القمر السبت ١٩ ذُو الْحِجَّة ١٤٤٧ هـ

الطلاق

دراسة شاملة لاحكام الطلاق من القرآن والسنة

المقدمة

خص الله للطلاق سورة كاملة، وذكر فيها أحكاماً تخص الطلاق في اثني عشرة آية، وشدد عليها كثيراً، فمما قال في الطلاق، ﴿..وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللهِ وَمَن یَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللهِ فَقَدۡ ظَلَمَ نَفۡسَهُ..﴾ [الطلاق 1]، وقال، ﴿..ذَلِكُمۡ یُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ یُؤۡمِنُ بِٱللهِ وَٱلۡیَوۡمِ ٱلۡآخِرِ..﴾ [الطلاق 2].

وخوّف الناس من عصيان أمره في الطلاق، وتعدى بالتخويف فيها من الفرد الواحد إلى المجتمع بأسره، قال الله في سورة الطلاق، ﴿وَكَأَیِّن مِّن قَرۡیَةٍ عَتَتۡ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهَا وَرُسُلِه فَحَاسَبۡنَاهَا حِسَابࣰا شَدِیدࣰا وَعَذَّبۡنَاهَا عَذَابࣰا نُّكۡرࣰا ۝ فَذَاقَتۡ وَبَالَ أَمۡرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمۡرِهَا خُسۡرًا ۝ أَعَدَّ ٱللهُ لَهُمۡ عَذَابࣰا شَدِیدࣰا فَٱتَّقُوا۟ ٱللهَ یَا أُو۟لِي ٱلۡأَلۡبَابِ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ قَدۡ أَنزَلَ ٱللهُ إِلَیۡكُمۡ ذِكۡرࣰا ۝ رَّسُولࣰا یَتۡلُوا۟ عَلَیۡكُمۡ ءَایَاتِ ٱللهِ مُبَیِّنَاتࣲ/مُبَیَّنَاتࣲ..﴾ [الطلاق 8 - 11].

وبين أن أمره هذا منزلٌ بعلم وأحاطة، قال، ﴿ٱللهُ ٱلَّذِي خَلَقَ سَبۡعَ سَمَاوَاتࣲ وَمِنَ ٱلۡأَرۡضِ مِثۡلَهُنَّ ((یَتَنَزَّلُ ٱلۡأَمۡرُ بَیۡنَهُنَّ)) لِتَعۡلَمُوۤا۟ أَنَّ ٱللهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيءࣲ قَدِیرࣱ ((وَأَنَّ ٱللهَ قَدۡ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيءٍ عِلۡمَۢا))﴾ [الطلاق 12].

فلابد لأمرٍ خطيرٍ مثل هذا أن يكون قد ذُكر تفصيلاً من أوله لآخره في آيات مبينات، وبتفصيل يغني المسلم عن سؤال الشيوخ.

الطلاق VS النكاح

لو قارنت أحكام الطلاق بأحكام النكاح، لوجدت بأن الطلاق أمره شديدٌ عسير مغلظ، يصعب على الإنسان فعله [كما سيتبين إِنْ شٰاْءَ اللّٰه]. أما النكاح، فشروطه كانت سهلة ميسرة، يستطيع فعلها الانسان في ليلة.

هنا تدرك خطورة الطلاق ومكانته، والله شدد فيه لأن الزواج نواة وأساس المجتمع القوي المتمكن، والطلاق يهدم هذه النواة، بالتالي، التساهل يهدم المجتمع كله.

الطلاق VS النكاح

الطلاق

  • شديد عسير مغلظ
  • يصعب على الإنسان فعله
  • يحتاج شهود ذوي عدل
  • سورة كاملة باسم الطلاق
  • شروطه معقدة ومتشددة
  • يحتاج عدة قبل الطلاق
  • يحتاج وقت طويل وصبر
  • يبغض الله الفراق والتفرق
  • ميثاق غليظ صعب الفك

النكاح

  • سهلة ميسرة
  • يستطيع فعلها الإنسان في ليلة
  • لا يحتاج شهود
  • لا توجد سورة باسم النكاح
  • شروطه بسيطة
  • لا يحتاج عدة قبل النكاح
  • لا يحتاج وقت طويل
  • يحب الله الجمع وصلة الرحم
  • ميثاق غليظ لكن سهل الفك عند الحاجة

النكاح صلة، والطلاق فراق

والله يحب الجمع وصلة الرحم ويكره التفرق والتنازع والخلاف الذي يحبه الشيطان، وتفكيك هذه العلاقة الوطيدة، [الميثاق الغليظ] يؤدي لتفكيك المجتمع وإضعافه. والله يأمرنا بالاجتماع، والشيطان يسعى للتفرقة، خاصةً بين المرء وزوجه.

الله يسمي النكاح بـ الميثاق الغليظ، قال اْلله، ﴿وَإِنۡ أَرَدتُّمُ ٱسۡتِبۡدَالَ زَوۡجࣲ مَّكَانَ زَوۡجࣲ وَءَاتَیۡتُمۡ إِحۡدَاهُنَّ قِنطَارࣰا فَلَا تَأۡخُذُوا۟ مِنۡهُ شَیۡئاً أَتَأۡخُذُونَهُ بُهۡتانࣰا وَإِثۡمࣰا مُّبِینࣰا ۝ وَكَیۡفَ تَأۡخُذُونَهُ وَقَدۡ أَفۡضَىٰ بَعۡضُكُمۡ إِلَىٰ بَعۡضࣲ ((وَأَخَذۡنَ مِنكُم مِّیثَاقًا غَلِیظࣰا))﴾ [النساء 20 - 21].

ولا يذكر الله الميثاق الغليظ إلا في أمور عظيمة، كأخذه الميثاق على الأنبياء، قال اْلله، ﴿وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِنَ ٱلنَّبِیِّـۧنَ مِیثَاقَهُمۡ وَمِنكَ وَمِن نُّوحࣲ وَإِبۡرَاهِیمَ وَمُوسَىٰ وَعِیسَى ٱبۡنِ مَرۡیَمَ ((وَأَخَذۡنَا مِنۡهُم مِّیثَاقًا غَلِیظࣰا))﴾ [الأحزاب 7].

ومن ينقض هذا الميثاق فهو فاسق، قال اْلله، ﴿وَإِذۡ أَخَذَ ٱللهُ مِیثَاقَ ٱلنَّبِیِّـۧنَ لَمَاۤ ءَاتَیۡتُكُم مِّن كِتَابࣲ وَحِكۡمَةࣲ ثُمَّ جَاۤءَكُمۡ رَسُولࣱ مُّصَدِّقࣱ لِّمَا مَعَكُمۡ لَتُؤۡمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ ءَأَقۡرَرۡتُمۡ وَأَخَذۡتُمۡ عَلَىٰ ذَلِكُمۡ إِصۡرِي قَالُوۡا۟ أَقۡرَرۡنَا قَالَ فَٱشۡهَدُوا۟ وَأَنَا۠ مَعَكُم مِّنَ ٱلشَّاهِدِینَ ۝ ((فَمَن تَوَلَّىٰ بَعۡدَ ذَلِكَ فَأُو۟لَئكَ هُمُ ٱلۡفَاسِقُونَ)) ۝ أَفَغَیۡرَ دِینِ ٱللهِ یَبۡغُونَ وَلَهُ أَسۡلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلۡأَرۡضِ طَوۡعࣰا وَكَرۡهࣰا وَإِلَیۡهِ یُرۡجَعُونَ﴾ [آل عمران 81 - 83].

وذكر الله الميثاق الغليظ مع بني إسرائيل، قال اْلله، ﴿وَرَفَعۡنَا فَوۡقَهُمُ ٱلطُّورَ بِمِیثَاقِهِمۡ وَقُلۡنَا لَهُمُ ٱدۡخُلُوا۟ ٱلۡبَابَ سُجَّدࣰا وَقُلۡنَا لَهُمُ لَا تَعۡدُوا۟ فِي ٱلسَّبۡتِ وَأَخَذۡنَا مِنۡهُم ((مِّیثَاقًا غَلِیظࣰا))﴾ [النساء 154].

وحين نقضوا الميثاق الغيظ، قال اْلله، ﴿فَبِمَا نَقۡضِهِم مِّیثَاقَهُمۡ وَكُفۡرِهِم بِآیَاتِ ٱللهِ وَقَتۡلِهِمُ ٱلۡأَنۢبِیَاۤءَ بِغَیۡرِ حَقࣲّ وَقَوۡلِهِمۡ قُلُوبُنَا غُلۡفُۢ بَلۡ طَبَعَ ٱللهُ عَلَیۡهَا بِكُفۡرِهِمۡ فَلَا یُؤۡمِنُونَ إِلَّا قَلِیلࣰا ۝ وَبِكُفۡرِهِمۡ وَقَوۡلِهِمۡ عَلَىٰ مَرۡیَمَ بُهۡتَانًا عَظِیمࣰا﴾ [النساء 155 - 156].

فلكون النكاح ميثاق غليظ، صعَّب الله فكه وحله، فحتى يطلق الرجل امرأته، سيأخذ منه وقتٌ طويل، ومُكث في البيت، وإحضار شهيدين. واعطاه فرصة طويلة ليعيد التفكير في الطلاق.

وأنزل سورة باسم الطلاق تتكلم عن أحكامه بالتفصيل، بعكس النكاح تماماً، فلا توجد سورة باسم النكاح، وليس في النكاح شاهدين [ولا يصح فيه حديث ❌]، ولا يأخذ النكاح وقتاً، إنما يستطيع المسلم النكاح في يومٍ واحد إن أتم ما أمر الله به من إذنها ووليها، والاتفاق على المهر، والوليمة.

الذي خلق الإنسان، هو الذي وضع للطلاق حدوداً

يعلم الله خِلقة الإنسان العجول الظلوم الجهول الخصيم، قال ٱلله، ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك 14].

وقال اْلله عن الإنسان، ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا ((فِيهِ ذِكْرُكُمْ)) أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [اﻷنبياء 10].

وقال، ﴿..بَلْ أَتَيْنَاهُمْ ((بِذِكْرِهِمْ)) فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون 71].

وقال، ﴿خُلِقَ ٱلۡإِنسَانُ مِنۡ عَجَلࣲ سَأُو۟رِیكُمۡ آیَاتِي فَلَا تَسۡتَعۡجِلُونِ﴾ [الأنبياء 37].

وقال، ﴿..وَكَانَ الْإِنْسَانُ ((عَجُولًا))﴾.

وقال عنه أيضاً، ﴿..إِنَّ الْإِنْسَانَ ((لَظَلُومٌ كَفَّارٌ))﴾.

وقال، ﴿..وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ((ظَلُومًا جَهُولًا))﴾.

وقال عنه، ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ ((خَصِيمٌ مُبِينٌ))﴾.

فمن الغبن أن تتكلم في مسألة الطلاق دون النظر في خلقة هذا (الإنسان) الذي سيطلق، ودون معرفة طبائعه وسجيته وجبلته. وكما عرفنا الله أحكام الطلاق، فهو كذلك يعرّفنا خلق (الإنسان)، الجهول العجول الظلوم. قال الله، ﴿رَّبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِكُمۡ... ۝ وَرَبُّكَ أَعۡلَمُ بِمَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلۡأَرۡضِ...﴾ [الإسراء 54 - 55].

وقال عن نفسه، ﴿...هُوَ أَعۡلَمُ بِكُمۡ إِذۡ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ....﴾ [النجم 32].

يعلم الله، أنه لو تُرك الحبل على الغارب، ووُضع الطلاق بيد الرجل بلا قيود، سيظلم المرأة ويتعدى حدوده، وستضيع النساء. ويتفرق العيال. ويسود الخراب في المجتمع كله. ولكنه شدد فيها، لأنه يعلم طبيعة الانسان العجولة الجهولة.

لم يترك التطليق بيديه الظالمتين، ولم يفتح له باب القرار فيما يريده هو، بطبيعته المفطورة على كل نعوت الشر، من العجلة والظلم والجهالة والتسرّع. بل قيد قراراته بقيد غليظ، فلا يكون الطلاق بهذا اليسر وبكل هذه السهولة! بمجرد كلمةٍ تخرج من فمه فينتقض به ذاك الميثاق الذي سماه الله غليظا!

إن كان الأمر كذلك، إذاً هو ليس بغليظ، ولا شديد، بل ميثاقٌ هشٌ ومهترئ. الغليظ ليس من السهل نقضه بكلمة واحدة، قيلت في حالة غضبٍ، من شخص جهولٍ ظلوم.

في سورة الطلاق، قيد الله الطلاق بشروط عسيرة، جعلها على ظهر الرجل قبل المرأة، لأن العصمة والطلاق بيده هو. ولكن لكونه إنسان عجول ومتسرع وجهول وظلوم، ألزمه الله بالصبر والتأني والتمهل [على عكس ما يشتهي]. وألزمه إحصاء عدة طويلة ينتظرها حتى تكتمل. لعله خلال تلك المدة أن يراجع نفسه الظالمة العجولة، فيتراجع عن قرارٍ اتخذه في وقت غضب حتى لا يندم بعدها، يريده أن يتمهل ويطلق بعد تفكير متأنٍ ودراسة.

لا تجد في الدين كله مسألةً تأخذ وقتاً طويلاً، وصبٌر على مضض كمثل مسألة الطلاق. فمن باب التشديد الزائد فيها، جعلها متعلقة بالصبر "أي بضد ما خلق منه الانسان الذي خلق من عجل". فحتى يطلق الرجل، عليه أن يقمع ذاته العجولة، ويدوس على طبعه ويحكم جماح غطرسته، ويُطفئ نار غضبه. ويتحمل عناء الصبر. ويصبر صبراً كافياً حتى يتحصل على الطلاق كما يرضاه الله.

والطلاق فُرقة. والتفرق أكثر شيءٍ يبغضه الله بعد الشرك، بل قرنه مرةً بالشرك. ويحب الله أن نجتمع ونصل الرحم ونعتصم بحبله جميعاً. بينما يحب الشيطان التفرقة والتحريش والاختلاف. ويسعى لها بجهد جهيد. وفي الأثر أن الشيطان يفرح بسماع الفرقة أكثر من بقية المعاصي.

الطلاق في ديننا صعبٌ وعسير جداً، ولو طبقه الناس كما أمر الله به، لما وُجدت المشاكل والخلافات في المجتمعات. ولن تجد بعدها قطيعة رحم وتنافر، ولا عداوات بين القبائل وبين الدول، والأجيال الناشئة لن تكون في ضياع كما يجري اليوم، ولن ينشأ الأبناء بلا تربية ولا رقيب كما هو حاصل الآن.

لهذا، جعل الله هذه المسألة [الطلاق]، عسيرة وشاقة حتى لا تقع ولا تحصل إلا بعد تفكير جاد لا ندم بعده، وبعد انقطاع كل المحاولات والبدائل، وأن يكون وقتها هو الحل الوحيد وهذا نادر جداً.

الله الذي خلق الإنسان، يعلم أن ساعة الغضب قد تدفع الرجل لقول ما لا يقصده، وقد يندم عليه فور هدوئه، ولذلك جعل خطوات الطلاق طويلة وبطيئة، لتعطي فرصة للنفوس أن تهدأ، وللعقول أن تفكر.

فالعدة فترة انتظار وتربص، والرجعة فيها حق للزوج، والسكنى فرض لتبقى الصلة، ولعل الله يحدث بعد ذلك أمراً، فتعود المياه لمجاريها.

أما الطلاق الفوري بكلمة، فهو إهدار لكل هذه الحكم الربانية، وهو استجابة فورية لنزوة الغضب والشيطان.

حديث: [أبغض الحلال عند الله الطلاق]

هذه المقولة لا تصح نسبتها للنّبي ﷺ. ولكنها رغم ذلك، تحمل معاني صحيحة بين طياتها، والذي يتدبر ٱلۡقُـرآن يجد هذا، فالله يبغض الفراق والتفرق والشحناء. ويحث على الوحدة والتقارب وصلة الرحم. ولأجل هذا، وضع سورة الطلاق بين سورتين، لتفهم أنه عند اللّٰه (وإن لم يكن حراماً)، إلا أنه بغيض مكروه. لهذا جعل اللّٰه سورة الطلاق بين سورتي التحريم والتغابن، فمن الغبن أن تطلق، وتضيع من بين يديك خيراً كان عظيماً، لأسباب تافهة في معظمها.

«أبغض الحلال إلى الله الطلاق»

التخريج:

حديث ضعيف، أخرجه أبو داود وابن ماجه، وفي سنده (مُعرّف بن واصل) و(محارب بن دثار)، وفيه انقطاع وضعف.

هذا الحديث مشهور على ألسنة الناس، ولكنه ضعيف، ومعناه غير صحيح، فكيف يبغض الله شيئاً أحله؟! الله لا يحل ما يبغض، ولا يبغض ما يحل.

الصحيح أن الطلاق، وإن كان فيه هدم للأسرة، إلا أنه قد يكون رحمة وحلاً لمشاكل لا حل لها، وهو مخرج لمن يتقي الله (ومن يتق الله يجعل له مخرجاً).

أحكام الطلاق

بعد هذه المقدمة التي تبيّن أهمية أحكام الطلاق، نقرأ أول آية في سورة الطلاق فنجد بأن اللّٰه أمر الذي عزم على الطلاق أن يطلق لعدة ما، ويحصي هذه العدة، قال اْلله، ﴿یَا أَیُّهَا ٱلنَّبِيُّ ((إِذَا طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَاۤءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحۡصُوا۟ ٱلۡعِدَّةَ)) وَٱتَّقُوا۟ ٱللهَ رَبَّكُمۡ لَا تُخۡرِجُوهُنَّ مِنۢ بُیُوتِهِنَّ وَلَا یَخۡرُجۡنَ..﴾ [الطلاق 1]. ولكن،.....

ما هي هذه العدة التي يعدها الرجل ويحصيها؟! وينتظرها حتى يأتي الأجل ليطلق فيه؟! ذاك الأجل الذي ((بعده)) يمكنه أن يفارق أو يمسك، قال اْلله في بداية الآية الثانية، ﴿فَإِذَا ((بَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ)) فَأَمۡسِكُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٍ أَوۡ فَارِقُوهُنَّ بِمَعۡرُوف وَأَشۡهِدُوا۟ ذَوَيْ عَدۡلࣲ مِّنكُمۡ وَأَقِیمُوا۟ ٱلشَّهَادَةَ لِلهِ...﴾ [الطلاق 2].

ما هو الأجل الذي ينتظره الرجل؟! وماهي عدة الرجل أصلاً؟! وكيف يحصيها الذي يريد أن يطلق؟! وٱلۡقُرآن قطعاً لم يذكر هذا الأجل، ولم يذكر موعداً للطلاق. إنما ذكره النّبي ﷺ فقط كما في الحديث التالي، ((وهذا الحديث مفتاحٌ لفهم السورة كلها)). ومن غيره لن نفهم كيفية إحصاء العدة التي أمر الله بها في أول آية.

ملاحظة

حين يقول النّبي ﷺ شيئاً مهماً له علاقة بشرح آية من ٱلۡقُـرآن، فإن الله يوصله للناس عبر جمع غفير، حتى تنقطع عنده الشكوك والريبة. وهذا ملاحظ في بعض الأحاديث، تجدها وصلت لكل المدونين والكل يرويها. وحديثنا التالي منه.

حديث ابن عمر - روايات متعددة

عن مالك والليث وعبيدالله بن عمر، كلهم عن نافع، عن عبد الله بن عمر، "أنه طلق امرأته، وهي حائض، في عهد رسول الله ﷺ، فسأل عمر بن الخطاب عن ذلك رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: مره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق قبل أن يمس، ((فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء))".
روايات أخرى للحديث:
  • رواية ثانية: "عن ابن عمر، أنه طلق امرأته، وهي حائض، فأتى عمر النبي ﷺ، فاستفتاه، فقال: مر عبد الله فليراجعها حتى تطهر من حيضتها هذه، ثم تحيض حيضة أخرى، فإذا طهرت فليفارقها قبل أن يجامعها، أو ليمسكها، ((فإنها العدة التي أمر أن تطلق لها النساء))".
  • رواية ثالثة: "عن عبد الله؛ أنه طلق امرأة له، وهي حائض، تطليقة واحدة، فأمره رسول الله ﷺ أن يراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض عنده حيضة أخرى، ثم يمهلها حتى تطهر من حيضتها، فإن أراد أن يطلقها، فليطلقها حين تطهر من قبل أن يجامعها، ((فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء))".
  • رواية رابعة: "عن ابن عمر، قال: طلقت امرأتي، على عهد رسول الله ﷺ، وهي حائض، فذكر ذلك عمر لرسول الله ﷺ، فقال: مره فليراجعها، ثم ليدعها حتى تطهر، ثم تحيض حيضة أخرى، فإذا طهرت، فليطلقها قبل أن يجامعها، أو يمسكها، ((فإنها العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء". قال عبيد الله: قلت لنافع: ما صنعت التطليقة؟ قال: واحدة اعتد بها)).
  • رواية خامسة: "عن عبد الله؛ أنه طلق امرأته، وهي حائض تطليقة، فانطلق عمر، فأخبر النبي ﷺ بذلك، فقال له النبي ﷺ مر عبد الله فليراجعها، فإذا اغتسلت فليتركها، حتى تحيض، فإذا اغتسلت من حيضتها الأخرى، فلا يمسها حتى يطلقها، فإن شاء أن يمسكها فليمسكها، ((فإنها العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء))".

أخرجه مالك، وابن أبي شيبة، وأحمد، والدارمي، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه، والبزار، والنسائي، وأبو يعلى، وأبو عوانة، وابن حبان، والدارقطني، والبيهقي. ✅

قال رسول اللّٰه ﷺ، ﴿فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء﴾.

عن سالم بن عبد الله بن عمر، أن عبد الله بن عمر قال: «طلقت امرأتي في حياة رسول الله ﷺ، وهي حائض، فذكر ذلك عمر لرسول الله ﷺ، فتغيظ رسول الله ﷺ في ذلك، فقال: ليراجعها، ثم يمسكها حتى تحيض حيضة وتطهر، فإن بدا له أن يطلقها طاهرا، قبل أن يمسها، فذاك الطلاق للعدة، كما أنزل الله، عز وجل».

قال عبد الله بن عمر: فراجعتها، وحسبت لها التطليقة التي طلقتها.

أخرجه أحمد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي. واللفظ للنسائي في «المجتبى» (3416) قال: أخبرني كثير بن عبيد، عن محمد بن حرب، قال: حدثنا الزبيدي، قال: سئل الزهري: كيف الطلاق للعدة؟ فقال: أخبرني سالم بن عبد الله بن عمر، به. ✅

عن أنس بن سيرين، أنه سمع ابن عمر قال: «طلقت امرأتي وهي حائض، فأتى عمر النبي ﷺ، فأخبره، فقال: مره فليراجعها، ثم إذا طهرت فليطلقها».

قلت لابن عمر: أفاتحتسب بتلك التطليقة؟ قال: فمه؟!.

أخرجه أحمد، والبخاري، ومسلم. واللفظ لأحمد (5590) قال: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أنس بن سيرين، به. ✅

عن يونس بن جبير، قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: «طلقت امرأتي وهي حائض، فأتى عمر النبي ﷺ، فذكر ذلك له، فقال: ليراجعها، فإذا طهرت، فإن شاء فليطلقها».
روايات أخرى:
  • رواية ثانية: قال: فقلت لابن عمر: أفتحتسب بها؟ قال: ما يمنعه؟ نعم، أرأيت إن عجز واستحمق؟
  • رواية ثالثة: «عن يونس بن جبير، قال: قلت لابن عمر: رجل طلق امرأته وهي حائض؟ فقال: أتعرف عبد الله بن عمر؟! فإنه طلق امرأته وهي حائض، فأتى عمر النبي ﷺ فسأله، ((فأمره أن يرجعها، ثم يستقبل عدتها))». قال: فقلت له: إذا طلق الرجل امرأته وهي حائض، أتعتد بتلك التطليقة؟ قال: فمه، أو إن عجز واستحمق؟!.

أخرجه أحمد، والبخاري، ومسلم، وابن ماجه، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.

(1) اللفظ لأحمد (5605) قال: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن قتادة، سمعت يونس بن جبير، به.

(2) اللفظ لمسلم 4/182(3655) قال: حدثني يعقوب بن إبراهيم الدورقي، عن ابن عليّة، عن يونس، عن محمد بن سيرين، عن يونس بن جبير، به. ✅

إذاً هذه هي العدة، قد ذكرها النّبي ﷺ. هي عدةٌ يحصيها الرجل والمرأة ليطلقها، وهذا الحديث يبين بكل جلاء، أن عدة المطلقة ليست بعد طلاقها كما هي عند الناس، إنما قبل الطلاق.

ومن هنا يستقيم لنا فهم باقي السورة، فحين ترد الأمور لنصابها، وتدرك أن العدة تكون قبل الطلاق وليست بعده، كما قال رسُول اللّٰه ﷺ، وتدرك أن السورة موجهة في الأساس للرجال، هنا ستفهم كل كلام الله في هذه السورة.

بيّن النبي ﷺ ألا تُطَلَّق المرأة وهي حائض. بل تردها إليك وتمسكها، حتى تحيض عندك حيضة أخرى، ثم تطهر منها، ولا تجامعها، هنا تكون قد بلغت الأجل، وهذا الأجل هو الذي ذكره الله في ثاني آية من السورة، قال اْلله، ﴿فَإِذَا ((بَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمۡسِكُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٍ أَوۡ فَارِقُوهُنَّ بِمَعۡرُوف وَأَشۡهِدُوا۟ ذَوَيْ عَدۡلࣲ مِّنكُمۡ)) وَأَقِیمُوا۟ ٱلشَّهَادَةَ لِلهِ...﴾ [الطلاق 2].

حين قال الله في الآية الثانية [2] من سورة الطلاق، ﴿..فَارِقُوهُنَّ بِمَعۡرُوف..﴾، هذه هي الطلقة. الآن تقع،.. ولكن راجع ما قبلها، تجد العدة كانت قبل الطلاق وليست بعد الطلاق. ففي الآية الأولى أمر الله بأن نحصي العدة. ثم في الآية الثانية قال إذا بلغن أجلهن [أي انقضت العدة]. هنا عند هذه النقطة، تمسك أو تطلق. فالطلقة كانت بعد العدة، وليس العكس كما هو سائدٌ اليوم عند جميع الفقهاء إطباقاً.

بسبب هذا الفهم المقلوب للۡقُرآن والسنة [جعل العدة بعد الطلقة]، زادت نسب الطلاق في البلاد كلها. وزادت بسببه المشاكل التي لحقت به بعد التساهل والتخلي عن هذا الشرط، وتمرير الطلاق وإيقاعه وكأنه طلاق شرعي.

هذا الفهم المقلوب للعدة، ساهم بشكل كبير في إفساد المجتمع بأسره، بإخراج جيل فاسد بليد غير مؤدب، بسبب الطلاق المتفشي الجائر بين الأسر. كله من تسهيل الطلاق، وحذف العدة التي كانت شرطا من شروطه قبل حدوثه.

فهم الفقهاء للآية

وقع تحريف قبيح مستقبح في تفسير الآية الثانية، فقد حرفها المفسرون جميعاً دون استثناء [وهذه غريبة جداً]، وهي في قول الله، ﴿بَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ﴾، فتم تحريف معناها إلى (شارفن على بلوغ الأجل!)، والفرق بينهما كبير جداً.

كلمة الأجل في ٱلۡقُرآن كله تعني (نهاية مدة ما).

قال ٱلله، ﴿هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِینࣲ ((ثُمَّ قَضَىٰۤ أَجَلࣰا وَأَجَلࣱ مُّسَمًّى عِندَهُ)) ثُمَّ أَنتُمۡ تَمۡتَرُونَ﴾ [الأنعام 2].

وقال، ﴿وَلِكُلِّ ((أُمَّةٍ أَجَلࣱ فَإِذَا جَاۤءَ أَجَلُهُمۡ)) لَا یَسۡتَأۡخِرُونَ سَاعَةࣰ وَلَا یَسۡتَقۡدِمُونَ﴾ [الأعراف 34].

وقال، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآیَةࣰ لِّمَنۡ خَافَ عَذَابَ ٱلۡآخِرَةِ ذَلِكَ یَوۡمࣱ مَّجۡمُوعࣱ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَلِكَ یَوۡمࣱ مَّشۡهُودࣱ ۝ ((وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلࣲ)) مَّعۡدُودࣲ﴾ [هود 103 - 104].

وقال، ﴿مَّا تَسۡبِقُ مِنۡ أُمَّةٍ ((أَجَلَهَا وَمَا یَسۡتَـٔۡخِرُونَ))﴾ [الحجر 5].

وقال، ﴿وَأَنفِقُوا۟ مِن مَّا رَزَقۡنَاكُم مِّن قَبۡلِ أَن یَأۡتِيَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ فَیَقُولَ ((رَبِّ لَوۡلَاۤ أَخَّرۡتَنِي إِلَىٰۤ أَجَلࣲ قَرِیبࣲ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِینَ ۝ وَلَن یُؤَخِّرَ ٱللهُ نَفۡسًا إِذَا جَاۤءَ أَجَلُهَا)) وَٱللهُ خَبِیرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ﴾ [المنافقون 10 - 11].

وقال الله، ﴿..((لِكُلِّ أَجَلࣲ كِتَابࣱ)) ۝ یَمۡحُوا۟ ٱللهُ مَا یَشَاۤءُ وَیُثۡبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ ٱلۡكِتَابِ))﴾ [الرعد 36 - 39]، كلمة الأجل هنا تدل على تأجيل نزول هذا ٱلۡقُرآن لحين بعثة النّبي ﷺ، فالأجل تعني نهاية مدة معينة.

فالمرأة بعد أن تبلغ أجلها، تُطلقها إن شئت، وليس لك تطليقها قبل بلوغ الأجل مطلقاً، ولا يلتفت لمن حرف [الأجل] فقال هي : اقتراب الأجل، أو المشارفة على بلوغ الأجل، ولكن ما السبب في تحريف المعنى؟!

أسباب التحريف المخل، وتصويب الفهوم فيها

❒ السبب الأول: فهمهم لآية البقرة بمعزل تام عن سورة الطلاق

آية البقرة توحي بأن العدة بعد الطلاق، وهذا فهم مُجانب للصواب، قال ٱلله فيها، ﴿وَإِذَا ((طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَاۤءَ فَبَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمۡسِكُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٍ أَوۡ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعۡرُوفࣲ))...﴾ [البقرة 231].

ولكونهم لم يستطيعوا جمع الآيتين مع بعض، قاموا بتغليب الأولى [البقرة] وتحريف الأخرى [الطلاق] التي فيها العدة قبل بلوغ الأجل، وهي الأَولى بالتأصيل، فسورة الطلاق، اسمها ((الطلاق))، فهي السورة المعنية بالطلاق، وهي الأساس، وهي التي عليهم أن ينطلقوا منها ابتداء، لا أن يؤخروها حتى عطلوا أحكام هذه السورة، ويقدموا عليها آية سورة البقرة، ولم يلتفتوا لتفسير النّبي ﷺ مطلقاً.

هذه الآية التي في [البقرة] حين تُجمع مع آية الطلاق تُفهم، وتكون بمثابة : إذا طلقتم النساء فأحصيتم العدة، فإذا بلغن أجلهم فأمسكوهن أو سرحوهن، فآية الطلاق فيها التفصيل والبيان.

قال ٱلله، ﴿یَا أَیُّهَا ٱلنَّبِيّ إِذَا طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَاۤءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحۡصُوا۟ ٱلۡعِدَّةَ وَٱتَّقُوا۟ ٱللهَ رَبَّكُمۡ لَا تُخۡرِجُوهُنَّ مِنۢ بُیُوتِهِنَّ وَلَا یَخۡرُجۡنَ إِلَّاۤ أَن یَأۡتِینَ بِفَاحِشَةࣲ مُّبَیِّنَةࣲ وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللهِ وَمَن یَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللهِ فَقَدۡ ظَلَمَ نَفۡسَهُ لَا تَدۡرِي لَعَلَّ ٱللهَ یُحۡدِثُ بَعۡدَ ذَلِكَ أَمۡرࣰا ۝ ((فَإِذَا بَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمۡسِكُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٍ أَوۡ فَارِقُوهُنَّ بِمَعۡرُوفࣲ [هنا الطلقة، بالمفارقة، وهي بعد بلوغ أجل العدة])) وَأَشۡهِدُوا۟ ذَوَي عَدۡلࣲ مِّنكُمۡ وَأَقِیمُوا۟ ٱلشَّهَادَةَ لِلهِ ذلِكُمۡ یُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ یُؤۡمِنُ بِٱللهِ وَٱلۡیَوۡمِ ٱلۡآخِرِ وَمَن یَتَّقِ ٱللهَ یَجۡعَل لَّهُ مَخۡرَجࣰا﴾ [الطلاق 1 - 2].

أما آية البقرة، فالله ذكرها لينهى الرجال أن يضروا النساء ويعتدوا عليهن، فالرجل قد يكون غاضباً منها ويريد الضرر، فيعلقها بعد بلوغ أجل العدة ولا يبت فيها بإمساك أو تسريح، فنهى الله عن ذلك، قال ٱلله فيها، ﴿وَإِذَا طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَاۤءَ ((فَبَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمۡسِكُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٍ أَوۡ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعۡرُوفࣲ وَلَا تُمۡسِكُوهُنَّ ضِرَارࣰا لِّتَعۡتَدُوا۟ وَمَن یَفۡعَلۡ ذَلِكَ فَقَدۡ ظَلَمَ نَفۡسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوۤا۟ ءَایَاتِ ٱللهِ)) هُزُوࣰا وَٱذۡكُرُوا۟ نِعۡمَتَ ٱللهِ عَلَیۡكُمۡ وَمَاۤ أَنزَلَ عَلَیۡكُم مِّنَ ٱلۡكِتَابِ وَٱلۡحِكۡمَةِ یَعِظُكُم بِهِ وَٱتَّقُوا۟ ٱللهَ وَٱعۡلَمُوۤا۟ أَنَّ ٱللهَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِیمࣱ﴾ [البقرة 231].

وفي الآية التي تليها كذلك نهى الله أولياء النساء أن يمنعوهن من الرجوع لأزواجهن، لأنهن هذه بعد الطلقتين الأُولَيين، قال ٱلله، ﴿وَإِذَا طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَاۤءَ فَبَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ ((فَلَا تَعۡضُلُوهُنَّ أَن یَنكِحۡنَ أَزۡوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوۡا۟ بَیۡنَهُم بِٱلۡمَعۡرُوفِ)) ذَلِكَ یُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمۡ یُؤۡمِنُ بِٱللهِ وَٱلۡیَوۡمِ ٱلۡآخِرِ ذَلِكُمۡ أَزۡكَىٰ لَكُمۡ وَأَطۡهَرُ وَٱللهُ یَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ﴾ [البقرة 232].

وفي كلا الآيتين وعظ، ففي الأولى [یَعِظُكُم بِهِ]، وفي التالية [ذَلِكَ یُوعَظُ بِهِ]، فهذه الآيات ليست لتفصيل الطلاق، إنما هي وعظ للأزواج بعد بلوغ الأجل ألا يوقع فيها الضرر.

والآية نفسها، ((فيها العدة قبل الطلقة))، ففيها قال ٱلله، ﴿وَإِذَا طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَاۤءَ ((فَبَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمۡسِكُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٍ أَوۡ سَرِّحُوهُنَّ)) بِمَعۡرُوفࣲ...﴾ [البقرة 231].

قول الله، ﴿أَوۡ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعۡرُوفࣲ﴾ هو الطلاق، وطالما جاء التسريح بعد ذكر الأجل، يعني أن العدة قبل الطلاق، وليست بعد الطلاق.

كذلك في قوله، ﴿فَأَمۡسِكُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٍ﴾ وفيه دلالة أن الرجل مخيّر فيها، ويستطيع أن يمسكها بعد بلوغ العدة [لأنها قبل الطلاق].

أما لو كانت العدة بعد الطلاق، كما هو المفهوم اليوم، فلما استطاع الزوج إمساكها وإرجاعها في الطلقة الثالثة، فبعد بلوغ العدة في الطلقة الثالثة، لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره.

فكان لابد أن تكون العدة قبل الطلاق، حتى يكون للرجل الخيار بين الإمساك والتسريح، وهي هكذا فعلاً، ولكنها مقلوبة عند الناس.

❒ السبب الثاني: لتحريف ﴿بَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ﴾ إلى (شارفن على بلوغ الأجل!)

هو لظنهم المسبق أن العدة إنما تكون بعد الطلاق، فقالوا لو طبقنا هذه الآية على الطلقة الثالثة، فطلقها فبلغت المرأة عدتها [بعد الطلاق]، فستكون قد حرمت عليه أساساً ولا يستطيع إرجاعها حتى تنكح زوجاً غيره، ولا يستطيع الرجل إمساكها وردها إليه بعد انقضاء الأجل، فاستغرب المفسرون والفقهاء من قول الله، ﴿فَأَمۡسِكُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٍ..﴾، كيف سيمسكها وقد بانت عنه بينونة كبرى؟!، فاضطروا لتغيير المراد من الآية، وأخرجوها عن معناها الظاهر الواضح، إلى معنى لا يستقيم مع جميع الآيات، وتدخلوا فيما لا يستطيعون له سبيلاً فقالوا بأن الله لا يقصد هذا وإنما يقصد شيئاً آخر في قوله، ﴿فَإِذَا بَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ...﴾، قالوا : إنما يقصد فيها (فإذا شارفن على بلوغ الأجل!!)، حتى يجعلوا الخيارات [الإمساك أو التسريح] داخلة في فترة العدة، فاضطروا لتفسيرها بهذا الشكل المخل.

ولكنها محاولة بائسة لتحريف الآية، الآية فيها كلمة أجل، وهذه الكلمة تعني نهاية المدة وانقضائها [كما بينا سابقاً]، وليس قبيل انقضائها، وقال اْلله، ﴿قَالَ ذَلِكَ بَیۡني وَبَیۡنَكَ ((أَیَّمَا ٱلۡأَجَلَیۡنِ قَضَیۡتُ)) فَلَا عُدۡوَانَ عَلَيّ، وَٱللهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِیلࣱ ۝ ((فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلۡأَجَلَ وَسَارَ بِأَهۡلِهِ)) ءَانَسَ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ نَارࣰا..﴾ [القصص 28 - 29]، ولا يُتصور أن موسى سار بأهله قبيل انقضاء الأجل المتفق عليه، أو حين شارف على قضاء الأجل، أنما سار بأهله بعد أن قضى الأجل.

وحين تفهم الآية الثانية، تبعا لما قاله الرَّسوْل ﷺ في الآية الأولى، يستقيم لديك الفهم تماماً، حيث أن الأجل هو العدة التي تحصيها معها لأجل الطلاق، وهو أن تمسك حتى تحيض ثم تطهر ولا تجامع، هنا تكون قد بلغت الأجل، في طهرٍ لم تجامعها فيه.

هنا تمسكها أو تفارقها، وقدم الله الإمساك على الفراق لما بينّا آنفا من سوء الطلاق عند الله، ولكن إن عزمت الطلاق بعد هذا الأجل والعدة، فأشهد شهيدين على طلاقك وطلق بأي لفظة تشاء، وهكذا تتم الطلقة.

هكذا تطلق، بحدود الله، وإلا فإن طلاقك ليس بشيء، الطلاق ليس بالهوى والمزاج والشهوة، ولا يكون خاطفاً سريعاً يلحقه ندمٌ وضياع، بالأمس جامعتها واليوم غضبت وطلقتها!، لا يحق لك ذلك، عليك أن تحصي العدة، ((تلك اﻟﻌﺪﺓ اﻟﺘﻲ ﺃﻣﺮ اﻟﻠﻪ ﺃﻥ ﺗﻄﻠﻖ لها اﻟﻨﺴﺎء)).

كل هذا الوقت تكون المرأة معك، وقت العدة التي تحصيها أنت وهي، لأن الله أمرك أنت أن تحصي العدة وتطلقها لعدتها، تركَ الله لك كل هذا الوقت لتراجع نفسك، لا يكون قرار الطلاق سريعاً في لحظة غضب أو لحظة طيش وتهور، فلعلك تندم وتتحسر وتضيع عيالك بعدها، فتتنطط كالقرد من مفتٍ إلى شيخٍ آخر، لعلك تجد مخرجاً لتُرجعها.

❒ السبب الثالث: لتحريف المفسرين للآية

لتحريف المفسرين للآية، ﴿فَإِذَا بَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ﴾، فجعلوها، (إذا شارفن على بلوغ الأجل)، وظنهم بأن إحصاء العدة التي تكلم عنها الله في أول آية، هي عدة المرأة ما بعد التطليقة، هو إهمالهم لحديث النّبي ﷺ السابق، الذي قال فيه ﴿فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء﴾، ولو أنهم جمعوا الحديث مع ٱلۡقُرآن، لعلموا أن العدة إنما تكون قبل الطلاق، وليس بعد الطلاق.

❒ السبب الرابع: إهمال سياق آيات الطلاق في سورة الطلاق

إذا أردت تعلم وفهم الطلاق، لا يصلح أبداً أن تذهب لباب الطلاق في كتاب المغني وباب الطلاق في الموسوعة الفقهية وباب الطلاق في التمهيد، وتترك سورة الطلاق! فاسمها سورة الطلاق، هي الأولى بالدراسة، هي الأساس، فعليك أن تحيط بكل ما ورد فيها أولاً، تجمع كل أطرافها من القُرآن والحديث وتربط بينها.

والنبي ﷺ حين علمنا كيف نطلّق، قال بعدها مباشرة، ((فتلك العدة التي أمر الله أن يطَلّقَ لها النساء))، فعليك حينها أن ترجع للقُرآن وتنظر أين هي العدة وما هي العدة، ستجدها في سورة الطلاق، وأول ملاحظة ستجدها في السورة أن الخطاب فيها موجه للرجال حصراً، بدأت بــ ﴿یَا أَیُّهَا ٱلنَّبِيُّ ((إِذَا طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَاۤءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحۡصُوا۟ ٱلۡعِدَّةَ)) وَٱتَّقُوا۟ ٱللهَ رَبَّكُمۡ لَا تُخۡرِجُوهُنَّ مِنۢ بُیُوتِهِنَّ وَلَا یَخۡرُجۡنَ..﴾ [الطلاق 1].

العدة قبل الطلاق VS العدة بعد الطلاق

هذا الجدول يوضح الفرق الجوهري بين العدة الصحيحة (قبل الطلاق) والعدة المقلوبة (بعد الطلاق)، والتي أدت إلى تسهيل الطلاق وزيادة نسبه في المجتمعات.

العدة قبل الطلاق VS العدة بعد الطلاق

العدة قبل الطلاق (الصحيح)

  • العدة تكون قبل الطلاق
  • يحصي الرجل العدة ويعرف حالة المرأة
  • المرأة تمكث في بيتها
  • لا يخرجها من بيتها خلال العدة
  • يسكنها حيث وُجد
  • بعد بلوغ الأجل: إمساك أو تسريح
  • فرصة لمراجعة النفس والتراجع
  • يمكنه الجماع خلال العدة فيرجع عن قرار الطلاق
  • يوافق ما أمر الله والنبي ﷺ

العدة بعد الطلاق (المقلوب)

  • العدة تكون بعد الطلاق
  • لا يحصي الرجل العدة
  • المرأة تخرج من البيت
  • يخرجها من بيتها بعد الطلاق
  • لا يسكنها معه
  • الطلاق يسبق العدة
  • لا فرصة لمراجعة النفس
  • لا يمكنه الرجوع بعد الطلاق مباشرة
  • مخالف لما أمر الله والنبي ﷺ

علة العدة ليست استبراء الرحم

ذكر اْلله في خاتمة الآية الأولى، ﴿..لَا تَدۡري لَعَلَّ ٱللهَ یُحۡدِثُ بَعۡدَ ذَلِكَ أَمۡرا [الطلاق 1]. | , | وهذه هي العلة من العدة، وهي السبب في تعسير الطلاق وجعله شاقاً. وليس لاستبراء الرحم من الحمل.

لَا تَدۡري،.. ولكن حين تصبر فترة العدة، ترشد وتعي وتراجع نفسك.

لَا تَدۡرِي،.. لعلك تلغي مشروع الطلاق كله، قد تَرجع إلى عقلك، ويذهب فور غضبك.

لَا تَدۡرِي،... تكون وقتها في غضب فتنسى كل جمائلها وفضلها وعشرتها ومحاسنها، ثم تتذكر خيرها ومحاسنها وطيب عشرتها، فتمسكها وتكمل حياتك كزوج عاقل، فالغضب يأتي سريعاً، ويذهب سريعاً، ثم يكون الندم على تدمير الحياة الزوجية والميثاق الغليظ.

لَا تَدْرِي، فعند اتخاذ قرار الطلاق، كنت مغضبا ونسيت عيالك، ولكن لو صبرت مدة العدة، لعلك تراجع نفسك وتذكر ما نسيته، فتلغي قرار الطلاق.

أما إن كان قرار الطلاق نابعاً عن دراسة وتفكير متأن، وأنه الحل الوحيد واللازم، وصَبَرت كل هذه المدة، ثم طلّقتها في طهرٍ لم تجامعها فيه، فقد طلقتها بعد تفكير، ودون غضب، ولا تعجل، ولن تندم بعدها.

والآن يصح فهمك لــ لَا تُخۡرِجُوهُنَّ مِنۢ بُیُوتِهِنَّ وَلَا یَخۡرُجۡنَ، دون إشكال، فهذا قبل الطلاق، وليس بعده، سواء للطلقتين الرجعيات أو الطلقة البائنة، فهي ما زالت حلالاً وتستطيع أن تجامعها خلال العدة فتكون قد رَجَعت عن قرار الطلاق، فإن جامعتها فقد أنهيت عزيمتك عن الطلاق، ولم تُحسب عليك طلقة ولا نصف طلقة، وهذا هو الهدف من العدة، ﴿لَا تَدۡري لَعَلَّ ٱللهَ یُحۡدِثُ بَعۡدَ ذَلِكَ أَمۡرا﴾.

حكمة

أما تبرءة الرحم من الحمل، فهذا (تحصيل حاصلٍ)، فالمرأة أن حاضت حيضة [وهي أقل فترة عدة للنساء، وهي خاصة لمن تحيض]، فالحيضة هذه كانت علامة براءة رحمها، وأنها ليست بحامل، فالعلة هذه تتحصل لمجرد بلوغ الأجل، فليست هي العبرة من العدة، إنما العبرة منها العودة والتراجع عن مشروع الطلاق [وسيأتي تفصيل معنى لفظة (عدة) إِنْ شٰاْءَ اللّٰه].

إحصاء العدة

سورة الطلاق كلها أوامر تخاطب الرجل، كلها للرجل، ولن تجد فيها خطاباً واحداً موجهاً للمرأة، إقرأ السورة كلها وانظر كيف أن الخطاب فيها موجهٌ للرجل، وأعظم آية في السورة أُسِيء فهمها، هي الآية، ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ۝ ذَٰلِكَ أَمْرُ اللهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَن يَتَّقِ اللهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾.

هذه الآية، يستدل بها الفقهاء على أن طلاق الحامل يقع، وأن عدة الحامل (بعد الطلاق) ينقضي بوضعها، والتي انقطع عنها الحيض (أي اليائس) بأن عدتها بعد الطلاق ثلاثة أشهر وكله خطأ، ويستدلون بها كذلك على جواز نكاح الصغيرة التي لم تحض بعد وكل ذلك خطأ.

الخطأ كان بسبب ظنهم أن الآية موجهة للمرأة، بينما هي موجهة للرجل، ليعرف عدة المرأة باختلاف حالاتها ويفرق بينها [يحصيها]، فالمرأة التي تحيض، عرفنا النّبي ﷺ كيف عدتها حتى نطلق بعد العدة، أما بقية النساء، فقد بين الله العدة لجميع أحوال النساء، ولم يترك حالة إلا وذكرها، ﴿وما كان ربك نسياً﴾، ووحالات النساء كلهن، لا تخرج عن:

[1] التي تحيض [وهي الحالة الأكثر شيوعاً بين النساء]: هذه تمسكها حتى تحيض حيضتها القادمة، ثم تطهر، فتطلقها إن شئت الآن [بعد العدة]، من غير جماع [وقد بيناه سابقا بالحديث الصحيح والآيات].

[2] التي يئست من المحيض، إن أردت تطليقها تمسكها ثلاثة أشهر لتبلغ أجلها فتطلقها، بدليل، ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ ((إِنِ ارْتَبْتُمْ)) فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ..﴾ وذكر الله الريبة هنا لأن العدة تنتهي بالحيضة (عادةً)، ولكنها في هذه الحالة يئست من المحيض فلا تحيض، فتحصل عندك الريبة، لأنك لا تعلم كم ستنتظر، فقال الله أن عِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ.

[3] التي لم تحض، كذلك كالسابقة، تنتظرها ثلاثة أشهر لتبلغ أجلها لتطلقها، ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ ((وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ))..﴾، وهنا ملاحظة، الآية لا تعني الصغيرات، إنما تعني عموم النساء اللاتي لم يحضن، سواء كن صغيرات أو كبيرات ممن تسمين بــ [النساء] لأن الله قال ﴿مِن نِّسَائِكُمْ﴾، أما الصغيرات فهن بنات ولسن نساء، فمن النساء من يتأخر عنها الحيض حتى عمر متأخر [30 و 40]، فهي قد كانت جاهزة للنكاح بمجرد أن رُؤيَ منها الرشد (الحُلم)، وكانت تستطيع تحمل المسؤولية.

وتوجد حالات نادرة في النساء، لا يأتيها الحيض حتى وهي فوق العشرين [وقد واجهتني هذه الحالة شخصياً].

وتوجد حالات من النساء، ينقطع عنها الحيض أشهرا، تمرض وتضطرب هرموناتها، وبسبب مرضهن قد ينقطع عنهن الحيض شهوراً [وهي ليست من اللائي يئسن] لأن حيضها سيعود، فهذه الحالات كلها تدخل في هذا المعنى [وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ]، وعدتهن ثلاثة أشهر.

[4] الحامل، لا يقع طلاقها فترة الحمل، إنما تنتظر العدة، وهي فترة الحمل، حتى تضع حملها، ثم تطلقها إن شئت بعد طهرها، قبل أن تمسها، ﴿..وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ..﴾.

[5] بقيت حالة واحدة، لم تُذكر في سورة الطلاق، إنما ذكرت في الأحزاب، وهي المرأة التي لم تدخل عليها بعد، وهذه الحالة لا عدة لك عليها، قال ٱلله فيها، ﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ إِذَا نَكَحۡتُمُ ٱلۡمُؤۡمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقۡتُمُوهُنَّ مِن قَبۡلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ ((فَمَا لَكُمۡ عَلَیۡهِنَّ مِنۡ عِدَّةࣲ تَعۡتَدُّونَهَا)) فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحࣰا جَمِیلࣰا﴾ [الأحزاب 49].

ومن هذه الكلمة ((فَمَا لَكُمۡ عَلَیۡهِنَّ))، تدل أن العدة [في الأصل] تكون للرجل على المرأة، أي يطالبها هو بالعدة، يلزمها بالعدة، حتى يطلقها (إن شاء) بعد أن تبلغ هي أجلها، وخلال مدة العدة، عليها أن تمكث المرأة في بيتها ولا تخرج، وهو عليه مثل ذلك.

وهذه المفارقات بين عدة النساء، التي هي على حسب حالهن، هو ((الإحصاء)) الذي أمر الله به عند العدة، فقد قال ٱلله في أول آية، ﴿یَا أَیُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَاۤءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ((وَأَحۡصُوا۟ ٱلۡعِدَّةَ)) وَٱتَّقُوا۟ ٱللهَ رَبَّكُمۡ لَا تُخۡرِجُوهُنَّ مِنۢ بُیُوتِهِنَّ وَلَا یَخۡرُجۡنَ..﴾ [الطلاق 1].

والإحصاء ليس العدّ، قال ٱلله، ﴿إِن كُلُّ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلۡأَرۡضِ إِلَّاۤ ءَاتِي ٱلرَّحۡمَنِ عَبۡدࣰا ۝ ((لَّقَدۡ أَحۡصَاهُمۡ وَعَدَّهُمۡ عَدࣰّا)) ۝ وَكُلُّهُمۡ ءَاتِیهِ یَوۡمَ ٱلۡقِیَامَةِ فَرۡدًا﴾ [مريم 93 - 95]، فهناك فرقٌ بين العد والاحصاء.

العدّ معلوم، هو مجرد معرفة العدد.

أما الاحصاء فإنما هو التصنيف والفرز، وتحديد الأنواع والأشكال، كما هو مُستخدَم اليوم في مجالات الاحصاء، وهو أن تفرّق بين الأجناس والأنواع، والله أمرنا أن نحصي العدة في الطلاق، لأن أحوال النساء تختلف من امرأة لامرأة، وتختلف باختلاف الزمن، فالحائض ليست كالحامل واللاتي يئسن من المحيض، ليست كالتي لم تدخل بها، وهكذا.

فحين تعزم الطلاق ﴿إِذَا طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَاۤءَ﴾، فعليك معرفة حالة المرأة بالتحديد، لتنتظر بلوغ أجلها على حسب حالها، ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحۡصُوا۟ ٱلۡعِدَّةَ﴾، تحصي أي تفرق بين عدة الحائض وعدة الحامل وعدة التي يئست، فلكل امرأة عدة تختلف على حسب وضعها، والمشترك بين العدد (رغم اختلاف العِدد حسب حال المرأة) هو أنها جميعها قبل الطلاق، وليس بعد الطلاق، وخلال فترة العدة، عليك إبقاؤها في بيتها، وألا تخرجها من البيت.

مُكثها في البيت معه

أثناء انتظارك لقضاء العدة، وقبل إن تطلقها، لا يحق لك إخراجها من بيتها، لأن الله قال، ﴿لَا تُخۡرِجُوهُنَّ مِنۢ بُیُوتِهِنَّ وَلَا یَخۡرُجۡنَ إِلَّاۤ أَن یَأۡتِینَ بِفَاحِشَة مُّبَیِّنَة..﴾ [الطلاق 1].

وهذه من أحكام وشروط الطلاق، وفيها حكمة عظيمة جليلة، وهي في أول آية من سورة الطلاق، لا تخرجها من بيتها وإن أرادت هي الخروج، لا تخرج بل تبقى في بيتها، ما عدا إن فعلت فاحشة كالزنا والسحاق [التورك].

وإن كنتَ أيها الرجل معدداً ولك عدة بيوت، أو تملك بيتاً آخر، أو فكرت أن تخرج بنفسك وتسكن عند أمك، هروباً من امرأتك حتى تبلغ أجلها، ثم ترجع لتطلقها بعد بلوغ الأجل، [فهذا استهبال]، بل عليك أن تُسكنها حيث تتواجد أنت، حتى تتم العدة، ولا تعبث بحدود الله، قال اْلله، ﴿أَسۡكِنُوهُنَّ مِنۡ حَیۡثُ سَكَنتُم ((مِّن وُجۡدِكُمۡ)) وَلَا تُضَاۤرُّوهُنَّ لِتُضَیِّقُوا۟ عَلَیۡهِنَّ..﴾ [الطلاق 6].

كلمة ﴿مِّن وُجۡدِكُمۡ﴾، أي حيث توجدون، حتى لا يقول قائل بأني لن أخرجها لأن الله نهاني عن إخراجها، ولكن سأخرج أنا، فإن فعلت ذلك، خذها معك، وأسكنها حيث سكنت، وهذا معنى ﴿مِّن وُجۡدِكُمۡ﴾، أي حيث أنتم، مكان تواجدكم، حيث تتواجدون، وليس كما قال المفسرون، خذ لها بيتاً بجانب بيتك بعد الطلاق!، أو ابن لها ملحقاً قريباً من محل تواجدك، أو أجر لها شقة بجوار شقتك!!.

الكلام كله عن العدة قبل الطلاق، والمفسرون جعلوا العدة بعد الطلاق، وحكموا للمطلقة نفقة وسكنى وقد فارقها!!، حتى أنه في الحديث الصحيح الذي يعرفونه [سيأتي في نهاية المقال]، وفيه ليس للمطلقة نفقة ولا سكنى، فردوا الحديث وقالوا لا، بل لها سكنى ولها نفقة!، واستدلوا بهذه الآية، وهي على غير هذا المعنى، إنما النفقة في الآية للذي ينتظر بلوغ الأجل ليطلق، وينتظر هذه المدة معها، وإن كانت حاملاً فعليه نفقتها حتى تضع، قال ٱلله، ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ ((فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ)) وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ ((وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَىٰ ۝ لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ)) وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللهُ لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾.

تنفق عليها حتى تضع الحامل حملها، لأنها ما زالت امرأتك وفي ذمتك، وهذه المدة، إنما تنتظران انقضاء الأجل، فتطلق بعد ذلك، وإن أرضعت ابنك بعد الطلاق [لم تعد امرأتك]، فعليك نفقة الولد، وتؤتيها أجراً على هذه الرضاعة، ﴿فَإِنْ أَرۡضَعۡنَ ((لَكُمْ)) فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، لأنها خرجت من مسمى الزوج، وصارت كالأجيرة، ترضع لك، ﴿وَإِن تَعَاسَرْتُمۡ فَسَتُرۡضِعُ لَهُ أُخۡرَىٰ﴾.

أما المطلقة طلاقا بائنا [الطلقة الثالثة]، فتعطيها من نفسك متاعاً، دون تحديد، ودون إلزام، وهي مرة واحدة، وليست نفقة دائمة، قال ٱلله، ﴿وَلِلۡمُطَلَّقَاتِ مَتَاعُۢ بِٱلۡمَعۡرُوفِ حَقًّا عَلَى ٱلۡمُتَّقِینَ﴾ [البقرة 241]، وهذه بعد الطلقة الثالثة، لأن الله قال ﴿للمطلقات﴾، وهي التي تربصت ثلاثة قروء، وهي الثلاث عِدد، تلك التي كانت قبل كل طلقة، ولم يذكر الله كلمة [مطلقة] إلا في هذين الموضعين، وهي للتي طلقت ثلاثاً.

المهم، المرأة التي تريد تطلايقها، عليها أن تسكن معك، ولا تُخرجها، ولا تفارقها، حتى ((تبلغ أجلها)) ثم تطلقها لو شئت بعد العدة، وهذا التشديد كله حتى تتراجع عن قرارك، وتفكر فيها، وتعرف قدرها، وتدرك حاجتك عندها حين تحتاجها، أما لو فارقت مدة العدة، فلن يتحصّل كل ذلك، وستزداد الكراهية بينكما، وهذا مجرّب، فكلما ابتعدت، كلما قلت المحبة بينكما، بل أني قرأت عن دولة النمسا أمراً أذهلني موافقته لما أمر الله، ففي فترة من تاريخها، كان شرط الطلاق عندهم، أنه على الزوجين الذين يريدان الطلاق، بأن يسكنا في غرفة واحدة، وسرير واحد، بلحاف واحد، ووسادة واحدة، وصحن واحد، وملعقة واحدة، لعدة أسابيع، ثم يراجعان الكنسية للطلاق، وحين فعلوا هذا على مدار سنوات، لم تقع إلا حالة طلاق واحدة، فسُبْحَانَ الذي جعل الملازمة فترة العدة من شروط الطلاق، والسبب واضح في ذلك، وكما يقال في الأمثال الشعبية [البعيد عن العين، بعيد عن القلب]، وهذه هي العلة الأولى والأسمى في اشتراط العدة، ﴿..لَا تَدۡرِي لَعَلَّ ٱللهَ یُحۡدِثُ بَعۡدَ ذَلِكَ أَمۡرا﴾ [الطلاق 1].

فاحتمال عودتك عن قرار الطلاق يكون عاليا في حال بقائها معك، وبقاؤك معها، وسكنها عندك، لعلك تراجع نفسك [بعد غضبك] وتُرجعها، في العدة ولا تطلق وهذا ما يريده الله، أما الذي يحب التفريق بين الأزواج بسهولة، فهو الشيطان.

الطلاق ليس مجرد لفظ

رأينا كيف أمر الله بالطلاق، وسماه حدوداً، قال ٱلله، ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَن یَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللهِ فَقَدۡ ظَلَمَ نَفۡسَهُ..﴾ [الطلاق 1].

وقال في سورة البقرة عن الطلاق كذلك، ﴿..تِلۡكَ حُدُودُ ٱللهِ فَلَا تَعۡتَدُوهَا وَمَن یَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللهِ فَأُو۟لَئكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ﴾ [البقرة 229].

وقال كذلك، ﴿وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللهِ یُبَیِّنُهَا لِقَوۡمࣲ یَعۡلَمُونَ﴾ [البقرة 230].

فالأمر ليس بالهين اليسير، إنما هي حدود، علينا ألا نتجاوزها، ومن تجاوز حدود اللّٰه ولم يأتمر بما أمر وحدد الله، وفعل ما يشاء، فلا قيمة لفعله، ولن يقع ما فعله حتى يأتي أمر الله بالوجه الذي أمر به الله.

الطلاق السني VS الطلاق البدعي

المحزن جداً، أن الفقهاء يعلمون بأن الطلاق الذي يحدث عند الناس مخالف لما أمر الله، وفيه تعدٍ لحدود الله، وأنه محدث ولا يرضاه الله، بل يسمونه طلاق بدعي، ولكنهم يمررونه، ويوقعونه رغم أنه عندهم طلاق مخالف وبدعي، وهذا عجيب غريب، فالطلاق إن كان مخالفا لما أمر اللّٰه، فلا ينبغي تمريره وإيقاعه، بل عليهم رده وإلزامه بالتطليق كما أمر الله، وهكذا مع جميع أوامر الله، حتى لا يغيرها أحد بهواه، ويخترع دينا من كيسه، وبذلك تتغير جميع أحكام الدين مع تلاحق الأجيال تبعاً لأهواء الناس ورغباتهم، وقد قال ٱلله، ﴿سحقاً سحقاً لمن بدل بعدي﴾ أخرجه البخاري ومسلم.

الطلاق السني VS الطلاق البدعي

الطلاق السني (الصحيح)

  • العدة قبل الطلاق
  • يحتاج شهود ذوي عدل
  • يتبع حدود الله
  • يُحصي العدة ويعرف حالة المرأة
  • لا يخرجها من بيتها خلال العدة
  • يسكنها حيث وُجد
  • يطلقها بعد بلوغ الأجل في طهر لم يجامعها فيه
  • يُشهد الشهود ويقيم الشهادة لله
  • يطبق كما أمر الله والنبي ﷺ

الطلاق البدعي (الخاطئ)

  • بدون عدة (يطلق مباشرة)
  • بدون شهود
  • مخالف لحدود الله
  • يطلق في لحظة غضب أو مزاح
  • لا يتبع شروط الله
  • يمرره الفقهاء رغم علمهم أنه بدعي
  • مردود على صاحبه ولا يعتد به
  • لا قيمة لفعله
  • بدعة ومخالفة للدين

حين جاء رجل وصلى في مسجد النّبي ﷺ، كان يسرع في صلاته، فقال له النّبي ﷺ، ﴿ارجع فصل، فإنك لم تصل﴾، فنفى عنه الصلاة وأمره بالإعادة.

عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، رضي الله عنه؛ «أن رجلاً دخل المسجد، ورسول الله ﷺ جالس في ناحية المسجد، فصلى، ثم جاء فسلم عليه، فقال له رسول الله ﷺ: وعليك السلام، ((ارجع فصل فإنك لم تصل)) فرجع فصلى، ثم جاء فسلم، فقال: وعليك السلام، ((فارجع فصل فإنك لم تصل)) فقال في الثانية، أو في التي بعدها: علمني يا رسول الله، فقال: إذا قمت إلى الصلاة، فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر، ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تستوي قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها»

التخريج:

أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة، والبخاري، ومسلم، وابن ماجة، وأبو داود، والترمذي، وابن خزيمة؛ من طريق سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة. واللفظ للبخاري (6251). وأخرجه أحمد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وأبو يعلى، وابن خزيمة؛ من طريق سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة. ✅

تنبه، لمجرد أنه خالف أمراً في الصلاة، نفى عنه النّبي ﷺ الصلاة كلها، ذلك أننا علينا أن نصلي كما أمر به النّبي ﷺ بالضبط، وهكذا هو الدين كله، علينا فيه السمع والطاعة، لا أن نتفلسف ونخترع من أكياسنا أشياءً ثم نمررها على أنها أمر الله.

قال نبي ٱلله ﷺ، ﴿مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمرِنا هَذا مَا لَيسَ مِنهُ [ما ليس فِيهِ] فهُوَ رَدٌّ﴾ رواه البخاري ومسلم وغيرهم، ✅، فأي إحداث في أمور الدين يُعتبر مردوداً على صاحبه، ولا يعتد به، ولا يُمرر أنه دين، حتى يأتي به كما أمر الله.

لا يصلح مثلاً أن تصوم شهر رجب أو سبتمبر ثم تقول، صمنا فريضتنا، إنما تصوم فريضتك في شهرها، في شهر رمضان كما أمر الله.

ولا يصلح أن تقوم ببعض حركات اليوقا أو التمارين السويدية أو أن تتواصل مع جيرانك، فتقول صليت، إنما عليك أن تصلي كما صلى النّبي ﷺ لأنه قال، ﴿صلوا كما رأيتموني أصلي﴾، من غير تغيير ولا تبديل.

ولا يصلح أن تصلي ركعتين ليلا، ثم تقول : قد صليت الفجر!، إنما الفجر وقت الفجر.

ولا يصلح أن تصلي المغرب قبل غروب الشمس، مهما كانت حجتك، إنما تصليها لميقاتها، بعد غروب الشمس.

وكذا المناسك وكل الأعمال، الأصل فيها الاتباع وليس الابتداع.

كذلك الطلاق، إن لم تأت بالطلاق على الوجه الذي أمر به الله، فلم تطلق، ولو قلت كلمة (طالق)، ولو قلتها ألف مرة، فهي ليست بشيء، إنما تقولها بعد أن تطيع ربك في الطلاق، تُحصي وتعرف حالة المرأة، وتنتظر انقضاء العدة، ولا تخرجها من بيتها، وتسكنها حيث وُجِدتَ، وبعد أن تبلغ المرأة أجل العدة، لا تجامعها، ثم تأتي بشهيدين ذوي عدل، وتُشهدهم أنك طلقتها الآن أمامهم، بأي لفظ كان، (طلقتها، تطلقنا، أنتِ طالق، أو أي شيء يدل على الطلاق)، وليس في ٱلۡقُرآن ولا في الحديث الصحيح كلمة محددة معينة تقولها ليقع الطلاق، أما كلمة (طالق طالق طالق)، سواء مرة أو ثلاث مرات، فهي من وحي الشيطان للناس، وهي ليست من الدين في شيء، بل عليك أن تقيم دين الله في الطلاق ولا تتعدى حدوده.

العجيب في أمر الفقهاء والشيوخ، هو أنهم يمرّرون الطلاق المخالف لما أمره الله وهم يعلمون أنه مخالف، ويسمونه (طلاقٌ بدعي)، وهذا يدل أنهم مدركون أنه بدعة، ومخالفة للدين، وفوق هذا يوقِعونه ويمرّرونه، دون خجل ودون حياء، وقد قال رسُول اللّٰه ﷺ ﴿مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمرِنا هَذا مَا لَيسَ مِنهُ [فِيهِ] فهُوَ رَدٌّ﴾ أخرجه البخاري ومسلم.

والطلاق الذي يوافق ما أتى به النّبي ﷺ، يسمونه طلاقاً سنياً، ومن أهم شروطه عندهم [إلى اليوم]، هو أن يطلقها في طهرٍ لم يجامعها فيه [وهذا الشرط موجود في محاكم اليوم كلها في بلاد المسلمين]، ولكن القضاة لا يسألون عنه ولا يلتفتون إليه، ولأجل هذا زادت حالات الطلاق بشكل مفزع مخيف، وضاعت الخلفة ونشأ الجيل الجديد جيلاً تافهاً، لا تربية ولا أدب ولا أخلاق، كله بسبب التساهل في إمضاء الطلاق، والتطليق على أتفه الأسباب، يطلقها ثم يندم، وبعد مدة، يريد أن يرجعها، فيُمنع منها، فلا يترك شيخاً إلا وسأله، لعله يسمح له بالرجوع ولو بفتوى من المذهب الجعفري، بل ويأتي البعض ويستفتي عند المشائخ، "ياشيخ "طلقت أمرأتي وأنا غاضب، ما الحكم؟"، أو يقول "ياشيخ طلقت امرأتي بس قصدي مزاح، ما الحكم؟"، فبدل أن يرى الشيخ هل أكمل شروط الطلاق وهل أحصى عدتها أم لا، يقول له : خلاص، فاتك القطار، ويحسبها عليه، بناء على الحديث الضعيف.

قال رسول ٱلله ﷺ، «ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد: النكاح، والطلاق، والرجعة»

التخريج:

أخرجه ابن ماجة، وأبو داود، والترمذي، كلهم عن عبد الرحمن بن حبيب بن أردك [ضعيف منكر الحديث ❌]، عن عطاء بن أبي رباح، عن يوسف بن ماهك، عن أبي هريرة.

وهذا الحديث ضعيف ❌ لأن في سنده عبد الرحمن بن حبيب بن أردك، المدني المخزومي المولى، ويقال: حبيب بن عبد الرحمن، لين الحديث، من السادسة، منكر الحديث.

ضعفه يحيى بن معين، «الميزان» 2/(1712).

وضعفه ابن المديني، «سؤالات ابن أبي شيبة» 179.

فاللوم كله على القضاة الذين يمررون قضايا الطلاق بلا عِدة، فالعِدة وحدها لو تم تطبيقها، لما استطاع أحد أن يطلق إلا بجهد المقل، ويا حسرة على ما يحصل اليوم من تفتح وتيسير للمرأة لاضطهاد زوجها، وخلعه ثم مطالبته بالنفقة طوال حياته وحرمانه من رؤية أبنائه، وكل ذلك عكس الدين.

العدة قبل الطلاق.

ليس لها نفقة ولا سكنى بعد الطلاق.

حضانة الأبناء تكون لأبيهم.

ولكن الدنيا انقلبت رأساً على عقب.

لو جاء رجل وطلّق امرأته قبل يحصي العدة، فطلاقه هبو، ليس بشيء مطلقاً، ولو قَبِلَه الفقهاء المبدّلون، سحقاً لهم، قال نبيّ ٱلله ﷺ، ﴿سحقاً سحقاً لمن بدل بعدي﴾ أخرجه البخاري ومسلم، ✅.

إشكالية تطليقة ابن عمر

احتج بعض الفقهاء أن طلقة ابن عمر قد حسبت عليه رغم أنها طلقة بدعية، ونقول بأن احتجاجهم هذا مردود لعدة وجوه:

الوجه الأول أنه طلاق مخالف للۡقُرآن والحديث الصحيح.

الوجه الثاني أنه وقع قبل علمه بكيفية العدة والطلاق، ولم يبين النبي ﷺ كيفية العدة إلا بعد هذه الحادثة، فما كان قبل علمه بالحكم الصحيح، لا يعتبر حكماً شرعياً صحيحاً.

الوجه الثالث أنها حسبت كلامه هو، وكلامه ليس بوحي من الله، ولا يملك إقراراً من النبي ﷺ بوقوع طلاقه الأول قبل العلم وقبل معرفة الحق، بل العكس هو الصحيح، فقد غضب النبي ﷺ لفعله لأنه خالف الحق، وأمره بأن يرجعها ويطلقها بالشكل الصحيح، فالنبي ﷺ نفسه لم يحسبها شيئاً، والعبرة بما يفعله النبي ﷺ وليس بما يقرره ابن عمر رَضِيَ اللّٰه عَنْهُ.

الوجه الرابع أن الأحاديث فيه تعارضت أساساً، ولم تتفق جميعها على أنها كانت محسوبة، بل وردت في بعضها ما يفيد أنها لم تحسب ففي صحيح مسلم ورد بالحرف قال الرسول [ولم يرها شيئاً]، والروايات التي فُهم منها أنها احتسبت، لم تكن صريحة، بل كانت توحي بذلك إيحاءً، كقول ابن عمر، [فمَه؟ أرأيت إن استحمق؟!]، فهي ليست صريحة، إنما تحتمل، وما تطرق للاحتمال بطل به الاستدلال.

الوجه الخامس، لا يوجد دليل صريح أن الطلقة المحسوبة هي ذاتها الطلقة التي كانت قبل غضب النبي ﷺ وأمره إياه بإرجاعها، بل يحتمل أن يكون كلامه عن الطلقة الجديدة الصحيحة، هي التي احتسبت، يبقى الأمر محتَملاً، ولا يجوز الاحتجاج بالظن والاحتمال.

الوجه السادس والأهم، من أراد الاستدلال بحديث ابن عمر أنها احتسبت، فلا ينتقي من الحديث ما يشتهيه فقط ويترك الباقي، كأن يستدل ببعض الحديث ويترك بعضه، بل عليه أن يأخذ بالحديث كله، أي، على المطلق الطلاق البدعي أن يرجع امرأته بعد طلاقه إياها، ويمسكها حتى تحيض حيضة ثم يطلقها مجدداً كما فعل ابن عمر تماماً في طلاقه الذي اعتبر محسوباً، وإن لم يفعل هذا فلا يحق له الاستدلال بحديث ابن عمر رَضِيَ اللّٰه عَنْهُ أن طلقته احتسبت، ففي جميع الحالات، عليه أن يطبق الحديث كله كما هو، ولا يستقطع منه جزءً ويترك بقيته!

الوجه السابع، والذي يزيل هذا الاشكال بالمرة، لو كانت هذه الطلقة البدعية هي الطلقة الثالثة، فكيف سيمسكها ويرجعها وينتظر حيضة، وهي لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره؟!

فبجمع هذه الوجوه جميعها، لا يمكن البت والقطع بأن الطلقة البدعية تحتسب، وتبقى حدود الله هي الأساس، وكلام الله هو الحاكم في المسألة، ولا ينبغي مخالفته لفعل شخص أو لقوله مهما كان، فلا طلاق قبل العدة [فترة انتظار الحيضة]، إنما تكون الطلقة بعد العدة، وتكون بشهادة الشهود، وهذا لم يتحقق في طلقة ابن عمر أساساً.

وتكمن خطورة تمرير الطلاق اللفظي دون انتظار، في انتشار الطلاق وتسهيله على الزوج المغضب، أو العجول، أو الذي لم يدرس قراره بإحكام وروية، والذي يلحقه تدمير وتفكيك لأسر وضياع للأبناء ومشاكل أخرى كثيرة، كان الانتظار كفيلاً بحلها كلها، ولكن للأسف، هذا الذي نجده اليوم بين الناس، انتشر الطلاق السريع، لأن الفقهاء مرروه ووافقوا على تطليق الزوج العجول، ففسدت الأمة، وخرج جيل جديد تافه، بلا تربية ولا أدب ولا أخلاق، كله بسبب تمرير الطلاق البدعي.

الشهادة في الطلاق

أمر الله بإقامة الشهادة، بعد أن أمر بشاهدي ذوي عدل من الناس، قال ٱلله، ﴿فَإِذَا بَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ [أي العدة] فَأَمۡسِكُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٍ [ويُعد هذا تراجعاً عن قرار الطلاق] أَوۡ فَارِقُوهُنَّ بِمَعۡرُوفࣲ [وهذه هي الطلقة، وهي بعد العدة] ((وَأَشۡهِدُوا۟ ذَوَي عَدۡلࣲ مِّنكُمۡ وَأَقِیمُوا۟ ٱلشَّهَادَةَ لِلهِ ذلِكُمۡ یُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ یُؤۡمِنُ بِٱللهِ وَٱلۡیَوۡمِ ٱلۡآخِرِ)) وَمَن یَتَّقِ ٱللهَ یَجۡعَل لَّهُ مَخۡرَجࣰا﴾ [الطلاق 2].

الأمر بالإشهاد واضح جلي، ولكن الفقهاء حاموا حوله ليفسدوه، فمنهم من جعل الإشهاد على الرجعة وليس على الطلقة، بينما لا توجد رجعة في الآية، إنما هو الإمساك، وهو العدول عن قرار الطلاق، وهذا يحدث فترة العدة التي تسبق الطلاق، فلم يحصل الطلاق أساساً ليكون فيه رجعة! فكيف جُعل الإشهاد على الرجعة؟!

الإشهاد على الطلاق وليس على الرجعة، وهذا أمر الله، وقد كرر الأمر لأهميته، لم يكتف بالأمر بالإشهاد، إنما أمر الله بإقامته وهو الإتيان به على وجهه التام دون تقصير وخلل، ولكن بسبب عبث الفقهاء والمفسرين في الطلاق، وجعلهم الطلقة تسبق العدة، تهاونوا بالشهادة [بقولهم أنها سنة مستحبة وليست واجبة]، وهذه مخالفة صريحة لأمر الله في الآية، وبالرغم من ذلك، إلا أنهم اليوم يعملون بالشهادة في جميع محاكم المسلمين [كشرطٍ لازم للطلاق]، وهو عمل طيب وفيه تطبيق لأمر الله، ولكن،

هذه الشهادة التي تحصل في المحاكم ((شهادة زور))، وكل من يشهد على طلاق مطلق فهو ((شاهد زور))، لأن المطلق يطلق الطلقة في بيته وأثناء غضبه بلا شهود ولا أحد، ثم بعدها يذهب معها للقاضي ليوثقا هذه الطلقة، والقاضي حينها يطلب منه إحضار الشهود ليشهدوا له بأنه طلق، فيأتي الزوج بشاهدين ((لم يشاهدا الطلقة ولا يحضروها مطلقاً))، إنما يخبرهم الزوج بأنه قد حصل سابقاً كذا وكذا في بيته، فيشهدون على الطلقة بما يمليه المطلق عليهم بعد وقوع الطلقة منه، فإن شهدوا فهذه شهادة زورٍ لأنهم لم يشاهدوا الحادثة ولم يشهدوها، إنما أُخبروا بها إخباراً، فهم سيشهدون على خبر الزوج وليس على الطلاق نفسه، وهذا باطل، فمن مقتضيات الشهادة أن يشهد عليها الشاهد عياناً وليس إخباراً، ولهذا يسمى (شاهد عيان)، وهذا ما لا يحصل في الطلاقات اليوم، فكل الشهادات اليوم تُعتبر شهادة زور.

وشهادة الزور من أكبر الكبائر كما صح عن النبي ﷺ في حديث الكبائر، وهو للأسف يحصل كل يوم في كل المحاكم، فالشهود يشهدون على مالم يشاهدوه، إنما يشهدون ثقةً وتصديقاً لقول المطلق.

فإن أراد الزوج تصويب الشهادة، وإبعاد شبهة الزور عنها، عليه أن يطلقها الآن مجدداً أمامهما ليكونا شهداء بحق على الطلقة، فإن طلقها من جديد أمامهما، فكأنه أبطل بنفسه طلقته الأولى، ورأى أن تلك الطلقة لا قيمة لها وسيطلق الآن مجدداً، فبفعله هذا، هو يحتسب الطلقة الجديدة ويجعلها هي المشهود عليها، ولا يعتبر بالطلقة التي طلقها في البيت ولا يحتسبها.

فالزوج واقع بين نارين لا يستطيع الخروج من ورطته، إن حسب تطليقته القديمة فسيكونون الشهود شهود زور [كونهما لم يحضرا تلك الطلقة]، وإن طلقها أمامهما مجدداً الآن كيلا تكون شهادة زور [فقد أبطل تطليقته القديمة بنفسه ليقوم بتطلقة جديدة]، وهذه ليست حالات شاذة أو نادرة اليوم، بل تحصل للجميع، ولا يشذ عنها إلا القليل النادر، ممن يشهدون ذوي عدل عند الطلاق، ويقيمون الشهادة لله بعد أن اعتد معها وأتى بجميع شروط الطلاق وأهمها [أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه].

هذا التخبيص كله حصل لأن الطلاق اليوم طلاق وضعي، وضعه البشر [أبو حنيفة تحديداً ثم أرباب المذاهب]، وليس هو الطلاق الذي أمر به رب العالمين، الذي بيده ملكوت كل شيء، الذي خلق البشر وهو أعلم بهم وبمصلحتهم منهم، فجعل للنكاح شروطاً، وجعل للطلاق شروطاً وشدد فيه، ومنه الشاهدين اللّذَين لم يجعلهما لأجل النكاح مطلقاً، إنما خصصهما في الطلاق فقط، وشدد فيه فقال، ﴿..وَأَشۡهِدُوا۟ ذَوَي عَدۡلࣲ مِّنكُمۡ ((وَأَقِیمُوا۟ ٱلشَّهَادَةَ لِلهِ ذلِكُمۡ یُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ یُؤۡمِنُ بِٱللهِ وَٱلۡیَوۡمِ ٱلۡآخِرِ)) وَمَن یَتَّقِ ٱللهَ یَجۡعَل لَّهُ مَخۡرَجࣰا﴾ [الطلاق 2].

وإقامة الشهادة تعني أن تأتي بالشهادة على وجهها القويم الصحيح، دون عبث ودون تخريب وإخلال فيه، فكلمة [أقيموا] تعني أحسنوا واعدلوا وأتموا واضبطوا، وضدها التخريب والخلل والعبث.

قال ٱلله في الصلاة، ﴿وَلَا تَلۡبِسُوا۟ ٱلۡحَقَّ بِٱلۡبَاطِلِ وَتَكۡتُمُوا۟ ٱلۡحَقَّ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ۝ ((وَأَقِیمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ)) وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱرۡكَعُوا۟ مَعَ ٱلرَّاكِعِینَ﴾ [البقرة 42 - 43]، أي ائت بالصلاة كما أمرك الله والرسول ﷺ من وضوء واستقبال للقبلة في وقت الصلاة، وقيام وإحرام وسكوت وركوع وسجود وخشوع وتسليم وكل ما يتعلق بالصلاة، ولا تعبث فيها فتصليها بكيفية تشتهيها نفسك أو على مزاجك، أو تقدمها على وقتها فتصلي الفجر ليلاً.

وكما قال ٱلله، ﴿قُلۡ أَمَرَ رَبّي بِٱلۡقِسۡطِ ((وَأَقِیمُوا۟ وُجُوهَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدࣲ وَٱدۡعُوهُ مُخۡلِصِینَ)) لَهُ ٱلدِّینَ كَمَا بَدَأَكُمۡ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف 29]، وهذه تعني أن تخلص القصد لله عند كل مسجد [سجود وصلاة]، ولا تعبث فتجعل سجودك وصلاتك ظاهرها لله وهي لأجل الناس رياءً.

وكما قال ٱلله، ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ((أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ)) كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ ۝ وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ...﴾ [الشورى 13 ــ 14]، وهذه تعني أن تتدين بما أمر الله، على وجهه الصحيح، بألا تتفرق في الدين ولا تنشئ الفرق والأحزاب، ولا يلزم منه أن تكون قائما.

وكما قال ٱلله، ﴿وَأَقِیمُوا۟ ٱلۡوَزۡنَ بِٱلۡقِسۡطِ وَلَا تُخۡسِرُوا۟ ٱلۡمِیزَانَ﴾ [الرحمن 9]، أي ائت بالوزن على وجهه كما أمرك الله بالقسط، ولا تُدخل فيه هواك فتُطفف وتُخسر في الميزان.

فإقامة الشهادة لله تعني ألا تعبث بها كما يحصل اليوم في كل حالات الطلاق، فهم يشهدون زوراً على طلاقٍ لم يشاهدوه [إلا من رحم ربي وهم قليل نادر].

ولو التزم المسلمون بأوامر الله في الطلاق، لما صارت الشهادة شهادة زور، فالذي يطلق على دين الله كما أمر، سيحصي العدة وينتظرها حتى تبلغ أجل العدة، ثم يحضر شاهدي عدل، فيطلقها تطليقة بحضورهما وهما يشهدان، وهذا الذي يريده الله ويرضاه، هذا دينه، وليس دين أبو حنيفة وبقية الشباب.

الإشهاد عند ابن تيمية

في كتاب منهاج السنة النبوية، ذكر ابن تيمية عن الشيعة عدة أمور شابهوا فيها اليهود، والعجيب أنه ذكر منها الإشهاد في الطلاق!!، قال، "ﻣﺜﻞ ﺗﺤﺮﻳﻢ ﺑﻌﻀﻬﻢ ﻟﻠﺤﻢ اﻹﻭﺯ ﻭاﻟﺠﻤﻞ ﻣﺸﺎﺑﻬﺔ ﻟﻠﻴﻬﻮﺩ [وهذا كذب على الشيعة واليهود]، ﻭﻣﺜﻞ ﺟﻤﻌﻬﻢ ﺑﻴﻦ اﻟﺼﻼﺗﻴﻦ ﺩاﺋﻤﺎ ﻓﻼ ﻳﺼﻠﻮﻥ ﺇﻻ ﻓﻲ ﺛﻼﺛﺔ ﺃﻭﻗﺎﺕ ﻣﺸﺎﺑﻬﺔ ﻟﻠﻴﻬﻮﺩ، ﻭﻣﺜﻞ ﻗﻮﻟﻬﻢ: ﺇﻧﻪ ﻻ ﻳﻘﻊ اﻟﻄﻼﻕ ﺇﻻ ﺑﺈﺷﻬﺎﺩ ﻋﻠﻰ اﻟﺰﻭﺝ، ﻣﺸﺎﺑﻬﺔً ﻟﻠﻴﻬﻮﺩ" [منهاج السنة 37].

الغريب في المسألة، أن الإشهاد على الطلاق فيه آية في ٱلۡقُرآن في سورة الطلاق، قال ٱلله، ﴿فَإِذَا بَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ [أي أجل العدة] فَأَمۡسِكُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٍ أَوۡ فَارِقُوهُنَّ بِمَعۡرُوفࣲ (((وَأَشۡهِدُوا۟ ذَوَي عَدۡلࣲ مِّنكُمۡ وَأَقِیمُوا۟ ٱلشَّهَادَةَ لِلهِ ذلِكُمۡ یُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ یُؤۡمِنُ بِٱللهِ وَٱلۡیَوۡمِ ٱلۡآخِرِ))) وَمَن یَتَّقِ ٱللهَ یَجۡعَل لَّهُ مَخۡرَجࣰا﴾ [الطلاق 2].

الإشهاد على الطلاق ليس من اختراع الشيعة ولا اليهود، وإن عملوا به فلا ينبغي نسبته إليهم، بل هو على المسلمين جميعاً بأمر من الله، وإن كان هذا فعلاً من عمل الشيعة فهم مصيبون في هذه، ومن خالف الآية من المسلمين فطلاقه ليس بشيء حتى يقيم الشهادة لله، ولا عبرة بما قاله أهل السنة بأن الإشهاد (سُنة) ليتساهلوا في تركه مخالفةً الآية.

أمرٌ عجيب، يأمر الله بأمر، ثم يخالفه جميع أهل السنة (الذين يدّعون التمسك بٱلۡقُرآن والسنة)، وثم يقول شيخهم الأكبر بأن هذا (من عمل الشيعة، مشابهةً لليهود)!، قوية.

هل هذا خطأ أم جهل ممن يصفونه بشيخ الاسلام؟!، أم الحقيقة أنه تعمد تنفير المسلمين من أمر الله عبر إلصاقه بالشيعة واليهود ليقع الطلاق بسهولة، دون تعقيد الشهود، مواطئةً من ابن تيمية لمساعي إبليس الذي يحب التفريق بين المرء وزوجه؟!

العجيب أنه كرر هذه المسألة في كتابه عدة مرات، ليثبت أن هذا الشرط شرطٌ منكر، حتى يتركه وينفر منه المسلم ويخاف، وهو من أصل دين الله.

قال ابن تيمية، "ﻓﻤﻦ اﻟﻨﺎﺱ ﻣﻦ ﻳﻌﺪ ﻣﻦ ﺑﺪﻋﻬﻢ اﻟﺠﻬﺮ ﺑﺎﻟﺒﺴﻤﻠﺔ، ﻭﺗﺮﻙ اﻟﻤﺴﺢ ﻋﻠﻰ اﻟﺨﻔﻴﻦ ﺇﻣﺎ ﻣﻄﻠﻘﺎ، ﻭﺇﻣﺎ ﻓﻲ اﻟﺤﻀﺮ، ﻭاﻟﻘﻨﻮﺕ ﻓﻲ اﻟﻔﺠﺮ، ((((ﻭﻣﻨﻊ ﻟﺰﻭﻡ اﻟﻄﻼﻕ اﻟﺒﺪﻋﻲ))))، ﻭﺗﺴﻄﻴﺢ اﻟﻘﺒﻮﺭ، ﻭﺇﺳﺒﺎﻝ اﻟﻴﺪﻳﻦ ﻓﻲ اﻟﺼﻼﺓ" [منهاج السنة 1/44].

يسميه طلاقاً بدعياً ويريد إلزامه المسلمين، والذي يمنع ويرد هذه البدعة، يعتبرها ابن تيمية بأنها من منكرات الشيعة!

وقال كذلك، "ﻭﻣﺜﻞ ﺻﻮم ﺑﻌﻀﻬﻢ ﺑﺎﻟﻌﺪﺩ ﻻ ﺑﺎﻟﻬﻼﻝ، ﻳﺼﻮﻣﻮﻥ ﻗﺒﻞ اﻟﻬﻼﻝ ﻭﻳﻔﻄﺮﻭﻥ ﻗﺒﻠﻪ، ﻭﻣﺜﻞ ﺫلك ﻣﻦ اﻷﺣﻜﺎﻡ اﻟﺘﻲ ﻳﻌﻠﻢ ﻋﻠﻤﺎ ﻳﻘﻴﻨﻴﺎ ﺃﻧﻬﺎ ﺧﻼﻑ ﺩﻳﻦ اﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ، اﻟﺬﻱ ﺑﻌﺚ اﻟﻠﻪ ﺑﻪ ﺭﺳﻮﻟﻪ ﷺ ﻭﺃﻧﺰﻝ ﺑﻪ ﻛﺘﺎﺑﻪ. [ﻭﻗﺪ ﻗﺪﻣﻨﺎ ﺫﻛﺮ ﺑﻌﺾ ﺃﻣﻮﺭﻫﻢ اﻟﺘﻲ ﻫﻲ ﻣﻦ ﺃﻇﻬﺮ اﻷﻣﻮﺭ ﺇﻧﻜﺎﺭا ﻓﻲ اﻟﺸﺮﻉ ﻭاﻟﻌﻘﻞ] ﻭﻟﻬﻢ ﻣﻘﺎﻻﺕ، ﺑﺎﻃﻠﺔ ﻭﺇﻥ ﻛﺎﻥ ﻗﺪ ﻭاﻓﻘﻬﻢ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺑﻌﺾ اﻟﻤﺘﻘﺪﻣﻴﻦ: ﻣﺜﻞ ﺇﺣﻼﻝ اﻟﻤﺘﻌﺔ ﻭﺃﻥ اﻟﻄﻼﻕ اﻟﻤﻌﻠﻖ ﺑﺎﻟﺸﺮﻁ ﻻ ﻳﻘﻊ ﻭﺇﻥ ﻗﺼﺪ ﺇﻳﻘﺎﻋﻪ ﻋﻨﺪ اﻟﺸﺮﻁ، ﻭﺃﻥ اﻟﻄﻼﻕ ﻻ ﻳﻘﻊ ﺑﺎﻟﻜﻨﺎﻳﺎﺕ، ((ﻭﺃﻧﻪ ﻳﺸﺘﺮﻁ ﻓﻴﻪ الإشهاد))" [منهاج السنة 3/420].

عجيب، فعلاً عجيب من شخص جعلوه شيخاً للاسلام!، يقول أقوالا يخالف فيها رب الإسلام.

معنى لفظة (العدة)

أهم الشروط في الطلاق على الإطلاق، هو أن ((تكون العِدة قبل الطلاق))، وهذا أهم شرط من شروط الطلاق [وكلها شروط مهمة] إلا أن (العِدة) أهم من بقية الشروط التي هي : تحصي العدة فتفرق بين حالات النساء، وألا تخرجها من البيت فترة (العدة)، وأن تسكنها حيث وُجدتَ حتى تبلغ أجل (العدة)، وأن تطلقها بعد العدة، وأن تشهد شاهدي عدل وتقيم الشهادة.

والعدة أهمها، لما فيها من فرصة لمراجعة النفس، وتهدئة فورة الغضب، والتفكير فيما سيؤول إليه الحال بعد الفراق، من تشتيت وضياع للأبناء ومشاكل مجتمعية كثيرة بعدها، وفي العدة ذكر الله العلة فقال في خاتمة الآية الأولى، ﴿..لَا تَدۡري لَعَلَّ ٱللهَ یُحۡدِثُ بَعۡدَ ذَلِكَ أَمۡرا﴾ [الطلاق 1].

ولاحظ الاسم [عِدة]، من الإعادة والعودة (أي الرجوع)، فسماها الله بالعِدة، لأنها من أعظم مسببات عودتهما لبعض، فالعدة حتى (يعود لها، وتعود هي إليه) خلالها، وكل ما فيه عودة فهو عِدة.

ومن مشتقاتها كلمة (العيد)، وسمي العيد عيداً، لأنه يعود ويتكرر كل مرة.

والشهور (عدة)، لأنها تعود كل فترة، فسماها الله (عدة الشهور)، قال ٱلله، ﴿إِنَّ ((عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ)) عِندَ ٱللهِ ٱثۡنَا عَشَرَ شَهۡرࣰا فِي كِتَابِ ٱللهِ یَوۡمَ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلۡأَرۡضَ مِنۡهَاۤ أَرۡبَعَةٌ حُرُمࣱ ذَلِكَ ٱلدِّینُ ٱلۡقَیِّمُ فَلَا تَظۡلِمُوا۟ فِیهِنَّ أَنفُسَكُمۡ وَقَاتِلُوا۟ ٱلۡمُشۡرِكِینَ كَاۤفَّةࣰ كَمَا یُقَاتِلُونَكُمۡ كَاۤفَّةࣰ وَٱعۡلَمُوۤا۟ أَنَّ ٱللهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِینَ﴾ [التوبة 36].

وقال في نفس الآية، ