فإذا دخل ضيفنا فأطفئي السراج، وأريه أنا نأكل، فإذا أهوى ليأكل فقومي إلى السراج حتى تطفئيه، قال: فقعدوا وأكل الضيف، فلما أصبح، غدا على النبي ﷺ، فقال: قد عجبَ الله من صنيعكما بضيفكما الليلة»

وفي رواية: «...ضحك الله الليلة من فعالكما، فأنزل الله {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}»
أخرجه ابن أبي شيبة، والبخاري، ومسلم، وأبو يعلى
عن عروة بن الزبير، عن عائشة أنها كانت تقول: «والله يا ابن أختي إن كنا لننظر إلى الهلال، ثم الهلال، ثم الهلال، ثلاثة أهلة في شهرين، وما أوقد في أبيات رسول الله ﷺ نارٌ، قال: قلت يا خالة! فما كان يعيشكم؟! قالت الأسودان، التمر والماء، إلا أنه قد كان لرسول الله ﷺ جيران من الأنصار، وكانت لهم منائح، فكانوا يرسلون إلى رسول الله ﷺ من ألبانها فيسقيناها»
أخرجه أحمد، وعبد بن حميد، والبخاري، ومسلم

لم يوقد في بيته نارٌ! أي أنه لم يأكل طعاماً مطبوخاً! كان طعامه كل تلك المدة مالا يُطبخ، كالتمر والماء. فتخيل شدة فقره عليه الصلاة والسلام.

عن عروة بن الزبير، عن عائشة، قالت: «كان يأتي علينا الشهر ما نوقد فيه نارا، إنما هو التمر والماء، إلا أن نؤتى باللحيم»
أخرجه أحمد، وعبد بن حميد، والبخاري، ومسلم، وابن ماجة، والترمذي
عن الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، عن عائشة قالت: «ما شبع آل محمد ﷺ منذ قدم المدينة من طعام بر ثلاث ليال تبايعاً حتى قبض»
أخرجه أحمد، والبخاري، ومسلم، وابن ماجة، والترمذي
عن عروة بن الزبير، عن عائشة قالت: «ما شبع آل محمد ﷺ يومين من خبز بر إلا وأحدهما تمر»
أخرجه البخاري، ومسلم
عن قتادة، قال: كنا نأتي أنساً وخبازه قائم، قال: فقال يوماً: كلوا «فوالله، ما أعلم رسول الله ﷺ رأى رغيفاً مرققاً، ولا شاة سميطاً حتى لحق بربه»
أخرجه أحمد، والبخاري، وابن ماجة، وأبو يعلى، وابن حبان، والبغوي، والبيهقي، في "دلائل النبوة"
❈ ❈ ❈

النبي ﷺ يتخلص من المال فوراً

كان رسُول الله ﷺ مدركاً أن الكثرة حسرة وندامة. فكان يتخلص مما معه مباشرةً، ولا يبقيه عنده. كان لا يخزنه كما نفعل نحن [القرش الأبيض لليوم الأسود].

عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عقبة بن الحارث، قال: «صليت وراء النبي ﷺ بالمدينة، العصر، فسلم، ثم قام مسرعاً، فتخطى رقاب الناس إلى بعض حجر نسائه، ففزع الناس من سرعته، فخرج عليهم، فرأى أنهم عجبوا من سرعته، فقال: ذكرت شيئاً من تبر عندنا، فكرهت أن يحبسني، فأمرت بقسمته»
أخرجه أحمد، والبخاري، والنسائي

أخبرنا النّبي ﷺ ألا نحرص على الدنيا. وكان كثيراً ما ينبُذها ويحقّرها في أعين الصحابة حتى يكرهوها ويتجنبوها.

❈ ❈ ❈

غنى النبي ﷺ.. غنى النفس

وفوق هذا، لم يكن النّبي ﷺ محتاجاً لأحد. كان اعتماده كله على الله، أنه سيرزقه ويكفيه طلب الناس والتشرف بما عندهم.

وَوَجَدَكَ عَاۤئِلࣰا فَأَغۡنَىٰ

[الضحى: 8]

ولكن،.. هل هذه الآية تدل على غنى النّبي ﷺ؟. لا.

لم يكن النّبي ﷺ مترفاً، وليس كل كلمة غني تعني غنى المال والنعمة والترف. إنما الغنى غنى النفس. فقد أغناه الله من سؤال الناس وطلب الأجر. وجده عائلاً محتاجاً للناس. فأغناه عن ذلك، وأعطاه مفاتيح كل شيءٍ.

قال نبي الله ﷺ: «أوتيت مفاتيح كل شيء إلا الخمس،.....»
أخرجه أحمد، والبخاري، والطبراني
عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «بعثت بجوامع الكلم ونصرت بالرعب وبينا أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الأرضي فوضعت في يدي» قال أبو هريرة فذهب رسول الله ﷺ وأنتم تنتثلونها»
أخرجه أحمد، والبخاري، والنسائي

فلم يكن النّبي ﷺ يطلب مالا من أحد. أغناه الله منها. وأعطاه كل شيءٍ في الدنيا والآخرة. فترك مال الدنيا كله. وأقبل على الآخرة. وحض الناس على النفقة لأنفسهم.

وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرࣰا وَنَذِیرࣰا ۝ قُلۡ مَاۤ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَیۡهِ مِنْ أَجۡرٍ إِلَّا مَن شَاۤءَ أَن یَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ سَبِیلࣰا ۝ وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱلۡحَيِّ ٱلَّذِي لَا یَمُوتُ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِهِۦ وَكَفَىٰ بِهِۦ بِذُنُوبِ عِبَادِهِۦ خَبِیرًا

[الفرقان: 56-58]

...قُل لَّاۤ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَیۡهِ أَجۡرًا إِلَّا ٱلۡمَوَدَّةَ فِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَمَن یَقۡتَرِفۡ حَسَنَةࣰ نَّزِدۡ لَهُ فِیهَا حُسۡنًا إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورࣱ شَكُورٌ

[الشورى: 23]
عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس الغنى عن كثرة العرض، إنما الغنى غنى النفس»
أخرجه الحميدي، وأحمد، ومسلم، وابن ماجة

ولأجل ذلك كان يدعوا عليه الصلاة والسلام:

«اﻟﻠﻬﻢ ﺇﻧﻲ ﺃﺳﺄﻟﻚ اﻟﻬﺪﻯ، ﻭاﻟﺘﻘﻰ، ﻭاﻟﻌﻔﺎﻑ، ﻭالغنى»
أخرجه أحمد، والبخاري في "الأدب المفرد"، ومسلم، وابن ماجة، والترمذي

ليس غنى المال. إنما غنى النفس عن الطلب والسؤال.

عن عروة بن الزبير، عن حكيم بن حزام، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اليد العليا خير من اليد السفلى، وليبدأ أحدكم بمن يعول، وخير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، ومن يستغن يغنه الله، ومن يستعفف يعفه الله. فقلت: ومنك يا رسول الله؟ قال: ومني»
أخرجه ابن أبي شيبة، وأحمد، والبخاري، والطبراني، والبيهقي

الكرم النبوي

عن ثابت، عن ﺃﻧﺲ ﺑﻦ ﻣﺎلك: «أن رجلاً سأل النبي ﷺ، فأعطاه غنماً بين جبلين، فأتى قومه، فقال: أي قوم أسلموا، فوالله إن محمداً ليعطي عطاء ما يخاف الفقر، فقال أنس: إن كان الرجل ليسلم، ما يريد إلا الدنيا، فما يمسي حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها»
أخرجه أحمد، وعبد بن حميد، ومسلم
عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «ﻟﻴﺲ المسكين ﺑﻬﺬا اﻟﻄﻮاﻑ، اﻟﺬﻱ ﻳﻄﻮﻑ ﻋﻠﻰ اﻟﻨﺎﺱ، ﺗﺮﺩﻩ اﻟﻠﻘﻤﺔ ﻭاﻟﻠﻘﻤﺘﺎﻥ، ﻭاﻟﺘﻤﺮﺓ ﻭاﻟﺘﻤﺮﺗﺎﻥ، ﻗﺎﻟﻮا: ﻓﻤﺎ المسكين؟ قال: الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يُفطن له فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس»
أخرجه مالك، والبخاري، ومسلم، والنسائي، وأبو يعلى
❈ ❈ ❈

الدنيا أهون على الله من جدي ميت

عن محمد بن علي، عن جابر بن عبد الله: «أن رسول الله ﷺ مر بالسوق، داخلاً من بعض العالية، والناس كنفته، فمر بجدي أسك ميت، فتناوله فأخذ بأذنه، ثم قال: أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟ فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ قال: أتحبون أنه لكم؟ قالوا: والله، لو كان حياً، كان عيباً فيه لأنه أسك، فكيف وهو ميت، فقال: فوالله، للدنيا أهون على الله من هذا عليكم»
أخرجه ابن المبارك، في "الزهد"، وأحمد، والبخاري في "الأدب المفرد"، ومسلم، وأبو داود، وابن أبي عاصم، في "الزهد"، والبيهقي
❈ ❈ ❈

ما أخشى عليكم إلا ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا

كان يخشى أن نستكثر من المال والطعام وأن نتنافس عليها، كان يخاف أن تفتح علينا زهرة الدنيا. يعلم أن كثرة المال مهلكة.

عن عياض بن عبد الله بن سعد، أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: «قام رسول الله ﷺ فخطب الناس فقال: لا والله ما أخشى عليكم، أيها الناس، إلا ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا. فقال رجل: يا رسول الله، أياتي الخير بالشر؟ فصمت رسول الله ﷺ ساعة، ثم قال: كيف قلت؟ قال: قلت: يا رسول الله: أياتي الخير بالشر؟ فقال له رسول الله ﷺ: إن الخير لا يأتي إلا بخير، أو خير هو، إن كل ما ينبت الربيع يقتل حبطاً أو يلم، إلا آكلة الخضر، أكلت حتى إذا امتلأت خاصرتاها استقبلت الشمس، ثلطت أو بالت، ثم اجترت، فعادت، فأكلت، فمن يأخذ مالاً بحقه يبارك له فيه، ومن يأخذ مالاً بغير حقه فمثله كمثل الذي يأكل ولا يشبع»
أخرجه الحميدي، وأحمد، ومسلم، وابن ماجة
❈ ❈ ❈

لو كان الفقر رجلاً لقتلته

عن عروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، أن حكيم بن حزام قال: "سألت رسول الله ﷺ فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال: يا حكيم، إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس، بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس، لم يبارك له فيه، كالذي يأكل ولا يشبع،. اليد العليا خير من اليد السفلى. قال حكيم: فقلت: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق، لا أرزأ أحدا بعدك شيئاً حتى أفارق الدنيا". فكان أبو بكر، رضي الله عنه، يدعو حكيماً إلى العطاء، فيأبى أن يقبله منه، ثم إن عمر، رضي الله عنه، دعاه ليعطيه، فأبى أن يقبل منه شيئاً، فقال عمر: إني أشهدكم يا معشر المسلمين على حكيم، إني أعرض عليه حقه من هذا الفيء، فيأبى أن يأخذه، فلم يرزأ حكيم أحداً من الناس بعد رسول الله ﷺ، حتى توفي.»
أخرجه ابن المبارك، في "الزهد"، وأحمد، وعبد بن حميد، والبخاري، ومسلم، والنسائي، والطبراني، والبيهقي
عن المسور بن مخرمة، أن عمرو بن عوف الأنصاري، وهو حليف لبني عامر بن لؤي، وكان شهد بدراً أخبره: «أن رسول الله ﷺ بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين، يأتي بجزيتها، وكان رسول الله ﷺ هو صالح أهل البحرين، وأمر عليهم العلاء بن الحضرمي، فقدم أبو عبيدة بمال من البحرين، فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة، فوافت صلاة الصبح مع النبي ﷺ، فلما صلى بهم الفجر انصرف، فتعرّضوا له، فتبسم رسول الله ﷺ حين رآهم، وقال: أظنكم قد سمعتم أن أبا عبيدة قد جاء بشيء؟ قالوا: أجل، يا رسول الله، قال: فأبشروا وأملوا ما يسركم، فوالله، لا الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا، كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم»
أخرجه أحمد، والبخاري، ومسلم، وابن ماجة، والترمذي

ولم يثبت ما يقال ويُنسب عن علي بن أبي طالب، أنه قال: ﴿لو كان الفقر رَجلاً لقتلته﴾. بالعكس، الفقر رحمة بالمسلم، وقربى وتقوى.

❈ ❈ ❈

هل استعاذ النبي ﷺ من الفقر؟

لا. إنما استعاذ من شر فتنة الفقر.

عن عروة بن الزبير، عن عائشة: «أن رسول الله ﷺ كان يدعو بهؤلاء الدعوات: اللهم فإني أعوذ بك من فتنة النار وعذاب النار وفتنة القبر وعذاب القبر ومن شر فتنة الغنى ومن شر فتنة الفقر وأعوذ بك من شر فتنة المسيح الدجال اللهم اغسل خطاياي بماء الثلج والبرد ونق قلبي من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس وباعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب اللهم فإني أعوذ بك من الكسل والهرم والمأثم والمغرم»
أخرجه أحمد، وعبد بن حميد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجة، والترمذي، والنسائي

لماذا استعاذ من شر فتنة الفقر؟. لأن للفقر فتنة، ويلزمها صبر شديد. وقد يلحق بالفقير من الأمور التي تخشى وقوعها نتيجة فقره. كالدَّين (المَغرَم)، والبخل [تكنيز المال خشية نفاذه]، كما في نفس الحديث وفي غيره.

فللفقر فتنة. وفتنته كريهة، فالفقر متعب ومخيف. لهذا يخشاه الناس، وحتى يتجنبوه يبخلون بمالهم ويتكاسلون عن النفقة. هذا هو شر فتنة الفقر. بالبخل والكسل، أو المغرم والمأثم. يحرص على الدنيا الضيقة ويتناسى سعة الآخرة مقابل الدنيا.

قال نبي الله ﷺ: «والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه هذه في اليم فلينظر بما ترجع»
أخرجه الحميدي، وأحمد، ومسلم، وابن ماجة، والترمذي

فتنة الفقر، هو أن تحرص على المال فلا تنفق، وتخشى الفقر فتمسك.

عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «قال الله: أنفِق أُنفق عليك، وقال: يد الله ملأى، لا تغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، وقال: أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماء والأرض، فإنه لم يغض ما في يده وكان عرشه على الماء، وبيده الميزان يخفض ويرفع»
أخرجه أحمد، والبخاري، ومسلم، وابن ماجة، والترمذي
❈ ❈ ❈

المال هلاك ومهلكة

كلمة المهلكة التي ذكرها النّبي ﷺ في الحديث السابق، كانت لأجل المنافسة على الدنيا. وهذه الكلمة ذكرها الله في القُــرآن كذلك لمن أراد الدنيا واحتفظ بماله وجمعه!.

وَأَنفِقُوا۟ فِي سَبِیلِ ٱللَّهِ وَلَا تُلۡقُوا۟ بِأَیۡدِيكُمۡ إِلَى ٱلتَّهۡلُكَةِ وَأَحۡسِنُوۤا۟ إِنَّ ٱللَّهَ یُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِینَ

[البقرة: 195]

ظنّ كل من قرأها أن المهلكة هي الأذى والضرر. وأن الله يقصد لا تجازفوا بالمخاطر، ولا تَضُرّوا أنفسكم، أو لا تقتلوا أنفسكم. وهذا خطأ. هذه الآية تتكلم عن إنفاق المال، وتحذر إمساكه وجمعه.

فالاحتفاظ بالمال هي المهلكة، فأنت لم تكنزها عندك وتجمعها وتمتنع عن النفقة بها إلا لأجل حرصك على الدنيا، الدنيا هالكة مهلِكة فهي المَهلَكة. ولا يكون الخلاص منها إلا بالتخلص من هذا المال بالانفاق به في سبيل الله.

حتى التابعين قد فهموا هذه الآية خطأً كما يفهمها الناس اليوم. وظنوا أن التهلكة هي أن ترمي بنفسك في مواضع قد تموت فيها.

عن أسلم أبي عمران، قال: غزونا من المدينة نريد القسطنطينية، وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، والروم ملصقو ظهورهم بحائط المدينة، فحمل رجل على العدو، فقال الناس: مه، مه، لا إله إلا الله، يلقي بيديه إلى التهلكة، فقام أبو أيوب فقال: «يا أيها الناس، إنكم لتؤولون هذه الآية هذا التأويل؛ وإنما أنزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، لما أعز الله الإسلام، وكثر ناصروه، فقال بعضنا لبعض سراً دون رسول الله ﷺ: إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعز الإسلام، وكثر ناصروه، فلوا أقمنا في أموالنا، فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله تعالى على نبيه ﷺ يرد علينا ما قلنا {وَأَنفِقُوا۟ فِي سَبِیلِ ٱللَّهِ وَلَا تُلۡقُوا۟ بِأَیۡدِيكُمۡ إِلَى ٱلتَّهۡلُكَةِ}، فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها، وتركنا الغزو، فما زال أبو أيوب شاخصاً في سبيل الله، حتى دفع بأرض الروم»
رواه أبوداود والترمذي والنسائي
عن أبي وائل، عن حذيفة قال: «{وَأَنفِقُوا۟ فِي سَبِیلِ ٱللَّهِ وَلَا تُلۡقُوا۟ بِأَیۡدِيكُمۡ إِلَى ٱلتَّهۡلُكَةِ}، قال: نزلت في النفقة»
أخرجه البخاري، والطبراني، في "الأوسط"

التهلكة هي الدنيا وإصلاح المال. وليست التهلكة المجازفة والتخاطر وأن تضر نفسك!.

❈ ❈ ❈

التقليل والتخفف

رحلة قرآنية عميقة في حقيقة المال والثراء

الجزء الثالث من أربعة أجزاء

في هذا الجزء، ستجد التوافق العجيب بين القُــرآن والسنة. في أمورٍ ليست تكن ظاهرة جلية. ولن تدركها إلا بالوقوف عليها وتدبرها.

ذكرنا في الجزء الأول كيف أن المال يعين على التكذيب والبعد عن الله. وفي الجزء الثاني أثبتنا بالقرآن أن المال عذاب ونقمة على صاحبه، بعكس ما يظنه الناس. وفي هذا الجزء نتحدث عن أمر مشابه بما عند الفقير. ألا وهو التقليل والتخفف.

❈ ❈ ❈

الجوع.. طريق إلى التقوى

الفقير، لا يستطيع شراء كفايته من الطعام، فغالباً ما تجده جائعاً. لهذا هو للّٰه أقرب من الغني، كما وجدنا في القُرآن. وحال الفقير أشبه بحال الصائم، فالصائم كذلك لا يأكل فيجوع فيكون حاله كحال كالفقير الجائع. والعجيب أن كلا الحالين يؤديان للتقوى. فالفقير أتقى لربه من الغني. أما الصائم فــــ..

یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَیۡكُمُ ٱلصِّیَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ

[البقرة: 183]

فكانت الحكمة والعلة من الصيام [الانقطاع عن الطعام] هي التقوى. ذلك أن الجائع أقرب لربه من الشبعان. كالفقير تماماً. والفقير أقرب للتقوى من الغني.

عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: دخلنا على عبد الله بن مسعود، وعنده علقمة والأسود، فحدث حديثاً، لا أراه حدثه إلا من أجلي، كنت أحدث القوم سناً، قال: «كنا مع رسول الله ﷺ شباب، لا نجد شيئاً، فقال: يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة، فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع، فعليه بالصوم، فإنه له وجاء»
أخرجه الحميدي، وابن أبي شيبة، وأحمد، والدارمي، والبخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وأبو عوانة، والطبراني، والبيهقي

جعل النّبي ﷺ الصوم كالبديل الذي به تتقي أكثر، تغض البصر، وتحصن الفرج. كل ذلك بالتجويع، الصوم، الأكل الخفيف. فلا تستغرب حين تجد الأنبياء أشد حرصاً على الصوم، فقد كان الرَّسـوْل ﷺ يصوم حتى يقال لا يفطر، وكان أحياناً يواصل الصيام يومين متتاليين فكان يزداد بالجوع تقوىً، وبالتخفف من الطعام تقرباً.

❈ ❈ ❈

الشبع.. علامة المكذب

لو كان الصوم [أي قلة الأكل] يؤدي للتقوى. فبالنقيض نقول: كثرة الطعام تؤدي للفجور والكفر بالنعمة وإنكار الحق، كما شهد بذلك القُــرآن. ومنه تفهم قول نَبِيّ اْللّٰه ﷺ جلياً:

«يأكل المسلم في معيٍ واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء»
أخرجه مالك، وأحمد، والبخاري

المعي مفرد الأمعاء. والحديث ينعت حال المؤمن والكافر في التكثير والتقليل من النعَم والطعام. فالمؤمن مقل [جائع كالفقير]. والكافر مكثر [يشبع كالغني]. وليس في الحديث تكفير لمن يأكل كثيراً، إنما تحذيرٌ ألا نأكل كثيراً. وليس الكلام عن الفرق بين عدد أمعاء المسلم والكافر كما قاله بعض أصحاب الاعجاز العلمي. إنما عن الأكل الكثير والقليل. فهذا عمل المؤمن وذاك عمل الكافر.

❈ ❈ ❈

حديث خير الناس قرني.. وظهور السمن

الكلام عن كثرة الطعام. وحتى تتيقن أن الفجور والكذب والإنكار مرتبط بكثرة الطعام. انظر لقول النّبي ﷺ في حديث خير الناس قرني:

عن زهدم بن مضرب قال: سمعت عمران بن حصين يحدث: «إن خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، قال عمران: فلا أدري أقال رسول الله ﷺ بعد قرنه، مرتين، أو ثلاثة، ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن»
أخرجه أحمد، والبخاري، ومسلم، والنسائي

السمن هو ما نسميه اليوم بالسُمنة. أو البدانة، (تخين، دب، بو كرشة). وهذه علامة على كثرة الأكل. وفي هذا الحديث، ربط النّبي ﷺ السمنة بانتشار الكذب والتكذيب وفساد الشهادة. فالجيل الطيب الذي سبق ظهور السمنة، كان جيلٌ مؤمنٌ صادق. لهذا زكاهم النّبي ﷺ. وبمقارنتهم لمن جاء بعدهم. نعرف أن علامة السابقين أنهم لم يكونوا يكثرون من الأكل، فلم يظهر فيهم السمن بخلاف الذين خلفوهم، ظهرت فيهم البدانة. وقد بين النّبي ﷺ وشرح عن الجيل اللاحق (السمين) في حديثه هذا. وذكر علامتهم:

عن عبيدة عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، فلا أدري في الثالثة أو في الرابعة قال: ثم يتخلف من بعدهم خلف تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته»
أخرجه أحمد، والبخاري، ومسلم، وابن ماجة، والترمذي
العلامة الفارقة

العلامة الفارقة بين السابقين واللاحقين هي كثرة الأكل

الأولين ــ يأكلون قليلاً. عُرفوا بالصّدق. هذه علامتهم.

الآخرين ــ يأكلون كثيراً، عُرفوا بالكذب. هذه علامتهم.

وفي رواية أخرى لنفس المتن ولكن "سندها مضطرب": عن عبد الله بن الزبير، قال: قام فينا أمير المؤمنين عمر على باب الجابية، فقال: إن رسول الله ﷺ، قام فينا كقيامي فيكم، فقال: يا أيها الناس، أكرموا أصحابي، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب حتى إن الرجل ليحلف قبل أن يستحلف، ويشهد قبل أن يستشهد، فمن سره أن ينال بحبحة الجنة، فعليه بالجماعة، فإن يد الله فوق الجماعة، لا يخلون رجل بامرأة، فإن الشيطان ثالثهما، ألا إن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، ألا من ساءته سيئته، وسرته حسنته، فذلك المؤمن» (النسائي).

❈ ❈ ❈

من يرد الله به خيراً يصب منه

فمن أصيب بشيء من قلة الطعام. فليعلم أنه في خيرٍ عظيم من الله. وحال الفقير أفضل من حال الغني بألف ألف مرة.

عن سعيد بن يسار أبي الحباب قال: سمعت أبا هريرة يقول قال رسول الله ﷺ: «من يُرِد اللهُ به خيراً، يُصِبْ منه»
أخرجه مالك، وأحمد، والبخاري

فلا تغتر بالغنى والترف ولا تسعى لها. أن تبقى فقيراً فأنت على خيرٍ عظيم. الفقر أحسن من الغنى. الغني الشبعان أقرب للفسق والطغيان من الفقير. أغلب المكذبين أغنياء مترفون. وأعظمهم غنىً قارون. وكان كافراً،.!! رغم أنه كان من قوم موسى، وليس من آل فرعون.

إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوۡمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَیۡهِمۡ وَءَاتَیۡنَاهُ مِنَ ٱلۡكُنُوزِ مَاۤ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوۤأُ بِٱلۡعُصۡبَةِ أُو۟لِي ٱلۡقُوَّةِ

[القصص: 76]

وبقية الناس تمنوا أن يكونوا مثله. وبعد أن خسف الله به، قال:

تِلۡكَ ٱلدَّارُ ٱلۡـَٔاخِرَةُ نَجۡعَلُهَا لِلَّذِینَ لَا یُرِیدُونَ عُلُوࣰّا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فَسَاداً وَٱلۡعَاقِبَةُ لِلۡمُتَّقِینَ

[القصص: 83]

فالمؤمن هو الذي تعلق قلبه بالآخرة ولم يرد العلو في الدنيا. قال الله في أول السورة:

إِنَّ فِرۡعَوۡنَ عَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ

[القصص: 4]

وقال عن المستضعفين:

وَنُرِیدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِینَ ٱسۡتُضۡعِفُوا۟ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَنَجۡعَلَهُمۡ أَئمَّةࣰ وَنَجۡعَلَهُمُ ٱلۡوَارِثِینَ

[القصص: 5]
وقد رويَ عن النّبي ﷺ أنه قال: «الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر»
رواه مسلم والترمذي وابن ماجه وابن حبان وفي سنده كلام
❈ ❈ ❈

قليل فقه قلوبهم.. كثير شحم بطونهم

عن أبي معمر عن ابن مسعود قال: «اجتمع عند البيت ثلاثة نفر؛ قرشيان وثقفي، أو ثقفيان وقرشي، قليل فقه قلوبهم، كثير شحم بطونهم فقال أحدهم: أترون الله يسمع ما نقول؟ وقال الآخر: يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا. وقال الآخر: إن كان يسمع إذا جهرنا فهو يسمع إذا أخفينا. فأنزل الله {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ} الآية...»
أخرجه الحميدي، وأحمد، والبخاري، ومسلم، والترمذي
ملاحظة مهمة

لاحظ العلاقة بين الإكثار والغباء. كلما سمنت أكثر، كلما قل فقهك. 🤷🏻‍♂️

❈ ❈ ❈

حديث ضعيف.. لكنه يوافق القرآن

وهنا يحضرني حديث عن النّبي ﷺ. كم وددت أن يكون صحيح السند. ولكن للأسف سنده لا يصح. رغم أنه يوافق القُــرآن تماماً. والحديث يتكلم عمن ينكر سنة النّبي ﷺ [يكذبها]. ولكن العجيب، كيف نعته النّبي ﷺ [شبعان. يأكل كثيراً. صاحب نعمة ومال].

الحديث عن النّبي ﷺ أنه قال: «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، لا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه..»
وفي لفظ: «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجل ينثني شبعاناً على أريكته، يقول: عليكم بالقرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه..»
وفي لفظ: «لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ، يَأْتِيهِ أَمْرٌ مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ، أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ، فَيَقُولُ : لَا أَدْرِي، مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ»
رواه أحمد والدارمي وأبو داود والترمذي وابن حبان وابن ماجه

لأجل ضعف سنده، يلزم أن أضع له شاهداً من القُـرآن لأثبت المعنى. فالقُـرآن يثبت معناه، لكن الحديث ضعيف، فلا نحتج به.

من ظهر فيه السمن، وكثرت عليه النعيم والأكل، اتكأ على أريكة، يتمتع، يتنعم، يأكل، يشرب، ثم يكذب الله ويجحد كلامه، يقول أريد دليلاً من القُرآن، لا أريد سنةً ولا حديثاً.

والقُــرآن أثبت أن علامة الكافر المكذب الأكل الكثير والتنعم، والاتكاء على الأرائك. قال الله:

وَیۡلࣱ یَوۡمَئِذࣲ لِّلۡمُكَذِّبِینَ

[المرسلات: 45]

كُلُوا۟ وَتَمَتَّعُوا۟ قَلِیلࣰا إِنَّكُم مُّجۡرِمُونَ

[المرسلات: 46]

وَیۡلࣱ یَوۡمَئِذࣲ لِّلۡمُكَذِّبِینَ ۝ إِذَا قِیلَ لَهُمُ ٱرۡكَعُوا۟ لَا یَرۡكَعُونَ ۝ وَیۡلࣱ یَوۡمَئِذࣲ لِّلۡمُكَذِّبِینَ ۝ فَبِأَیِّ حَدِیثِۭ بَعۡدَهُ یُؤۡمِنُونَ

[المرسلات: 47-50]

تأمل، كيف ربط الله بين كثرة الأكل والتمتع، وبين التكذيب بالله وعدم الركوع والصلاة، وبين عدم الإيمان بحديثٍ غير القُرآن [السنة النبوية]. هذا يوافق الحديث ضعيف السند.

❈ ❈ ❈

المتكئون على الأرائك.. مكذبون

حتى وصف الاتكاء [وهو من صفات الأغنياء وأصحاب النعيم الكثير]، قد ذكره الله عن المكذبين في القُرآن:

ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِینَ عَمِلُوا۟ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةࣲ ثُمَّ تَابُوا۟ مِنۢ بَعۡدِ ذَلِكَ وَأَصۡلَحُوۤا۟ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعۡدِهَا لَغَفُورࣱ رَّحِیمࣱ ۝ إِنَّ إِبۡرَاهِیمَ كَانَ أُمَّةࣰ قَانِتࣰا لِّلَّهِ حَنِیفࣰا وَلَمۡ یَكُ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِینَ ۝ شَاكِرࣰا لِّأَنعُمِهِ ٱجۡتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَاطࣲ مُّسۡتَقِیمࣲ ۝ وَءَاتَیۡنَاهُ فِي ٱلدُّنۡیَا حَسَنَةࣰ وَإِنَّهُ فِي ٱلۡـَٔاخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِینَ ۝ ثُمَّ أَوۡحَیۡنَاۤ إِلَیۡكَ أَنِ ٱتَّبِعۡ مِلَّةَ إِبۡرَاهِیمَ حَنِیفࣰا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِینَ

[النحل: 120-123]

فذكر بعد هذا:

إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبۡتُ عَلَى ٱلَّذِینَ ٱخۡتَلَفُوا۟ فِیهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَیَحۡكُمُ بَیۡنَهُمۡ یَوۡمَ ٱلۡقِیَامَةِ فِیمَا كَانُوا۟ فِیهِ یَخۡتَلِفُونَ ۝ ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِیلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِ وَجَادِلۡهُم بِٱٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِیلِهِ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِینَ

[النحل: 124-125]

قال في سورة أخرى:

وَلَوۡ شِئۡنَا لَبَعَثۡنَا فِي كُلِّ قَرۡیَةࣲ نَّذِیرࣰا ۝ فَلَا تُطِعِ ٱلۡكَافِرِینَ وَجَاهِدۡهُم بِهِ جِهَادࣰا كَبِیرًا

[الفرقان: 51-52]

قال قبلها:

وَقَالَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ لَوۡلَا نُزِّلَ عَلَیۡهِ ٱلۡقُرۡءَانُ جُمۡلَةࣰ وَاحِدَةࣰ كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلۡنَاهُ تَرۡتِیلࣰا ۝ وَلَا یَأۡتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئۡنَاكَ بِٱلۡحَقِّ وَأَحۡسَنَ تَفۡسِیرًا ۝ ٱلَّذِینَ یُحۡشَرُونَ عَلَىٰ وُجُوهِهِمۡ إِلَىٰ جَهَنَّمَ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ شَرࣱّ مَّكَانࣰا وَأَضَلُّ سَبِیلࣰا

[الفرقان: 32-34]

فأثبت الله حشرهم بهذه الحالة وكذبهم. قال في أول السورة:

تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلۡفُرۡقَانَ عَلَىٰ عَبۡدِهِ لِیَكُونَ لِلۡعَالَمِینَ نَذِیرًا

[الفرقان: 1]

ثم ذكر بعدها:

وَٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِهِ ءَالِهَةࣰ لَّا یَخۡلُقُونَ شَیۡـࣰٔا وَهُمۡ یُخۡلَقُونَ وَلَا یَمۡلِكُونَ لِأَنفُسِهِمۡ ضَرࣰّا وَلَا نَفۡعࣰا وَلَا یَمۡلِكُونَ مَوۡتࣰا وَلَا حَیَوٰةࣰ وَلَا نُشُورࣰا ۝ وَقَالَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوۤا۟ إِنۡ هَذَاۤ إِلَّاۤ إِفۡكٌ ٱفۡتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَیۡهِ قَوۡمٌ ءَاخَرُونَ فَقَدۡ جَاۤءُو ظُلۡمࣰا وَزُورࣰا ۝ وَقَالُوۤا۟ أَسَاطِیرُ ٱلۡأَوَّلِینَ ٱكۡتَتَبَهَا فَهِيَ تُمۡلَىٰ عَلَیۡهِ بُكۡرَةࣰ وَأَصِیلࣰا

[الفرقان: 3-5]

فكذبوه وأنكروا أن يكون القُــرآن من الله. ثم ذكر بعدها:

قُلۡ أَنزَلَهُ ٱلَّذِي یَعۡلَمُ ٱلسِّرَّ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلۡأَرۡضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورࣰا رَّحِیمࣰا ۝ وَقَالُوا۟ مَالِ هَذَا ٱلرَّسُولِ یَأۡكُلُ ٱلطَّعَامَ وَیَمۡشِي فِي ٱلۡأَسۡوَاقِ لَوۡلَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡهِ مَلَكࣱ فَیَكُونَ مَعَهُ نَذِیرًا ۝ أَوۡ یُلۡقَىٰۤ إِلَیۡهِ كَنزٌ أَوۡ تَكُونُ لَهُ جَنَّةࣱ یَأۡكُلُ مِنۡهَا وَقَالَ ٱلظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلࣰا مَّسۡحُورًا ۝ ٱنظُرۡ كَیۡفَ ضَرَبُوا۟ لَكَ ٱلۡأَمۡثَالَ فَضَلُّوا۟ فَلَا یَسۡتَطِیعُونَ سَبِیلࣰا

[الفرقان: 6-9]

نعتوا النّبي ﷺ بأنه فقير، يأكل الطعام [المقدار القليل المعتاد]، يمشي في الأسواق [لأنه محتاج]. عابوه بالفقر. أنت تقول إنك نبي! فأين الكنوز؟! أين الأموال والأملاك؟! ثم استعلوا عليه لأنه ليس ثرياً. وكذبوا بما جاء به. واتهموا النبي ﷺ بالسحر والإفك [وهو أشد الكذب].

استمر في السورة، تجد ذكر الكافرين وعلاماتهم، وذكر المؤمنين وصفاتهم، قال عن المؤمنين:

وَعِبَادُ ٱلرَّحۡمَنِ ٱلَّذِینَ یَمۡشُونَ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ هَوۡنࣰا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلۡجَاهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَامࣰا ۝ وَٱلَّذِینَ یَبِیتُونَ لِرَبِّهِمۡ سُجَّدࣰا وَقِیَامࣰا ۝ وَٱلَّذِینَ یَقُولُونَ رَبَّنَا ٱصۡرِفۡ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ۝ إِنَّهَا سَاۤءَتۡ مُسۡتَقَرࣰّا وَمُقَامࣰا ۝ وَٱلَّذِینَ إِذَاۤ أَنفَقُوا۟ لَمۡ یُسۡرِفُوا۟ وَلَمۡ یَقۡتُرُوا۟ وَكَانَ بَیۡنَ ذَلِكَ قَوَامࣰا

[الفرقان: 63-67]

فأثبت لهم خصلة "عدم الاسراف" [التبذير والتبديد]، هذه من أهم صفاتهم [عدم كثرة المال]. ولو كان لهم مال أكثر مما يكفيهم لأسرفوا، بيد أن هذا ممتنع على المؤمن، فهم لا يسرفون [أي لا ينفقون كثيراً]، كما لا يقترون [أي لا يمسكون البتة كالبخلاء]. هذا هو حالهم في المال، هذه علامتهم. وهذا حال النّبي ﷺ كذلك.

لكن الكافرين، من أثرى المكذبين، ذكر الله صفتهم في نفس السورة:

وَیَوۡمَ یَعُضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ یَدَیۡهِ یَقُولُ یَالَیۡتَنِي ٱتَّخَذۡتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِیلࣰا ۝ یَاوَیۡلَتَىٰ لَیۡتَنِي لَمۡ أَتَّخِذۡ فُلَانًا خَلِیلࣰا ۝ لَّقَدۡ أَضَلَّنِي عَنِ ٱلذِّكۡرِ بَعۡدَ إِذۡ جَاۤءَنِي وَكَانَ ٱلشَّیۡطَانُ لِلۡإِنسَانِ خَذُولࣰا ۝ وَقَالَ ٱلرَّسُولُ یَارَبِّ إِنَّ قَوۡمِي ٱتَّخَذُوا۟ هَذَا ٱلۡقُرۡءَانَ مَهۡجُورࣰا ۝ وَكَذَلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوࣰّا مِّنَ ٱلۡمُجۡرِمِینَ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِیࣰا وَنَصِیرࣰا ۝ وَقَالَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ لَوۡلَا نُزِّلَ عَلَیۡهِ ٱلۡقُرۡءَانُ جُمۡلَةࣰ وَاحِدَةࣰ كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلۡنَاهُ تَرۡتِیلࣰا ۝ وَلَا یَأۡتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئۡنَاكَ بِٱلۡحَقِّ وَأَحۡسَنَ تَفۡسِیرًا ۝ ٱلَّذِینَ یُحۡشَرُونَ عَلَىٰ وُجُوهِهِمۡ إِلَىٰ جَهَنَّمَ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ شَرࣱّ مَّكَانࣰا وَأَضَلُّ سَبِیلࣰا

[الفرقان: 27-34]

وذكر عنهم كذلك في هذه السورة:

وَإِذَا رَءَاكَ إِن یَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا ٱلَّذِي بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولًا ۝ إِن كَادَ لَیُضِلُّنَا عَنۡ ءَالِهَتِنَا لَوۡلَاۤ أَن صَبَرۡنَا عَلَیۡهَا وَسَوۡفَ یَعۡلَمُونَ حِینَ یَرَوۡنَ ٱلۡعَذَابَ مَنۡ أَضَلُّ سَبِیلًا ۝ أَرَءَیۡتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَیۡهِ وَكِیلًا ۝ أَمۡ تَحۡسَبُ أَنَّ أَكۡثَرَهُمۡ یَسۡمَعُونَ أَوۡ یَعۡقِلُونَ إِنۡ هُمۡ إِلَّا كَٱلۡأَنۡعَامِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّ سَبِیلًا ۝ أَلَمۡ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَیۡفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ وَلَوۡ شَاۤءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنࣰا ثُمَّ جَعَلۡنَا ٱلشَّمۡسَ عَلَیۡهِ دَلِیلࣰا ۝ ثُمَّ قَبَضۡنَاهُ إِلَیۡنَا قَبۡضࣰا یَسِیرࣰا

[الفرقان: 41-46]

ذكر بعدها قدرته عز وجل على الخلق، ثم ذكر أن النوم راحة، والنهار للرزق والعمل [أي الكفاف]:

وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّیۡلَ لِبَاسࣰا وَٱلنَّوۡمَ سُبَاتࣰا وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُورࣰا

[الفرقان: 47]

فالنوم مخالفٌ للمال، لأن بالليل لا تُجلَب أكثر الأرزاق، فراحة [سبات] دون مال. ونشورٌ بالنهار [نشاط وانتشار لطلب الرزق]، لكن الكافر متنعمٌ بالكثير من الأموال، له وفرةٌ وفرح في المال والنعيم. قال الله عنهم:

أَیَحۡسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالࣲ وَبَنِینَ ۝ نُسَارِعُ لَهُمۡ فِي ٱلۡخَیۡرَاتِ بَل لَّا یَشۡعُرُونَ

[المؤمنون: 55-56]

ذكر قبلها:

وَلَقَدۡ أَخَذۡنَاهُم بِٱلۡعَذَابِ فَمَا ٱسۡتَكَانُوا۟ لِرَبِّهِمۡ وَمَا یَتَضَرَّعُونَ ۝ حَتَّىٰۤ إِذَا فَتَحۡنَا عَلَیۡهِم بَابࣰا ذَا عَذَابࣲ شَدِیدٍ إِذَا هُمۡ فِیهِ مُبۡلِسُونَ

[المؤمنون: 76-77]

ثم ذكر قدرته كما في سورة الفرقان:

وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَیۡنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَیَّامࣲ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبࣲ ۝ فَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا یَقُولُونَ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ قَبۡلَ طُلُوعِ ٱلشَّمۡسِ وَقَبۡلَ ٱلۡغُرُوبِ ۝ وَمِنَ ٱلَّیۡلِ فَسَبِّحۡهُ وَأَدۡبَارَ ٱلسُّجُودِ

[ق: 38-40]

وإن بحثت، تجد أن كل سورةٍ ذكر الله فيها المتكئين قد ذكر قبلها أو بعدها مباشرةً تكذيب الكافر، ثم عرج الله بعدها على قدرته سبحانه على الخلق، وعلى الفقر والغنى [النوم الليلي قالباً للمكاسب، والعمل النهاري جالباً للرزق] هذا إذا لم تجد في السورة وصفاً للنّبي ﷺ أو المؤمن، بأنه قليل المال، يأكل ما يكفيه، متقللٌ من النعيم [عكس الكافر أو الغني تماماً]. ذكر الله في سورة الفرقان:

وَقَالَ ٱلَّذِینَ لَا یَرۡجُونَ لِقَاۤءَنَا لَوۡلَاۤ أُنزِلَ عَلَیۡنَا ٱلۡمَلَـٰۤىِٕكَةُ أَوۡ نَرَىٰ رَبَّنَا لَقَدِ ٱسۡتَكۡبَرُوا۟ فِيۤ أَنفُسِهِمۡ وَعَتَوۡا۟ عُتُوࣰّا كَبِیرࣰا ۝ یَوۡمَ یَرَوۡنَ ٱلۡمَلَـٰۤىِٕكَةَ لَا بُشۡرَىٰ یَوۡمَىِٕذࣲ لِّلۡمُجۡرِمِینَ وَیَقُولُونَ حِجۡرࣰا مَّحۡجُورࣰا ۝ وَقَدِمۡنَاۤ إِلَىٰ مَا عَمِلُوا۟ مِنۡ عَمَلࣲ فَجَعَلۡنَاهُ هَبَاۤءࣰ مَّنثُورࣰا ۝ أَصۡحَابُ ٱلۡجَنَّةِ یَوۡمَىِٕذٍ خَیۡرࣱ مُّسۡتَقَرࣰّا وَأَحۡسَنُ مَقِیلࣰا

[الفرقان: 21-24]

انظر ماذا بعدها:

وَیَوۡمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَاۤءُ بِٱلۡغَمَامِ وَنُزِّلَ ٱلۡمَلَـٰۤىِٕكَةُ تَنزِیلࣰا ۝ ٱلۡمُلۡكُ یَوۡمَىِٕذٍ ٱلۡحَقُّ لِلرَّحۡمَنِ وَكَانَ یَوۡمًا عَلَى ٱلۡكَافِرِینَ عَسِیرࣰا

[الفرقان: 25-26]

وذكر بعدها مباشرةً (ویوم یعض الظالم..) التي مرت معنا في الأعلى، أي ذكر بعدها مباشرةً تكذيبهم للنبي وإنكارهم القُرآن.

أما سورة المطففين، فهي حول الصفات التي ذكرنا:

وَیۡلࣱ لِّلۡمُطَفِّفِینَ ۝ ٱلَّذِینَ إِذَا ٱكۡتَالُوا۟ عَلَى ٱلنَّاسِ یَسۡتَوۡفُونَ ۝ وَإِذَا كَالُوهُمۡ أَو وَّزَنُوهُمۡ یُخۡسِرُونَ ۝ أَلَا یَظُنُّ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ أَنَّهُم مَّبۡعُوثُونَ ۝ لِیَوۡمٍ عَظِیمࣲ ۝ یَوۡمَ یَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلۡعَالَمِینَ ۝ كَلَّاۤ إِنَّ كِتَابَ ٱلۡفُجَّارِ لَفِي سِجِّینࣲ ۝ وَمَاۤ أَدۡرَاكَ مَا سِجِّینࣱ ۝ كِتَابࣱ مَّرۡقُومࣱ ۝ وَیۡلࣱ یَوۡمَىِٕذࣲ لِّلۡمُكَذِّبِینَ ۝ ٱلَّذِینَ یُكَذِّبُونَ بِیَوۡمِ ٱلدِّینِ ۝ وَمَا یُكَذِّبُ بِهِۦۤ إِلَّا كُلُّ مُعۡتَدٍ أَثِیمٍ ۝ إِذَا تُتۡلَىٰ عَلَیۡهِ ءَایَاتُنَا قَالَ أَسَاطِیرُ ٱلۡأَوَّلِینَ ۝ كَلَّا بَلۡۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا۟ یَكۡسِبُونَ ۝ كَلَّاۤ إِنَّهُمۡ عَن رَّبِّهِمۡ یَوۡمَىِٕذࣲ لَّمَحۡجُوبُونَ ۝ ثُمَّ إِنَّهُمۡ لَصَالُوا۟ ٱلۡجَحِیمِ ۝ ثُمَّ یُقَالُ هَذَا ٱلَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ ۝ كَلَّاۤ إِنَّ كِتَابَ ٱلۡأَبۡرَارِ لَفِي عِلِّیِّینَ ۝ وَمَاۤ أَدۡرَاكَ مَا عِلِّیُّونَ ۝ كِتَابࣱ مَّرۡقُومࣱ ۝ یَشۡهَدُهُ ٱلۡمُقَرَّبُونَ ۝ إِنَّ ٱلۡأَبۡرَارَ لَفِي نَعِیمٍ ۝ عَلَى ٱلۡأَرَاۤىِٕكِ یَنظُرُونَ ۝ تَعۡرِفُ فِي وُجُوهِهِمۡ نَضۡرَةَ ٱلنَّعِیمِ ۝ یُسۡقَوۡنَ مِن رَّحِیقࣲ مَّخۡتُومٍ ۝ خِتَامُهُ مِسۡكࣱ وَفِي ذَلِكَ فَلۡیَتَنَافَسِ ٱلۡمُتَنَافِسُونَ ۝ وَمِزَاجُهُ مِن تَسۡنِیمٍ ۝ عَیۡنࣰا یَشۡرَبُ بِهَا ٱلۡمُقَرَّبُونَ

[المطففين: 1-28]

أثبت لأصحاب الجنة بأنهم يجلسون على الأرائك، وليس للفجار! أما الفجار الأغنياء المتنعمون الذين اتكؤوا على أرائكهم في الدنيا:

إِنَّ ٱلَّذِینَ أَجۡرَمُوا۟ كَانُوا۟ مِنَ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ یَضۡحَكُونَ ۝ وَإِذَا مَرُّوا۟ بِهِمۡ یَتَغَامَزُونَ ۝ وَإِذَا ٱنقَلَبُوۤا۟ إِلَىٰۤ أَهۡلِهِمُ ٱنقَلَبُوا۟ فَكِهِینَ ۝ وَإِذَا رَأَوۡهُمۡ قَالُوۤا۟ إِنَّ هَؤُلَاۤءِ لَضَاۤلُّونَ ۝ وَمَاۤ أُرۡسِلُوا۟ عَلَیۡهِمۡ حَافِظِینَ ۝ فَٱلۡیَوۡمَ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ مِنَ ٱلۡكُفَّارِ یَضۡحَكُونَ ۝ عَلَى ٱلۡأَرَاۤىِٕكِ یَنظُرُونَ ۝ هَلۡ ثُوِّبَ ٱلۡكُفَّارُ مَا كَانُوا۟ یَفۡعَلُونَ

[المطففين: 29-36]

أما هم فعلى الأرائك يضحكون من المؤمنين! يستهزئون بهم لقلة مالهم!

❈ ❈ ❈

أنفق ينفق الله عليك

عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله: «قال الله: يا ابن آدم، أنفق أنفق عليك»
أخرجه الحميدي، وأحمد، والبخاري، ومسلم، وأبو يعلى
قال نبي الله ﷺ لأسماء بنت أبي بكر: «أنفقي، أو انضحي [النضح صب الماء]، ولا تحصي فيحصي الله عليك، ولا توعي فيوعي الله عليك»
أخرجه أحمد، والبخاري، ومسلم، والنسائي
وفي رواية أخرى قال لها: «..ولا توكي فيوكي الله عليك»
أخرجه أحمد، والبخاري، ومسلم، والنسائي

الوكاء شد الوعاء وغلقه بإحكام، وهذا تشبيه لمن بخل بماله ومنعه من الخروج. والوعاء هو ما يُحفظ فيه المال وغيره، هو ما نسميه نحن الخزنة أو الحصالة، التي نجمع فيها المال.

یُبَصَّرُونَهُمۡ یَوَدُّ ٱلۡمُجۡرِمُ لَوۡ یَفۡتَدِي مِنۡ عَذَابِ یَوۡمِئذِۭ بِبَنِیهِ ۝ وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِیهِ ۝ وَفَصِیلَتِهِ ٱلَّتِي تُـٔۡوِیهِ ۝ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِیعࣰا ثُمَّ یُنجِیهِ ۝ كَلَّاۤ إِنَّهَا لَظَىٰ ۝ نَزَّاعَةࣰ لِّلشَّوَىٰ ۝ تَدۡعُوا۟ مَنۡ أَدۡبَرَ وَتَوَلَّىٰ ۝ وَجَمَعَ فَأَوۡعَىٰۤ

[المعارج: 11-18]
❈ ❈ ❈

أعظم الصدقة.. حين تكون صحيحاً شحيحاً

عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، قال: «أتى رسول الله ﷺ رجل فقال: يا رسول الله أي الصدقة أعظم؟ فقال: أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم، قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، ألا وقد كان لفلان»
أخرجه أحمد، والبخاري، وفي الأدب المفرد ومسلم، وأبو داود، وابن ماجة، والنسائي، وابن خزيمة
❈ ❈ ❈

الدنيا متاع الغرور

الشيطان في الحقيقة يعِد الناس بالدنيا ويغريهم بها.

یَعِدُهُمۡ وَیُمَنِّیهِمۡ وَمَا یَعِدُهُمُ ٱلشَّیۡطَانُ إِلَّا غُرُورًا

[النساء: 120]

وَٱسۡتَفۡزِزۡ مَنِ ٱسۡتَطَعۡتَ مِنۡهُم بِصَوۡتِكَ وَأَجۡلِبۡ عَلَیۡهِم بِخَیۡلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡوَالِ وَٱلۡأَوۡلَادِ وَعِدۡهُمۡ وَمَا یَعِدُهُمُ ٱلشَّیۡطَانُ إِلَّا غُرُورًا

[الإسراء: 64]

یَـٰۤأَیُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقࣱّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلۡحَیَوٰةُ ٱلدُّنۡیَا وَلَا یَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلۡغَرُورُ ۝ إِنَّ ٱلشَّیۡطَانُ لَكُمۡ عَدُوࣱّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا یَدۡعُوا۟ حِزۡبَهُ لِیَكُونُوا۟ مِنۡ أَصۡحَابِ ٱلسَّعِیرِ

[فاطر: 5-6]

إن كان يدعو حزبه "الذين هم أولياؤه وأحبابه" للنار. فكيف سيفعل بأعدائه؟! بدأت الآية بـ: إِنَّ ٱلشَّیۡطَانَ لَكُمۡ عَدُوࣱّ.

إِنَّمَا ذَلِكُمُ ٱلشَّیۡطَانُ یُخَوِّفُ أَوۡلِیَاۤءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمۡ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِینَ

[آل عمران: 175]

قال بعدها بآيات:

إِنَّ ٱلَّذِینَ ٱشۡتَرَوُا۟ ٱلۡكُفۡرَ بِٱلۡإِیمَانِ لَن یَضُرُّوا۟ ٱللَّهَ شَیۡـࣰٔا وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِیمࣱ ۝ وَلَا یَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِینَ كَفَرُوۤا۟ أَنَّمَا نُمۡلِي لَهُمۡ خَیۡرࣱ لِّأَنفُسِهِمۡ إِنَّمَا نُمۡلِي لَهُمۡ لِیَزۡدَادُوۤا۟ إِثۡمࣰا وَلَهُمۡ عَذَابࣱ مُّهِینࣱ ۝ مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِیَذَرَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ عَلَىٰ مَاۤ أَنتُمۡ عَلَیۡهِ حَتَّىٰ یَمِیزَ ٱلۡخَبِیثَ مِنَ ٱلطَّیِّبِ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِیُطۡلِعَكُمۡ عَلَى ٱلۡغَیۡبِ وَلَكِنَّ ٱللَّهَ یَجۡتَبي مِن رُّسُلِهِ مَن یَشَاۤءُ فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤۡمِنُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَلَكُمۡ أَجۡرٌ عَظِیمࣱ ۝ وَلَا یَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِینَ یَبۡخَلُونَ بِمَاۤ ءَاتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِ هُوَ خَیۡرࣱ لَّهُم بَلۡ هُوَ شَرࣱّ لَّهُمۡ سَیُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا۟ بِهِ یَوۡمَ ٱلۡقِیَامَةِ وَلِلَّهِ مِیرَاثُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِیرࣱ

[آل عمران: 177-180]

الغني غارق في الدنيا، ترسخت وتسربت أرجله فيها فاغتر بها، أما الفقير لم يشغله المال ولا كثرة النعيم. لهذا يقول الله عن الدنيا أنها متاع الغرور.

كُلُّ نَفۡسࣲ ذَاۤئقَةُ ٱلۡمَوۡتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوۡنَ أُجُورَكُمۡ یَوۡمَ ٱلۡقِیَامَةِ فَمَن زُحۡزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدۡخِلَ ٱلۡجَنَّةَ فَقَدۡ فَازَ وَمَا ٱلۡحَیَوٰةُ ٱلدُّنۡیَاۤ إِلَّا مَتَاعُ ٱلۡغُرُورِ ۝ لَتُبۡلَوُنَّ فِي أَمۡوَالِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ وَلَتَسۡمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِینَ أُوتُوا۟ ٱلۡكِتَابَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَمِنَ ٱلَّذِینَ أَشۡرَكُوۤا۟ أَذࣰى كَثِیرࣰا وَإِن تَصۡبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ

[آل عمران: 185-186]
❈ ❈ ❈

ما معنى الغرور؟

المغــرور، ليس هو ما تعارف عليه الناس بأنه المختال أو الفخور، أو المعجب بنفسه. إنما تعني المضحوك عليه. المغرر به، كما نقول اليوم، المغفل الغشيم، الغبي الساذج. وهذه لا تحصل للإنسان حتى يعجبه ما هو مقدمٌ عليه [يغريه الأمر]. ويرى أنه الكاسب الرابح، وهو موهومٌ.

عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: «نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر»
أخرجه أحمد، والدارمي، ومسلم، وأصحاب السنن

وبيع الغرر هو البيع قبل أن يستوفى، كبيع الجزور وهو في بطن الناقة، وبيع السمك وهو في البحر. وبيع المحصول قبل أن يثمر. أو الطعام قبل أن يوزن ويكال.

قال ابن عباس: «أما الذي نهى عنه رسول الله ﷺ فهو الطعام، أن يباع حتى يستوفى» وربما قال سفيان: «حتى يكال»
أخرجه البخاري، ومسلم وغيرهم

الغالب في هذه البيوع رخص الثمن، فالبائع يقبض دون أن يعطي. والمشتري يفرح بالثمن الزهيد وهو ليس بضامن، فقد لا ينال ما اشتراه لفسادٍ فيه، أو لنقصٍ، أو لحادثة تمنع وصول السلعة، فهو قد دفع ولم يأخذ شيئاً، اشترى الوهم، اشترى الكلام والوعد. هذا مضحوكٌ عليه، مغررٌ به. هذا هو الغرر. أن تفرح بــ (لا شيء).

وهكذا هو المال. (لا شيء). والذي تعلق قلبه بالمال. قد أغرته الأموال فاغتر بها. فهو مغرور. فرح بــ (لا شيء).

❈ ❈ ❈

أحاديث ضعيفة.. لكن لها صلة بالموضوع

لا نحتج فيها بشيء، ولكن نذكرها كشواهد:

روي عن نبي الله ﷺ أنه قال: «من كانت الآخرة همّه، جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همّه، جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قُدّر له»
رواه الترمذي - 2465
«ما ملأ آدمي وعاءً شراً من بطن حسب الآدمي لقيمات يقمن صلبه..»
رواه ابن ماجة - 2720
روي عن النّبي ﷺ أنه قال: «اللهِم من آمن بك، وشهد اني رسولك؛ فحبب إليه لقاءك، وسهل عليه قضاءك، وأقلل له من الدنيا، ومن لم يؤمن بك، ولم يشهد إنّي رسولك؛ فلا تحبب إليه لقاءك، ولا تسهل عليه قضاءك، وأكثر له من الدنيا»
رواه ابن حبان 208
روي عن نبي الله ﷺ: «إذا أحب اللَّه عبدًا حماه الدنيا كما يظل أحدكم يحمي سقيمه الماء»
رواه الترمذي - 2036
وروي عنه أنه قال: «قد أفلح من أسلم، ورزق كفافًا، وقنعه الله بما آتاه»
وقال: «اللهُم! اجعل رزق آل محمد قوتًا، وفي رواية: كفافًا»
رواهما مسلم 1054 - 1055
وروي عن أنس أن النبي ﷺ: «كان لا يدخر شيئاً لغد»
تهذيب الآثار، مسند ابن عباس، 437
عن عبد الله بن بسر المازني، قال: قال النبي ﷺ لعمه العباس: «يا عم، قليل يضنيك، خير من كثير يطغيك»
441
قيل لأبي الدرداء: «ألا تبتغي لأضيافك كما يبتغي فلان لأضيافه؟ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن أمامكم عقبة كؤودا، لا يجوزها المثقلون، فأنا أريد أن أتخفف لتلك العقبة»
442، وأخرجه المنذري في الترغيب والترهيب 4805 والطبراني
روي عن نبي الله ﷺ: «اثنتان يكرههما ابن آدم: يكره الموت، والموت خير له من الفتنة، ويكره قلة المال، وقلة المال أقل للحساب»
ضعيف
❈ ❈ ❈

تدبر كلمة المال في القرآن

رحلة قرآنية عميقة في حقيقة المال والثراء

الجزء الرابع من أربعة أجزاء

تدبر كلمة المال في القرآن

تدبر كلمة المال في القرآن، قادني لأمر خطير، لم أتوقع أنه بهذه الخطورة، علمت منه أن أكثر سببٍ يُصنف أهل النار هو المال،. وأكثر سببٍ يُصنّف أهل الجنة،.. هو المال كذلك،. ولكن قبل الدخول في تفاصيل الجنة والنار، نتكلم عن أصل تسمية المال، وما معنى هذه الكلمة التي نتدارسها ونحوم حولها،.

❈ ❈ ❈

أصل تسمية المال

الذي سمى المال مالاً هو الله، وليس العرب، بل الذي سمى المال مالاً هو الله، وليس العرب، بل الله هو الذي علّم العرب وأنطقهم بهذا اللسان، وليس كما يتصوره بعض (اللغويين)، أن الله اطلع على الناس فوجدهم يتكلمون بهذا اللسان، فقرر أن يخاطبهم بلسانهم [وكأنه اضطر إليها، حاشاه ربنا]،. بل الله هو الأول، هو الرحمن الذي خلق الإنسان وعلمه البيان،. وكل كلمة تجدها في القرآن فهي من كلمات الله العربية الأصيلة،. وليست من تسميات العرب،. وأول هذه الكلمات أسماؤه الحسنى كالرحمن، التي لم يعرف العرب الأقحاح ما هو،.

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسۡجُدُوا۟ لِلرَّحۡمَٰنِ قَالُوا۟ وَمَا ٱلرَّحۡمَٰنُ؟..

[الفرقان: 60]

فلا تظن بأن العرب هم أصل اللسان، بل الله هو الذي علم العرب هذا اللسان،. وهذا القرآن يحمل كلماته،. وطالما ذكر الله في القرآن كلمة المال، فهي كلمة عربية ولها معنى وتحمل دلالة،. وهذا شأن كل كلمات القرآن،. والله لم يسمه [مالاً] عبثاً ولا جزافاً،. إنما سماه هكذا لحكمة جليلة،..

❈ ❈ ❈

كلمة (مَال) اسم وفعل

كلمة (مَال) اسمٌ،. وقد تكون فعلاً بحسب موقعها من الجملة،. فـهي إما (مَالْ) من النقود،. أو (مَالْ) من الميلان، يميل ميلاً وإمالةً،. فمثلاً في جملة (ورثَ سعيدٌ مَالَ أبيه)، مالَ هنا [اسمٌ] بمعنى النقد أو ما يملكه الانسان بشكل عام من ذهب وفضة وأنعام وعقار وغيره،. أما في (مَالَ الجدار)،. مالَ هنا [فعلٌ]،. من الميلان، فأصل كلمة مالَ من المَيْل، كذلك المالُ يرجع لنفس الجذر، من [مَالَ أو موَّل أو مَيّل]،. ولم أجد في العربية تصريفاً آخر لجذر مال،. ولا حتى كلمة ملل، فهذه جذرها ملَلَ،. وليس مالَ،. فهما كلمتان فقط، مال ومال،. يجمعهما أصل واحد مشترك،. فينبغي أن يكون لهما معنى [ضمني] مشترك،.

❈ ❈ ❈

ما علاقة المال بالميلان؟

المال فتنة عظيمة [كما سبق وتبين]،. وتعظم فتنتها في حب الأنفس لها وهي لا تشعر أنها فتنة وشر،. فالإنسان يحذر (ما يكره) ويعدّها فتنة، ويراها مصيبة فينفر منها،. ولكن لحبه الشديد للمال، لن ينظر إليها كفتنة وشر، فلن يحذرها ولن ينفر منها، وكيف ينفر مما يُحب ويشتهي؟،. بل سيسعى لها ويجتهد لتحصيلها ونيلها وإنمائها،. كما هو معلومٌ ومُشاهد،. وتعجب كثيراً حين ترى أن الفقهاء أنفسهم، جعلوا نماء المال وتكثيره والحفاظ عليه والسعي لأجله إحدى الضرورات الخمسة!!،. التي [بحد زعمهم] نصت عليها الشريعة!!،. وألفوا فيه [الضرورات الخمسة] الكتب والبحوث،. وصارت تدرس في الجامعات الشرعية والنظامية، حتى صارت إحدى أهداف الدارس للشريعة هو نيل شهادة الشريعة للوظيفة والتكسب والترزق بها (مرتزق)،. فالسعي عندهم لأجل المال أصبح ضرورة من ضرورات الدين، ولْاحَوْلَ ولاْ قُوّةَ إِلاّ بِاْللّٰه،.

تحذير

المال سُمّي بهذا الاسم لحكمة عظيمة جداً، سماها الله هكذا بعلم وخبرة،. ستعجب منها كل العجب وتكبّر ربك أيّما تكبير، حين تعرف معناها بحق،. وكيف أن هذا الاسم مطابقٌ موافقٌ مواطئٌ لمسماه بشكل عجيب،. حينها ستؤمن من أعماق قلبك أن كاتب هذا الكتاب ليس من البشر،. بل يستحيل أن يكتبه بشر بهذه الدقة والتناسق، بهذا النسيج المترابط، الذي يوافق أوله آخره، ويؤيد بعضه كله،. ستقول في نفسك،. فعلاً هذا كتاب الرب العظيم،. هذا كتاب العليم الخبير،. هذا هو الكتاب الذي يستحيل أن يأتي الإنس والجن بمثله،. ولا بعُشر معشاره،.

سمي المال بهذا الاسم لأنه السبب الأعظم في إمالتك عن الجادة، هو العامل الأكبر لصرفك عن الآخرة، وكأن الدنيا كلها اختزلت في هذا الشيء (المال)،. فالناس كلهم يميلون له،. وهو يميّلهم عن الحق،. جبلت أنفسهم على حب المال، وتوقير صاحب المال،. وكما قيل، رأيت الناس قد مالوا، إلى من عنده مالُ،. فالناس [تميل للمال]،. وأكثر الناس حباً وميلاناً للمال هن النساء،. والواقع يشهد بهذا وبقوة،.

❈ ❈ ❈

النساء والمال

المرأة تبدّي وتختار صاحب المال على الفقير، وتفضّله على الفقير، وإن كان الفقير ذا دينٍ وخُلق،. وكلما زاد مال الرجل، كلما انجذبت إِليه المرأة أكثر،. وقد تقبل البنت البكر بالزواج من رجل مسن ولكنه غني، طمعاً فيما يملك من مال ونعمة،. فالمرأة تفضل أن تعيش منعَّمة، حرةٌ مالياً مع رجل كبير، أكثر من شاب فقير فتُحرم التسوق وشراء الذهب والسيارات والسفر،. كذلك عند التعدد،. يستطيع الرجل أن يمتص غضب وغيرة زوجته الأولى ويراضيها بالمال الكثير الوفير،. ويأخذ منها الموافقة على الزواج من أخرى بسهولة،. حتى تداول بعضهن،. (أبكي في قصر، ولا أبكي في كوخ)،. فالمال يواسي المكلومة، ويبرء المجروحة، ويداوي الحزينة، ويؤنس الوحيدة،.

ملاحظة مهمة

[وهذا الكلام عن معظم النساء وأغلبهن، لسن كلهن هكذا]،. ولكن المرأة اشتهرت بحبها وميلانها الشديد للمال، وتعلقها به أكثر من تعلق الرجل بالمال،. ومن شاهد مقاطع [شوارع أمريكا] عرف ذلك،. وقد سموهن الغرب بــ Gold Digger،. أي الباحثة عن الذهب،. وقد تبيع المرأة نفسها من أجل المال، تتكسب بـجسدها،. وأكثر ما يفرح المرأة هو التسوق وشراء الأغراض والملابس وكل شيء ينفع أو لا ينفع،. هكذا هي المرأة،. تحب المال جداً،. [نعيد ونذكّر] بأن هذا الكلام عن معظم النساء والأغلبية الساحقة منهن، وليس الكلام فيهن كلهن على الإطلاق، فمعلومٌ أن منهن الصالحات العفيفات اللائي تعلق قلبهن بالآخرة، واحتقرن الدنيا وزينتها،،،. وقليلٌ ما هن،.

❈ ❈ ❈

كلمة "المال" في القرآن

العجب كل العجب،. لو نقبت عن كلمة المال في القرآن، ستجد أن الله ذكره في القرآن 86 مرة،. في سورٍ متعددة،. ولكن أكثر سورة في القرآن احتوت تصاريف كلمة "المال" هي سورة "النساء"،. بين سور القرآن كله، ذكرت كلمة المال بجميع تصاريفها 86 مرة،. البقرة مثلاً فيها 11 مرة، آل عمران 3 مرات، النساء 14 مرة، المائدة 0، الأنعام 1، الأعراف 0، الأنفال 3 مرات، التوبة 12، يونس 2، هود 2، يوسف 0، الرعد 0، إبراهيم 0، الحجر 0، النحل 0، الإسراء 3، الكهف 3،... الخ،.

وقد عرفنا شدة حب النساء للمال، وميلانهن لمن يملك المال، أكثر من الفقير قليل المال،. وحبهن للتباهي بالمال، وصرف المال ببذخ، وحبهن للشراء والتسوق وإن كان بلا داعي ولا ضرورة،. فالعلاقة قوية بين النساء والمال،. لأن النصيب الأكبر لكلمة المال كان لسورة النساء،. 14 مرة،. النساء والمال!،. أضف إلى ذلك أن هذه السورة حصراً من دون بقية السور، تكلمت عن المواريث والفرائض والتركة التي يتركها الميت لتُقسم على الأحياء،. [المال]،. وكثر الكلام فيها عن الصداق "المهور"، وفيها العدل والقسط في اليتامى، وفيها أموال اليتامى،. وغيرها من الكلام الذي يدور حول المال،. كله في هذه السورة،. [النساء]،.

❈ ❈ ❈

تشابه النساء والمال

لا يخفى على أحد التشابه بينهما [النساء والمال]، فكلاهما زينة الحياة الدينا، وكلاهما فتنة للرجل، تسلب دين المسلم،. وتلهيه عن ذكر ربه،. (المال والنساء) كلاهما يسلب قلب الرجل الحليم، وتذهب بلب الرجل الحازم،. (المال والنساء) يجعله مائلاً لها وإليها [للمال والنساء]،.

قالَ نَبِيّ اْللّٰه ﷺ: «ما تركت بعدي على أمتي فتنة، أضر على الرجال من النساء»
أخرجه أحمد، والبخاري، ومسلم، وغيرهم

فالنبي ﷺ قالها بكل صراحة، النساء فتنة،. مثلها مثل المال،.

زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَوٰةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ

[آل عمران: 14]

قالَ اْللّٰه عن هذا كله ((ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَوٰةِ الدُّنْيَا)) وعلى رأس القائمة (النساء)!،. ثم البنون والمال،. كلها فتنة،.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ۝ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ

[التغابن: 14-15]

في الأولى قال (أزواجكم وأولادكم)، في التي تليها استبدل الأزواج بــ الأموال! قال (أموالكم وأولادكم)! وذكر أنها فتنة!،.

وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَوٰةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ

[طه: 131]

انظر كيف يفتن اللّٰهُ الناسَ بالأزواج!! ويسميهن صراحةً من غير تأويل ولا تفسير؛ زهرة الحياة الدنيا!،. كما قال عن المال والبنون ﴿زينة الحياة الدنيا﴾،. فالنساء والمال سواء،. وكلاهما فتنة!،. فلا عجب أن يجعل الله أكثر تصاريف كلمة "المال" في سورة "النساء"،. لكثرة التشابة والتقارب الكبير بين المال والنساء،.

❈ ❈ ❈

النساء والميلان

الأعجب مما سبق،. هو أن لفظ (الميلان)، وهو التصريف الآخر المشتق من جذر (مالَ) قد ذكره الله في القرآن كله 6 مرات،. وكلهن في سورة النساء،. سُبْحَانَ اللّٰه،. انظر لهذا العجب،.

كلا التصريفين [المال والميلان] اجتمعا في سورة النساء،. ولا وجود للصدفة في كتاب الله،.

النساء والميلان؟! هذا يعيد بذاكرتك للحديث المنسوب للنّبي ﷺ،. ﴿نساءٌ مائلاتٌ مميلات!﴾،. وسنرجع إليه،. الستة تصاريف للفظة الميلان كانت كالتالي،.

وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً

[النساء: 27]

وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةً وَاحِدَةً

[النساء: 102]

وَلَن تَسْتَطِيعُوۤاْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ

[النساء: 129]

وسُبْحَانَ اللّٰه،.

لم يذكر الله لفظة الميلان في غير سورة النساء مطلقاً،. حتى حين مَالَ جدار الغلامين في سورة الكهف وكاد أن يسقط، لم يذكر الله في القصة كلمة الميلان،. إنما قال،.

فَوَجَدَا فِیهَا جِدَارࣰا یُرِیدُ أَن یَنقَضَّ فَأَقَامَهُ

[الكهف: 77]

وكأنه أراد تقييد كلمة الميلان لسورة النساء حصراً،. ليُعلم منه العلاقة بين النساء والمال، وكيف أنهن أشد ميلاً وميلاناً للمال،. وأن المال تشتد إمالته لدى النساء،.

لاحظ أن كلمات الميل الست السابقة،. قد حُصرت في ثلاث آيات فقط،. كل كلمتين في آية،. ((أن تَمِيلُواْ مَيْلاً))؛. ((فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةً))؛. ((فلا تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ))؛. فألفاظ الميلان كلها أتت مضاعفة double!،. حتى في الحديث، كان الميل فيه مضاعفاً،. ﴿مائلات مميلات﴾،. وكأن الميلان الذي يُحدثه المال في الناس مضاعفٌ وقوي، يجعلك تميل وتحيد عن الجادة،. فلا تستهن بقوة المال في إمالة الأنفس،. وقد سمعنا عمن باع شرفه ودينه وأرضه لأجل المال، وما أكثر من باع ذمته في سبيل المال،. فالمَيَلان الذي يصنعه المال عظيم،. وأكثر شيء يجعلك تميل بعد المال، هن النساء،. لماذا؟ لأنهن مائلات في أصلهن، فيهن عوج، قد خلقن من ضلعٍ مِعوَج،.

عن أبي حازم، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فإذا شهد أمراً فليتكلم بخير أو ليسكت، واستوصوا بالنساء ((فإن المرأة خُلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، إن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج)) استوصوا بالنساء خيراً»
أخرجه البخاري، ومسلم

لاحظ الترابط العجيب بينهم،. النساء فيهن اعوجاج، يملن للمال،. المال الذي اسمه اشتق من الميلان [العوج]،. وأكثر كلمات المال في النساء، وكل ألفاظ الميلان في النساء!،. عجيب سُبْحَانَ اللّٰه،.

النقطة التالية، هي خلاصة هذا التدبر الطويل،....

❈ ❈ ❈

المال: أكثر ما يُدخل الجنة وأكثر ما يُدخل النار

تكمن خطورة المال،. أنه أكثر الأسباب في تصنيف أكثر أهل الجنة، وأكثر أهل النار، فقد كان الرابط بينهم هو المال،.

كيف ذلك؟!،.

قال رسول الله ﷺ: «اطلعت في الجنة، فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار، فرأيت أكثر أهلها النساء»،.
وفي رواية: «اطلعت في النار، فإذا عامة أهلها النساء، واطلعت في الجنة، فإذا عامة أهلها المساكين»
أخرجه الطيالسي، وأحمد، وعبد بن حميد، ومسلم، والترمذي، والبزار، والنسائي، والطبراني

الرابط بين النساء والفقراء هو المال،. الفقير لا مال له،. والنساء يكنزن المال ويعشقن المال،. تميل قلوبهن للمال،. لهذا كان عامة أهل النار النساء، وحين قال النّبي ﷺ عنهن أنهن أكثر أهل النار،. ذكر السبب بكل وضوح، ربط ذلك بالمال مباشرةً في كلامه، كلامه كان في موضع الصدقة [المال]،.

عن عياض بن عبد الله، عن أبي سعيد الخدري، قال: «خرج رسول الله ﷺ في أضحى أو فطر إلى المصلى، فمر على النساء فقال: ((يا معشر النساء [[تصدقن]]، فإني أريتكن أكثر أهل النار))»،.
فقلن وبم يا رسول الله، قال: تكثرن اللعن، وتكفرن العشير...»
أخرجه البخاري، ومسلم، وابن خزيمة

فأكثر أهل النار النساء، لشدة ميولهن للمال نفسه،. وحبهن لاكتناز المال وجمعه والاحتفاظ به، فحين أخبر النّبي ﷺ بهذا الخبر، قال قبلها،. [يا معشر النساء تصدقن، فإني أريتكن أكثر أهل النار]،. فانظر كيف ربط بين تخزين وكنز المال وبين كثرتهن في النار فقال [تصدقن]،.

ولا تنس الحديث الذي قال فيه لأسماء بنت أبي بكر،. [لا تحصي، لا توعي، لا توكي]،. وكان الكلام لمرأة [أسماء]،. كان يحذرها المال أن تكنزه وتحصيه [أي تعده] وتوكيه [أي تغلق عليه] وتجمعه فتوعيه [من الوعاء كمثل الحصالة]،. قالَ اْللّٰه،.

كَلَّاۤ إِنَّهَا لَظَىٰ ۝ نَزَّاعَةࣰ لِّلشَّوَىٰ ۝ تَدۡعُوا۟ مَنۡ أَدۡبَرَ وَتَوَلَّىٰ ۝ وَجَمَعَ فَأَوۡعَىٰۤ

[المعارج: 15-18]

أوعى أي جعله في وعاء، بغرض الجمع والتكنيز،.

وقد بيّن النّبي ﷺ في حديثٍ آخر، سبباً آخر لكثرتهن في النار فقال،. [يكفرن العشير، يكفرن الاحسان]،. وهو كذلك أمر يتعلق بالمال،.

قالَ نَبِيّ اْللّٰه ﷺ: «...إني رأيت الجنة، أو أريت الجنة، فتناولت منها عنقودا، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ورأيت النار، فلم أر كاليوم منظرا قط، ورأيت أكثر أهلها النساء، قالوا: لم يا رسول الله؟ قال: بكفرهن، قيل: يكفرن بالله؟ قال: ((يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر، ثم رأت منك شيئاً، قالت: ما رأيت منك خيراً قط))»
أخرجه مالك، وأحمد، والدارمي، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن خزيمة، وابن حبان، والبيهقي

وهذه تدل كذلك على تعلقهن بالمال، فالذي أنكرته المرأة على الرجل كان ((الخير والمال الذي كان يعطيها وينفق عليها))،. كل ذلك المال، أنكرته بسبب خلاف حصل بينهم،. فسبب كونهن أكثر أهل النار [هو المال حصراً]،.

وهذا بشكل عام عن النساء،. ولا نزعم أنهن إطلاقاً هكذا، ولكنها النسبة الأكبر الأعم فيهن،. ولاشك أن هناك استثناءات للنساء اللائي يخشين الله وقد جعلن الآخرة نصب أعينهن،. وقليلٌ ما هن،.

نعود لما كنا فيه، الذي جعل النساء أكثر أهل النار هو المال،. بينما أكثر أهل الجنة هم الفقراء،. لماذا؟! ومن هو الفقير؟!،

الفقير هو الذي لا مال له،. ــــــــــــ

هنا ندرك خطورة المال،. وأنه أكبر عامل للتفرقة بين أهل الجنة وأهل النار،.

❈ ❈ ❈

الخلاصة

خلاصة التدبر

كل ما زاد مالك، مال قلبك للدنيا واطمئننت بها، وكرهت الموت، وكرهت لقاء الله، وزاد تكذيبك للحق،.
وكلما نقص مالك، اقتربت أكثر من التصديق والإيمان بربك وبالآخرة وبالحق كله، وأحببت لقاء الله،. فابق فقيراً قدر استطاعتك،.
وإن كنت ذا مال فاهلكه في الحق،. ولا تلق بنفسك إلى التهلكة [المال والدنيا]،.

❈ ❈ ❈

نصيحة أخيرة

تحذير ونصيحة

تحذر من دعاء الله ليزيدك من الدنيا،. فمن أستزاد من الدنيا، استنقص ذلك من آخرته، فأنت تُعطى الدينا على حساب الآخرة،.

مَن كَانَ یُرِیدُ ٱلۡحَیَوٰةَ ٱلدُّنۡیَا وَزِینَتَهَا نُوَفِّ إِلَیۡهِمۡ أَعۡمَالَهُمۡ فِیهَا وَهُمۡ فِیهَا لَا یُبۡخَسُونَ ۝ أُو۟لَئكَ ٱلَّذِینَ لَیۡسَ لَهُمۡ فِي ٱلۡآخِرَةِ إِلَّا ٱلنَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا۟ فِيهَا وَبَاطِلࣱ مَّا كَانُوا۟ یَعۡمَلُونَ

[هود: 15-16]

ٱللَّهُ لَطِیفُ بِعِبَادِهِ یَرۡزُقُ مَن یَشَاۤءُ وَهُوَ ٱلۡقَوِيُّ ٱلۡعَزِیزُ ۝ مَن كَانَ یُرِیدُ حَرۡثَ ٱلۡآخِرَةِ نَزِدۡ لَهُ فِي حَرۡثِهِ وَمَن كَانَ یُرِیدُ حَرۡثَ ٱلدُّنۡیَا نُؤۡتِهِ مِنۡهَا وَمَا لَهُ فِي ٱلۡـَٔاخِرَةِ مِن نَّصِیبٍ

[الشورى: 19-20]

مَّن كَانَ یُرِیدُ ٱلۡعَاجِلَةَ عَجَّلۡنَا لَهُ فِیهَا مَا نَشَاۤءُ لِمَن نُّرِیدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ یَصۡلاهَا مَذۡمُومࣰا مَّدۡحُورࣰا

[الإسراء: 18]

وَٱصۡبِرۡ نَفۡسَكَ مَعَ ٱلَّذِینَ یَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ یُرِیدُونَ وَجۡهَهُ وَلَا تَعۡدُ عَیۡنَاكَ عَنۡهُمۡ تُرِیدُ زِینَةَ ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا وَلَا تُطِعۡ مَنۡ أَغۡفَلۡنَا قَلۡبَهُ عَن ذِكۡرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمۡرُهُ فُرُطࣰا

[الكهف: 28]

وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا،..

ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ.