تفريغ صوتي — هذا النص مأخوذ من تسجيل صوتي بعنوان «الفرقان»، وليس مقالاً مكتوباً أصلاً.
تعريف الفرقان ومقدمة الدراسة
الفرقان هو أحد أعظم أسماء القرآن الكريم، بل هو أعظم أسماء القرآن على الإطلاق. وسبب عظمته أن الله تبارك وتعالى لم يُسمِّ سورة في القرآن كله باسم من أسماء القرآن إلا سورة الفرقان. فحتى سورة النور ليست مسماة على اسم القرآن، وإن كان النور من أسماء القرآن، ولكن سورة النور سُميت بهذا الاسم لقول الله تعالى فيها: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾، فجاءت تسميتها من هذه الآية وليس على اسم القرآن.
والفرقان يعني التفرقة والتمييز بين الدنيا والآخرة تحديداً، وليس مجرد التفرقة بين الحق والباطل بشكل عام كما قد يُظن. فالتفريق بين الحق والباطل في معظم الأمور سهل ومقدور عليه، لكن هذا الأمر الذي يحتاج إلى الفرقان أمر خاص وخطير، وأكثر الناس يقعون فيه ولا يستطيعون التمييز بينهما بسبب خطورته وأهميته.
﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾
الفرقان أعظم أسماء القرآن الكريم
أسماء القرآن الكريم المتعددة
للقرآن الكريم أسماء متعددة، منها: الفرقان، والنور، والبصائر، والروح، والأمر، والذكر. كلها أسماء عظيمة للقرآن الكريم. لكن الفرقان يتميز عن جميع هذه الأسماء بأن الله تبارك وتعالى خصه بالذكر في مواضع عديدة، وجعله وكأنه كتاب آخر منفصل عن القرآن، مع أنه هو نفسه القرآن.
ففي سورة آل عمران يقول الله تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ * مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ﴾. فهنا يتحدث الله عن القرآن فيسميه "الكتاب"، ثم يذكر التوراة والإنجيل، ثم يعود فيقول "وأنزل الفرقان" وكأنه يتحدث عن كتاب آخر، مع أن الفرقان هو نفسه القرآن.
خصوصية الفرقان في الذكر
هذا التخصيص بالذكر للفرقان وكأنه أمر منفصل يدل على عظم محل الفرقان ومكانته العالية. فالله يفرق بين اسم "القرآن" و "الفرقان" في الذكر لعظمة هذا الأمر الذي هو الفرقان، مع أنهما اسمان لكتاب واحد.
وكذلك أول ما ذُكر الفرقان في القرآن الكريم بالألف واللام "الفرقان" كان مع موسى عليه السلام، وهذا له دلالة عميقة على أن دعوة موسى عليه السلام لها علاقة مباشرة وقوية بالفرقان، وأن قوم موسى كانوا محتاجين للفرقان، ونحن كذلك، لأن كتابنا هو الفرقان.
لماذا سُمي القرآن بالفرقان
المعنى الحقيقي للفرقان
الفرقان ليس للتفرقة بين الحق والباطل بالعموم، كما قد يُفهم من كلام بعض المفسرين والشيوخ الذين يجعلونها بالعموم ويقولون "حق وباطل"، لكن الأمر أخص من ذلك وأدق. إنه للتفرقة بين أمرين ضروريين خطيرين يقع فيهما الناس ولا يفرقون بينهما، ومحتاجون أن يفرقوا بينهما.
والتفريق بين الحق والباطل في معظم الأمور سهل، يمكن أن تفوتك بعض الأمور، لكن هذا الأمر غالباً وأكثر الناس يقعون فيه من خطورته، لأجل هذا جعل الله الفرقان للتفرقة في هذا الأمر تحديداً، الذي هو بين الدنيا والآخرة.
الفرقان في سورة الأنفال
في سورة الأنفال، يوضح الله تعالى معنى الفرقان وكيف يحصل عليه المؤمن، فيقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾. فكيف يجعل الله لنا فرقاناً؟ لن تفهم هذا إلا إذا قرأت الآية في سياقها لتفهم عن أي شيء يتحدث الله في هذا الموضع.
إذا رجعت قبل هذه الآية بآية واحدة، ستجد أن الله قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. فالأموال والأولاد هما باختصار الدنيا، معدن الدنيا، كما عرفنا من قول الله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾.
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾
فتنة الأموال والأولاد
طبيعة هذه الفتنة العجيبة
والله تعالى قال: ﴿الْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾، فالمقابر طبعاً هي الفاصلة بين الدنيا والآخرة. أنت منشغل في الدنيا حتى إذا رأيت القبر وزرت القبر تتذكر مصيرك، تلك الساعة تتوقف، يعني انشغالك بالدنيا يتوقف. فبماذا كان الالتهاء في الدنيا؟ إنه التكاثر.
والتكاثر فسره الله في سورة الحديد بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾. فها هي الحياة الدنيا: تكاثر في الأموال والأولاد.
وفي سورة آل عمران التي في بدايتها ذكر الله ﴿وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ﴾، قال بعدها بآيات: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.
﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾
الخطورة الكامنة في حب الفتنة
فالدنيا إذا تعلق قلبك بها تلهيك عن الآخرة، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. تزيد أموالك، يزيد أولادك، تتقوى بهم، تتعزز بهم، قلبك يتعلق بهم، تنشغل وتلتهي عن الآخرة، تبتعد عن الآخرة.
وهنا الخطورة الكبرى من هذا أنك أنت تحب هذه الأشياء وتحبها، وهي فتنة! لاحظ أن الأصل أنك تنأى وتبتعد عن الفتنة، لكن هذه زرع الله فيك حبها: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾.
فلو جئت إليك وقلت لك: في فتنة هناك، من غير ما أشرح لك قوتها، بل في فتنة هناك، هل ستجازف وتذهب إليها؟ لن تذهب إليها، ستبتعد عنها لأنها فتنة، حتى لا تُصاب بها، حتى لا تلمسك، حتى لا تلوثك، ستبتعد عنها لأنها فتنة. كلمة فتنة أصلاً مخيفة.
أما هذه الفتنة، فأنت تسعى لها! غريب! هذه الفتنة - فتنة المال - تسعى لها، تحبها، تدعو الله أن يعطيك من هذه الفتنة. من منا لا يدعو الله أن يرزقه ويوسع عليه؟ انظر كيف نحن نحب هذه الشيء وهو فتنة، فما هو هذا التعارض الذي بين ما في نفسك الذي زرعه الله فيك، وبين حقيقة هذا الأمر؟ هنا يكمن الاختبار، هنا يكمن الابتلاء.
الابتلاء بالخير والشر
قال الله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾. هذا واضح، صحيح، لما يكون شر بلا، ستُبتلى، ستُبتلى بالشر، فالشر واضح، يبتليك بالشر، يرى ماذا ستفعل، أتصبر أم تجزع؟ لكن بالخير، كيف الله يبتليك بالخير؟
الأموال خير، كل ما تملكه من أي شيء كان خير، حتى إن الله يسميه خيراً: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾، والخير هنا هو المال. وقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾. فماذا سمى الأموال التي عندك التي ستورثها للورثة وتُقسم بينهم وتوصي فيها؟ سماها خيراً ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا﴾.
فأنت، كل ما تملك من أموال نقدية، من ذهب، من أراضٍ، من عقارات، من أنعام، من خيل، من سيارات، هذه كلها خير، الله يسميها خير. طيب، يبتليك بهذا الخير. لا تفكر أن هذا نعمة عليك، لا، هذه بلوى عليك: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾. أي إذا أعطاك الخير سيفتنك فيه، يرى ماذا ستفعل.
إعلان حقيقة الفتنة
قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾. اعلم أنت أن هذه الفتنة أنت تحبها، وهذا من أعجب الأعاجيب، أنك أنت تحب فتنة. أنت بلا شك تؤمن بكلام ربك، خلاص، قال لك إياها واضحة، وقال لك إياها مرتين في القرآن، أن الأموال والأولاد فتنة، وفوق هذا أنت تحبها. هذا من أصعب الأمور على الإنسان: أنها فتنة، وحبك لها مزروع فيك، حتى إن الله يشهد بهذا فيقول: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾. ليس حباً عادياً، حباً جماً. وقال: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ﴾. على حبه، تحب المال.
هذا الله يشهد لنا أن نحن نحب المال، كلنا، ما أحد يتصنع المثالية ويقول لا. طيب، المال فتنة، يعني أنت تحب الفتنة؟ هذه الفتنة أنت تحبها، وكلنا نحبها، وكلنا نسعى إليها، حتى الشيوخ يحبونها ويعظمونها، وجعلوها من الضرورات الخمس، يقولون لك: مقاصد الشريعة من الضرورات الخمس: حفظ النفس، حفظ الدين، حفظ المال! تخيل حفظ المال!
معنى «يوعون» — أوعى
اللسان العربي لمعنى كلمة "يوعون"
﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾. يوعون يعني يجمعون من المال، من الوعاء الذي نسميه حصالة، هذا التجويري، الخزنة. ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾ وجمع فأوعى، فأوعى يعني حطها، جمعها، حط فلوسه في حصالة، جمع أمواله.
﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ * الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾. هذا المال الذي يجمعه ويحصره، وقال تعالى: ﴿وَتَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾. لا تفكر أن الأمر هين، ستُحاسب عليه ديناراً ديناراً، درهماً درهماً، ريالاً ريالاً.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اطلعت على أهل الجنة فرأيت عامة أهلها الفقراء، وأهل الجِدِّ" - يعني أصحاب الأموال - "محبوسون". لماذا محبوسون؟ يُحاسبون، وراءهم حساب طويل على الأموال التي كانت عندهم.
﴿وَتَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ﴾ يعني خائفين ﴿مِمَّا كَسَبُوا﴾ من الذي حصلوه في الدنيا ﴿وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾. هذا كله وبال عليك.
الفرقان في فتنة الأموال والأولاد
التقوى طريق الحصول على الفرقان
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾. انظر، أنت لما تتقي، تتقي يعني تبتعد، يعني تخاف، يعني تفارق، عرفت أن هناك خطورة في هذا الطريق فتتقيه، هذا الطريق تتقي الشوك فتبتعد عنه، تفارق هذا المكان، يجعل لك فرقاناً من المفارقة. كذلك الجزاء من جنس العمل: لما تتقي يعني تبتعد، الله يجعل لك فرقاناً يجعلك تبتعد عن هذه الفتنة.
وما الفتنة كانت؟ انظر قبلها: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾. في نفس السورة قبلها بآيات، الله يقول - وركز عليها -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾.
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾
القلب ومحورية دوره
لماذا القلب؟ لأنك لا تقدر أن تختار الدنيا والآخرة في نفس اللحظة، لا يصح. قلبك هذا الذي يميل إما للدنيا أو للآخرة، تطمئن للآخرة أم تطمئن للدنيا؟ قلبك هذا الذي يشتهي ويحب المال ويحب الدنيا ويتعلق فيها، أو يحذر منها ويخافها ويتعلق في الآخرة.
قلبك هذا ليس بيدك، بيد ربك. في نفس السورة التي قال فيها ﴿إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾، قال ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾، لأن هذا المسؤول عن كل هذه الأشياء: عن الفرقان، عن حبك للدنيا أو حبك للآخرة، أين قلبك يطمئن؟ لأي شيء؟
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾. هذه الفتنة هي نفسها التي ذكرها في السورة في نفس السورة لما قال ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾. هذه سورة الأنفال.
الفتنة تصيب الجميع وليس الظالمين فقط
قال في سورة الأنفال ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾. اسمع وركز، لأن أغلب الناس فاهمون خطأ والله يصوب لهم: أن أغلب الناس واضعون في أذهانهم أشياء خاطئة والله يصوب لهم في هذه الآية، يقول لهم ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً﴾ اسمع ﴿لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾.
ما قال ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً تُصِيبُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾، لا! قال ﴿لَّا تُصِيبَنَّ﴾. لماذا؟ لماذا قال ﴿لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾؟ لأن الذين يظلمون الناس، ماذا تفكر؟ تفكر أن الفتنة تأتي للذين ظلموا، هذا ظالم، هذا عاصٍ، هذا مجرم، هذا الذي فعل كذا، يستحق العقاب، يستحق الفتنة.
فالله يقول لك: لا، لا، أنا لا أعاقب فقط الذين ظلموا، هذه ليست حتى عقاباً، هذه فتنة تصيب الجميع. إذا كنت واضعاً في ذهنك أنها تصيب الذين ظلموا منكم فقط خاصة، لا، أنت مخطئ. الله يقول لك ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾. تصيب الكل، يُفتن الكل فيها: الذين ظلموا والذين لم يظلموا.
نفاها لأنك أنت واضع في ذهنك أنها تصيب الذين ظلموا، فالله قال لك ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾. اشطب من ذهنك أن هذه الفتنة فقط للذين ظلموا. لا يا حبيبي، أنت هذه حقها الكل، يعني حتى وأنت مؤمن لم تظلم، وأنت متقي لم تظلم، وأنت صالح من المقربين، هذه الفتنة ستأتيك.
أم مفكر نفسك بخير؟ طالما قلت آمنت خلاص ارتحت؟ ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾.
سورة الأنفال وعلاقتها بالقلب
هذا قاله في سورة الأنفال. ما اسم السورة؟ الأنفال. ما هي الأنفال؟ دنيا، أموال، الغنائم التي تحصلها من وراء الحرب، يعني عز، أموال، خير. في هذه السورة يقول لك ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾، في السورة ذكر الفرقان، في السورة قال ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾. هذه السورة سورة الأنفال.
سورة الأنفال أكبر سورة عُوِّدت كلمة القلب. كلمة القلب في القرآن ذُكرت في كثير من السور، أكثر سورة ذُكر فيها كلمة القلب سورة الأنفال، أن القلب هو الذي يميل للمال أو يميل للدنيا. تسع مرات الله ذكر فيها كلمة القلب، ومرة ذكرها باسم "ذات الصدور".
لماذا؟ أموال! الأموال هي السورة التي ذكر فيها ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾. لماذا ذكر قلبك؟ لأن قلبك الذي يميل إلى الأموال، هذا حبك، هذا للأموال من وراء قلبك، قلبك هو المسؤول عن هذا الأمر.
الفرقان مع قوم موسى عليه السلام
أول ذكر للفرقان في القرآن
أول ذكر للفرقان في القرآن كانت مع موسى عليه السلام. لماذا؟ ما معنى موسى من بين الأنبياء؟ يعني ما ذُكرت مع إبراهيم، ما ذُكرت مع نوح، ذُكرت مع موسى. ما مشكلة قوم موسى حتى يحتاجون أن يكون لهم فرقان؟
أليس الفرقان له علاقة بالدنيا؟ تعال خلنا نقرأ هذه الآية التي قال الله فيها ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، نقرأها في سياقها، سنرى في السياق شيء له علاقة بالدنيا، لأن هذا الذي تبين لنا أصلاً من سياق الأنفال لما قرأنا الفرقان في الأنفال، عرفنا أن الكلام عن الدنيا.
طيب خلنا نرى في هذا الموضع في البقرة لما كان الكلام لموسى. قال الله قبلها بآيتين: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ * ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.
لما قال الفرقان، ذكر قبلها العجل وذكر بعدها العجل. جاءت في النص، هذه الفرقان جاءت في النص. ما هو العجل؟ واضح أن محور الكلام عن العجل قبلها بآيتين يتحدث عن العجل، بعدها مباشرة تحدث عن العجل.
﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾
رمزية العجل وعلاقتها بالفرقان
مادة صنع العجل والدلالة الرمزية
ما هو العجل؟ اسمع من أي شيء مصنوع العجل حتى أنت تحكم عليه، ما هو العجل؟ ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ﴾. من ماذا؟ من الحُلي. الحُلي معروف ما هو: الذهب والفضة وهذه الأشياء التي يلبسنها النساء، حُلي. من الحُلي صنعوا العجل.
في آية أخرى قال: ﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَٰكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَٰلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ * فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ﴾. فالعجل كان من زينة القوم. كلمة "زينة" بماذا تذكركم؟ ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.
﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾، ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾. تسمع كلمة الزينة تعرف أن الموضوع عن الدنيا، والعجل من الحُلي والزينة.
العجيب في اسم "العجل"
العجيب! العجيب! اسمه، "عجل"! لعلمك، قلت لك كلمة الزينة متعلقة مباشرة بالدنيا. اعلموا، والله قال ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ﴾. هي الدنيا زينة.
كلمة زينة أصلاً من معانيها، أو من الأشياء التي تفعلها الزينة: التي تخفي الأصل، تستر على الأصل، الزينة لا توريك حقيقة الشيء، تزين لك إياه، يعني تجعل المرأة لما تضع المكياج أنت لا ترى وجهها الحقيقي، يمكن لو ترى وجهها الحقيقي تشرد منها، لكن تحبها لأنها مزينة الآن، واضعة مكياج. كل شيء لما يُزين يطلع باهر، حلو، يطلع مزخرف، يطلع يُغري، لكن هذا ليس الأصل، والزينة التي على الأصل قد يكون الأصل شيء سيء يسوءك إذا نظرت إليه أصلاً، لكن بسبب الزينة أنت تعلقت به.
الدنيا كذلك: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ﴾. ما هو غرور؟ ما قال الله كم مرة عنها أنها غرور؟ ﴿مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾. تُغريك فيها، تجعلك ترى ماذا ستفعل. هذه ﴿حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ﴾.
العجل اسمه "عجل"، اسمه شبيه باسم الدنيا. من أسماء الدنيا "العاجلة"، والله قال عن الدنيا: ﴿بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ﴾. عجل، عاجلة، أسماء متقاربة. ما سُمي هذا الشيء بالعجل إلا لحكمة، ولم يجعل الله بني إسرائيل أنهم يتخذوا مثلاً بقرة، أو ثور، أو بعير، أو جمل، أو ناقة، كل هذه كانت متوفرة، بقرة بالذات كانت متوفرة عند بني إسرائيل ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾.
طيب، هم لماذا لما اتخذوا، لماذا ما اتخذوا بقرة؟ ما معنى عجل؟ طبعاً الذي خلق هذه الحيثيات الله، ليس يعني من غير إذن الله ومن غير مشيئة الله، لا، بإذن الله حصل هذا كله، الله أرادها أن تكون عجلاً، وهو الذي سماها في الأصل عجل، وسمى الدنيا العاجلة، حتى يوصل لك هذه الصورة ويُعرفك أن قلبك سيتعلق فيها مثل ما تعلق فيها بني إسرائيل من قبل.
﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾. في قلوبهم! ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾. انظر محل القلب! ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾.
بنو إسرائيل والعجل - حقيقة ما حدث
العجيب أن الله تعالى لم يقل في القرآن كله إن بني إسرائيل عبدوا العجل، رغم أن الكثيرين يظنون ذلك. لم يقل الله تعالى: "عبدوا العجل" ولا في آية واحدة. بل قال: ﴿اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾. اتخذوه، أخذوه، جعلوه لهم، اختاروه، فضلوه. هذه كلمة تدل على الاختيار والتفضيل.
فلما تقول "اتخذ"، معناها اختار هذا الشيء وفضله على غيره. مثل قول الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾، لا يعني أنهم عبدوهم بالسجود لهم، بل اتخذوهم، يعني اختاروهم وفضلوهم في الحكم والطاعة. وكذلك ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾، يعني اختاره وفضله.
فبنو إسرائيل اتخذوا العجل، يعني اختاروا الدنيا. فضلوا الدنيا على الآخرة، اختاروا العاجلة وتركوا الآخرة. وهذا هو معنى أنهم اتخذوا العجل. فالعجل رمز للدنيا، رمز للعاجلة، رمز للزينة والحلي والمال الذي تعلقت به قلوبهم: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾.
لاحظ أن الله قال ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾، أي أن اتخاذ العجل وحب الدنيا والتعلق بها هو نوع من الكفر. فمن اختار الدنيا على الآخرة، فقد اختار الكفر على الإيمان. ومن فضل العاجلة على الآخرة، فقد كفر بالآخرة عملياً، وإن قال بلسانه إنه مؤمن.
مقارنة بين دنيا بني إسرائيل ودنيانا
والأعجب من هذا كله أن دنيا بني إسرائيل التي اتخذوها وتعلقوا بها لم تكن شيئاً مذكوراً مقارنة بدنيانا اليوم! كانت مجرد حلي وزينة بسيطة، عجل واحد من ذهب، في صحراء، لا قصور ولا سيارات ولا طائرات ولا تجارة عالمية ولا بنوك ولا أسهم.
فإذا كان بنو إسرائيل قد فُتنوا بذلك العجل البسيط في زمانهم، فكيف بنا نحن اليوم مع هذه الدنيا الضخمة؟ عجلنا نحن أكبر وأعظم وأضخم بآلاف المرات! دنيانا اليوم هي العجل السمين! عجل ضخم سمين مليء بالشهوات والملذات والأموال والعقارات والسيارات والسفر والسياحة والترفيه.
فإن كان بنو إسرائيل قد استحقوا العقاب والتوبيخ بسبب عجلهم الصغير، فكيف بنا نحن مع عجلنا الكبير؟ إن لم نتخذ الفرقان من الله تعالى، فسنغرق في هذا العجل السمين كما غرق بنو إسرائيل في عجلهم، بل أشد.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. فكما احتاج بنو إسرائيل للفرقان ليفرقوا بين الدنيا والآخرة، نحتاج نحن اليوم للفرقان أكثر منهم بكثير.
معنى «أُملي» — الاستدراج الإلهي
الإملاء في القرآن الكريم
قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ۚ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾. كلمة "نُملي" من الإملاء، والإملاء يعني الإمهال والتأخير، أن تترك الشخص يفعل ما يشاء وتعطيه مزيداً من الوقت.
فالله سبحانه وتعالى يُملي للكافرين، يعطيهم من الدنيا، يوسع عليهم، يرزقهم، يغنيهم، يعززهم، يرفع شأنهم، ويؤخر عقابهم. فيظنون أن هذا خير لهم، وأن الله راضٍ عنهم، وأن دنياهم دليل على صحة طريقهم. ولكن الحقيقة عكس ذلك تماماً: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾.
فكلما زادت دنياهم، زاد إثمهم، لأنهم تعلقوا بها أكثر، وابتعدوا عن الآخرة أكثر، وزاد كفرهم بالله أكثر. فهذه الدنيا التي أُعطوها ليست نعمة في حقهم، بل هي استدراج واستدراج.
الاستدراج من حيث لا يعلمون
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾. هذا هو الاستدراج: أن يعطيهم الله من الدنيا شيئاً فشيئاً، يفتح عليهم أبواب الرزق، يزيد أموالهم، يكثر أولادهم، يرفع مكانتهم، حتى يظنوا أنهم على حق، وحتى تطمئن نفوسهم للدنيا وتتعلق بها قلوبهم.
﴿مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾، لا يعلمون أن هذا استدراج، يظنونه نعمة، يظنونه فضلاً، يظنونه توفيقاً، يظنونه دليلاً على رضا الله عنهم. ولكنه في الحقيقة استدراج لهم إلى الهاوية. ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾.
والمؤمن كذلك قد يُستدرج بالدنيا. فإن أُعطي من الدنيا وتعلق قلبه بها ونسي الآخرة، فقد وقع في نفس الفخ الذي وقع فيه الكفار. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب، فإنما هو استدراج"، ثم تلا: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ﴾.
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ﴾
الفرقان الحقيقي في موضوع الإملاء
فالفرقان هنا أن تعرف أن كثرة الدنيا ليست بالضرورة نعمة، قد تكون استدراجاً. وأن قلة الدنيا ليست بالضرورة عقوبة، قد تكون حماية ورحمة. فلا تفرح بكثرة الدنيا فرحاً يُنسيك الآخرة، ولا تحزن على قلة الدنيا حزناً يُبعدك عن الله.
هذا هو الفرقان: أن تفرق بين ما يبدو خيراً وهو شر، وما يبدو شراً وهو خير. أن تعرف حقيقة الدنيا وحقيقة الآخرة، وأن لا يغرك متاع الدنيا مهما كثر، ولا يحزنك فقدها مهما قل.
الفرقان ورمضان والصيام
العلاقة بين رمضان والفرقان
قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾. لاحظ أن الله ذكر الفرقان في آية رمضان. وهذا ليس عبثاً، بل لحكمة عظيمة. فرمضان شهر الفرقان، شهر التفريق بين الدنيا والآخرة.
فالصيام هو التطبيق العملي للفرقان. كيف؟ لأن الصيام يُجبرك على ترك شهواتك وملذاتك من طعام وشراب ونكاح، وهذه كلها من الدنيا، من الشهوات المباحة، ومع ذلك تتركها طاعة لله ورغبة في الآخرة. فأنت في الصيام تختار الآخرة على الدنيا اختياراً واضحاً وصريحاً ومستمراً طوال النهار.
الصيام يُعلمك أن تترك المباح من أجل الأجر، فكيف بالمحرم؟ يُعلمك أن تتحكم في شهواتك، وأن لا تكون عبداً لبطنك وفرجك. يُعلمك أن تختار الآخرة حتى لو كلفك ذلك ترك شيء تحبه وتشتهيه. هذا هو الفرقان في الصيام.
يوم الفرقان والصيام
ولهذا سمى الله يوم بدر "يوم الفرقان": ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾. ويوم بدر كان في السابع عشر من رمضان، في شهر الصيام. فاجتمع الصيام مع الفرقان في نفس الوقت.
والصحابة رضي الله عنهم كانوا صائمين يوم بدر، ومع ذلك قاتلوا واختاروا الله ورسوله والآخرة على حياتهم وراحتهم ودنياهم. تركوا الطعام والشراب طاعة لله، وتركوا الأمن والسلامة والراحة جهاداً في سبيل الله. هذا هو الفرقان الحقيقي.
فرمضان شهر تدريب على الفرقان. شهر تتعلم فيه كيف تختار الآخرة على الدنيا، كيف تترك ما تحب من أجل ما يحبه الله، كيف تُخضع نفسك وشهواتك لطاعة الله. ومن نجح في هذا التدريب في رمضان، سهل عليه أن يطبقه بقية العام.
الصيام والقلب
والصيام له علاقة مباشرة بالقلب. فالصائم يترك شهواته لله، والله يعلم ذلك، ولهذا قال الله في الحديث القدسي: "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به". لماذا؟ لأن الصيام لا يراه إلا الله، هو بينك وبين الله، في قلبك.
فإذا صمت، فأنت تُصلح قلبك، تُطهر قلبك من حب الدنيا وشهواتها، تُعلق قلبك بالآخرة. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الصيام جُنة"، أي وقاية. وقاية لماذا؟ وقاية للقلب من التعلق بالدنيا، وقاية من الفتنة، وقاية من العجل.
﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾. فرمضان شهر القرآن، وشهر الفرقان، وشهر إصلاح القلب.
الفرقان في سورة آل عمران — فتنة الاتباع
السياق في سورة آل عمران
في سورة آل عمران، ذكر الله الفرقان في سياق مهم جداً. قال تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ * مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ﴾.
ثم بعد آيات قليلة، قال الله: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾. لاحظ أن الله قال "أطيعوا الله والرسول"، ولم يقل "أطيعوا الله وأطيعوا الرسول" كما قال في آيات أخرى. لماذا؟
لأن طاعة الرسول هي من طاعة الله، ليست طاعة مستقلة. فلا تقل "أنا أطيع الله فقط"، لا، يجب أن تطيع الرسول صلى الله عليه وسلم، لأن طاعته من طاعة الله. ومن فرَّق بين طاعة الله وطاعة الرسول، فقد كفر: ﴿فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾.
فتنة الاتباع والتقليد
بعد هذه الآية مباشرة، قال الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. لماذا ذكر الله هذا بعد آية الطاعة؟
لأن كثيراً من الناس يتبعون آباءهم وأجدادهم وشيوخهم ومشايخهم تقليداً أعمى، دون أن ينظروا هل هؤلاء على الحق أم لا. يقولون: "آباؤنا كانوا على هذا"، "شيخنا قال كذا"، "مذهبنا كذا". ويتعصبون لهم ويدافعون عنهم وإن خالفوا كتاب الله وسنة رسوله.
فالله يقول لك: انظر، هؤلاء الأنبياء والمصطفون، آل إبراهيم وآل عمران، هؤلاء اصطفاهم الله، هؤلاء تَتبع. لا تتبع كل من ادعى العلم أو الصلاح، لا تتبع كل من لبس عمامة أو أطال لحية. اتبع من اتبع الرسول صلى الله عليه وسلم، واتبع الكتاب والسنة.
الفرقان بين اتباع الحق واتباع الناس
هذه فتنة عظيمة: فتنة الاتباع. كثير من الناس يتبعون الناس أكثر مما يتبعون الله ورسوله. يتبعون المشايخ والدعاة والشخصيات المشهورة، ويجعلونهم فوق النقد والمراجعة، وإن خالفوا نصوص الكتاب والسنة دافعوا عنهم وتأولوا لهم.
الفرقان هنا أن تفرق بين اتباع الحق واتباع الأشخاص. أن تتبع الحق ولو خالفك فيه أحب الناس إليك، وأن تترك الباطل ولو كان عليه من تحب. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ﴾.
فالفرقان أن تُقدم الله ورسوله على كل أحد، وأن تجعل الكتاب والسنة هما الحَكَم، لا أقوال الرجال ولا آراء المشايخ. ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.
رد الأمر إلى الله — حديث أول من يُقضى فيهم
حديث أول ثلاثة تُسعر بهم النار
روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن أول الناس يُقضى عليه يوم القيامة رجل استُشهد، فأُتي به فعرَّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استُشهدت، قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يُقال جريء، وقد قيل، ثم أُمر به فسُحب على وجهه حتى أُلقي في النار".
"ورجل تعلم العلم وعلَّمه وقرأ القرآن، فأُتي به فعرَّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلَّمته وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليُقال عالم، وقرأت القرآن ليُقال هو قارئ، وقد قيل، ثم أُمر به فسُحب على وجهه حتى أُلقي في النار".
"ورجل وسَّع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله، فأُتي به فعرَّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن يُنفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكنك فعلت ليُقال هو جواد، وقد قيل، ثم أُمر به فسُحب على وجهه ثم أُلقي في النار".
الدروس المستفادة من الحديث
هذا الحديث مرعب! أول من تُسعر بهم النار ليسوا الكفار والمجرمين، بل مسلمون! مجاهد وعالم ومتصدق! ثلاثة أعمال عظيمة: الجهاد والعلم والصدقة. لكنهم في النار! لماذا؟
لأنهم عملوها للدنيا لا للآخرة. عملوها ليُقال عنهم: جريء، عالم، جواد. عملوها لسمعة الدنيا، لثناء الناس، لمدح الخلق، لمكانة في القلوب. عملوها ليُذكروا ويُشهروا ويُعظموا في الدنيا. فكان جزاؤهم أن ذُكروا في الدنيا كما أرادوا، وأُلقوا في النار في الآخرة!
هذا هو الفرقان: أن تفرق بين العمل لله والعمل للدنيا. أن تفرق بين من يريد الآخرة بعمله ومن يريد الدنيا. ظاهر العمل واحد، لكن النية مختلفة، والقلب مختلف، والنتيجة في الآخرة مختلفة تماماً.
الفرقان في النيات والقلوب
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى". فالعمل الواحد قد يكون لله فيُدخل صاحبه الجنة، وقد يكون لغير الله فيُدخل صاحبه النار. المعيار ليس ظاهر العمل، بل قصد القلب ونية الفاعل.
ولهذا قال الله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾. قلبك ليس ملكك، قلبك بيد الله. إن أصلحت ما بينك وبين الله، أصلح الله قلبك. وإن فسد ما بينك وبين الله، فسد قلبك حتى لو كان عملك صالحاً في الظاهر.
الفرقان أن تراقب قلبك دائماً: هل تعمل هذا العمل لله أم للناس؟ هل تريد به الآخرة أم الدنيا؟ هل تطلب ثواب الله أم ثناء الخلق؟ هذا هو الفرقان الحقيقي، وهذا هو الامتحان الصعب الذي يفشل فيه أكثر الناس.
غزوة أُحد والفرقان
لماذا هُزم المسلمون في أُحد؟
في غزوة أُحد، كان المسلمون منتصرين في بداية المعركة، ثم انقلب الأمر عليهم فهُزموا وقُتل منهم سبعون صحابياً. لماذا؟ الله تعالى بيَّن السبب في سورة آل عمران، فقال: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ ۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾.
هذه هي المشكلة: ﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾. اختلفت النيات، اختلفت القلوب، اختلفت الإرادات. بعضهم كان يريد الغنائم والدنيا، وبعضهم كان يريد وجه الله والشهادة والآخرة. فلما اختلطت النيات، حصلت الهزيمة.
الرماة الذين أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يبقوا على الجبل، نزلوا طمعاً في الغنائم. رأوا المسلمين يجمعون الغنائم فخافوا أن يفوتهم نصيبهم، فنزلوا وخالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكانت النتيجة أن انقلبت المعركة عليهم.
﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۚ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾
الفرقان في الجماعة
هذا درس عظيم: حتى في جماعة المؤمنين، في جيش المسلمين، في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، كان هناك من يريد الدنيا ومن يريد الآخرة. ووجود من يريد الدنيا في الصف كان سبباً في الهزيمة!
فليس المهم أن تكون في الصف الإسلامي، أو أن تنتمي للجماعة المسلمة، أو أن تكون مع المجاهدين. المهم: ماذا تريد أنت؟ هل تريد الدنيا أم الآخرة؟ هل تريد الله أم تريد نفسك؟
الفرقان أن تفرق في نفسك بين إرادة الدنيا وإرادة الآخرة. وأن تُخلص العمل لله تعالى، لا تشوبه بشيء من طلب الدنيا أو حب الظهور أو طلب الجاه والمنزلة عند الناس.
يوم الفرقان — يوم بدر
لماذا سُمي يوم بدر بيوم الفرقان؟
قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾. سمى الله يوم بدر "يوم الفرقان". لماذا؟ ما الذي حصل في بدر حتى تستحق هذا الاسم العظيم؟
كثير من الناس يظنون أن يوم بدر سُمي يوم الفرقان لأنه فرَّق بين الحق والباطل، أو لأنه فرَّق بين المؤمنين والكافرين. وهذا صحيح، لكنه ليس السبب الأعمق والأهم. السبب الأعمق أن يوم بدر كان يوم فرقان للمؤمنين أنفسهم!
المؤمنون في بدر خرجوا للعير (القافلة التجارية) يريدون الغنيمة. هذا كان هدفهم الأول. لكن الله صرف العير وجاء بالنفير (الجيش). فكان عليهم أن يختاروا: هل يريدون الدنيا (العير والغنيمة) أم يريدون الآخرة (القتال والجهاد وربما الشهادة)؟
﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾
الاختيار الصعب في بدر
﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾. الله يقول: أنتم تتمنون العير (غير ذات الشوكة) لأنها سهلة ومضمونة وفيها غنيمة بلا قتال. لكن الله يريد لكم النفير (ذات الشوكة) ليختبركم: هل تختارون الدنيا أم الآخرة؟
فلما اختار المؤمنون الآخرة واستجابوا لأمر الله ورسوله وقاتلوا، نصرهم الله نصراً مؤزراً. هذا هو الفرقان: أنهم في تلك اللحظة الحاسمة اختاروا الآخرة على الدنيا، اختاروا الله على أنفسهم، اختاروا الجهاد والخطر على الغنيمة والأمان.
ولهذا سُمي يوم بدر يوم الفرقان، لأنه كان يوم الاختبار الحقيقي: دنيا أم آخرة؟ مال أم جهاد؟ راحة أم تضحية؟ نفس أم ربّ؟ واختار المؤمنون الآخرة، فسُمي يوم الفرقان.
مقارنة بين بدر وأُحد
في بدر: اختار المؤمنون الآخرة فنصرهم الله. في أُحد: بعضهم أراد الدنيا ﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ فهُزموا. الفرق بين النصر والهزيمة كان في هذا الفرقان: دنيا أم آخرة؟
| وجه المقارنة | غزوة بدر (يوم الفرقان) | غزوة أُحد |
|---|---|---|
| الإرادة الغالبة | إرادة الآخرة والجهاد | اختلطت: منهم من يريد الدنيا ومنهم من يريد الآخرة |
| الاختيار | اختاروا الجهاد (ذات الشوكة) على الغنيمة (العير) | بعضهم نزل للغنائم مخالفاً أمر النبي ﷺ |
| النتيجة | نصر عظيم من الله | هزيمة وابتلاء: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ |
| الدرس | من اختار الآخرة نصره الله | من أراد الدنيا خُذل |
سورة الفرقان والأسواق
اعتراض الكفار في سورة الفرقان
في سورة الفرقان، اعترض الكفار على النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَٰذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ ۙ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا * أَوْ يُلْقَىٰ إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾.
لاحظ الاعتراضات: يأكل الطعام (يحتاج إلى الأكل مثلنا)، يمشي في الأسواق (يتاجر ويبيع ويشتري مثلنا)، ليس معه ملَك، ليس عنده كنز من ذهب، ليس له جنة (بستان) يأكل منها. كل الاعتراضات متعلقة بالدنيا! كانوا يريدون نبياً غنياً، عنده مال، عنده كنز، عنده بستان، معه ملائكة!
لماذا هذه الاعتراضات في سورة اسمها "الفرقان"؟ لأن هذا هو الفرقان! هم لا يستطيعون أن يفرقوا بين الدنيا والآخرة! يظنون أن النبي لا بد أن يكون غنياً في الدنيا حتى يكون صادقاً! يربطون بين صدق النبوة وكثرة المال!
رد الله على اعتراضهم
رد الله عليهم بقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَٰلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا﴾. الله قادر على أن يعطي النبي كل هذا في الدنيا، لكنه لم يفعل. لماذا؟ لأن هذا هو الفرقان!
لو أعطى الله النبي صلى الله عليه وسلم كل الدنيا، لاختلط على الناس الأمر: هل يتبعونه من أجل الله أم من أجل دنياه؟ هل يحبونه لدينه أم لماله؟ هل يطيعونه لأنه رسول الله أم لأنه غني وقوي؟
ولهذا أبقى الله النبي صلى الله عليه وسلم فقيراً متواضعاً، يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، ليكون الفرقان واضحاً: من تبعه فإنما يتبعه لله وللآخرة، لا للدنيا والمال. هذا هو الفرقان في سورة الفرقان!
درس لنا في زماننا
اليوم كثير من الناس يحكمون على الدعاة والعلماء والمشايخ بدنياهم: إن كان غنياً ومشهوراً ومعه أتباع كثيرون، قالوا هذا صادق وهذا على حق. وإن كان فقيراً مجهولاً قليل الأتباع، استخفوا به وردوا كلامه.
هذا هو نفس ما فعله كفار قريش! يحكمون على الحق بالدنيا! ينظرون إلى المال والشهرة والأتباع، ولا ينظرون إلى الحق والدليل والبرهان. ليس عندهم فرقان! لا يستطيعون أن يفرقوا بين الدنيا والآخرة، بين الحق والباطل، بين من يريد الله ومن يريد نفسه.
الفرقان أن تنظر إلى الحق لا إلى قائله، إلى الدليل لا إلى شهرة المستدل، إلى الآخرة لا إلى الدنيا. أن لا يغرك غنى الغني ولا يحقرن في عينك فقر الفقير، بل تنظر: من منهما على الحق؟ من منهما يتبع الكتاب والسنة؟
الخلاصة: القطرة والبحر
تشبيه النبي صلى الله عليه وسلم للدنيا والآخرة
روى مسلم في صحيحه عن المستورد بن شداد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه هذه في اليم، فلينظر بم يرجع".
تخيل: لو أدخلت إصبعك في البحر ثم أخرجتها، كم قطرة ماء ستعلق بإصبعك؟ قطرة واحدة؟ قطرتان؟ ثلاث قطرات؟ لنقل عشر قطرات. وكم في البحر من الماء؟ ملايين بل مليارات اللترات! فما نسبة هذه القطرات إلى البحر كله؟ لا شيء! لا تُذكر!
هذه هي نسبة الدنيا كلها إلى الآخرة! الدنيا بكل ما فيها، بكل قصورها وأموالها وملذاتها وشهواتها، بالنسبة للآخرة مثل هذه القطرات بالنسبة للبحر! بل أقل! قال تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾.
﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾
السؤال الجوهري: أين ستضع قلبك؟
الآن السؤال لك: إذا كانت الدنيا قطرة والآخرة بحر، فأيهما تختار؟ أيهما يستحق أن تتعلق به وتسعى له وتعمل من أجله؟ القطرة أم البحر؟
كل عاقل سيقول: البحر طبعاً! لكن لماذا إذن تتعلق قلوبنا بالدنيا؟ لماذا نسعى للقطرة ونترك البحر؟ لماذا نعمل للدنيا الفانية ونغفل عن الآخرة الباقية؟
الجواب: لأننا لا نملك الفرقان! لا نستطيع أن نفرق بين القطرة والبحر! الدنيا أمامنا نراها ونلمسها ونعيشها، فتستولي على قلوبنا. والآخرة غيب لا نراها، فننساها ونغفل عنها.
الفرقان أن تعرف قيمة الدنيا الحقيقية (قطرة)، وقيمة الآخرة الحقيقية (بحر). وأن تختار البحر وتترك القطرة. أن تعمل للباقي وتترك الفاني. أن تطلب الآخرة ولا تجعل الدنيا أكبر همك ولا مبلغ علمك.
حديث الجدي الأسك
وفي حديث آخر، مرّ النبي صلى الله عليه وسلم بجدي أسك (أي صغير الأذنين ميت منتن)، فأخذه بأذنه فقال: "أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟" فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ قال: "أتحبون أنه لكم؟" قالوا: والله لو كان حياً كان عيباً فيه لأنه أسك، فكيف وهو ميت؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم".
الدنيا كلها عند الله أهون من جدي ميت منتن! وأنت تسعى لها وتتعلق بها وتجعلها أكبر همك! أنت ترفض أن تأخذ الجدي الميت حتى لو أُعطيته مجاناً، لكنك تسعى للدنيا ليل نهار!
قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ﴾. كل الدنيا لا تساوي شيئاً في الآخرة، لا تنجيك من عذاب ساعة واحدة.
سلامة القلب من حب الدنيا
القلب السليم
قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. ما هو القلب السليم؟ هو القلب السليم من حب الدنيا، السليم من التعلق بالمال والبنين، السليم من الشهوات والشبهات.
يوم القيامة لن ينفعك مالك ولا أولادك ولا جاهك ولا منصبك ولا شهرتك. الذي ينفعك فقط هو قلبك: هل هو سليم أم مريض؟ هل هو متعلق بالله أم بالدنيا؟ هل هو يحب الآخرة أم يحب العاجلة؟
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حُبك الشيء يُعمي ويُصم". فإذا أحببت الدنيا، أعماك حبها عن رؤية الحق، وأصمك عن سماع الحق. ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾. القلب إذا امتلأ بحب الدنيا، لم يبق فيه مكان لحب الله.
كيف تُصلح قلبك؟
الطريق لإصلاح القلب هو الفرقان. اطلب من الله الفرقان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾. اتق الله، ابتعد عن الفتنة، احذر من التعلق بالدنيا، وسيجعل الله لك فرقاناً تفرق به بين الحق والباطل، بين الدنيا والآخرة.
اقرأ القرآن بتدبر، فالقرآن هو الفرقان: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ﴾. كل آية في القرآن تفرق لك بين الحق والباطل، بين الدنيا والآخرة، بين ما يُرضي الله وما يُسخطه.
جاهد نفسك على تقليل الدنيا وزيادة الآخرة. قلل من تعلقك بالمال، لا تجعله أكبر همك. قلل من تعلقك بالأولاد، لا تجعلهم يلهونك عن ذكر الله. قلل من حبك للجاه والمنصب والشهرة، واطلب ما عند الله.
أكثر من ذكر الموت، فهو يُزهد في الدنيا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أكثروا من ذكر هاذم اللذات" يعني الموت. تذكر أنك ستموت وستترك كل هذه الدنيا، وستُسأل عنها: من أين اكتسبتها؟ وفيم أنفقتها؟
الخلاصة النهائية
الفرقان هو التفرقة بين الدنيا والآخرة. أن تعرف قيمة الدنيا الحقيقية (قطرة أو جدي ميت)، وقيمة الآخرة الحقيقية (بحر أو جنات النعيم). وأن تختار الآخرة على الدنيا في كل أمورك: في عملك، في تجارتك، في علمك، في جهادك، في صدقتك، في كل أفعالك وأقوالك ونياتك.
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾
﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ * إِنَّ هَٰذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَىٰ * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ﴾
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا،..
ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ.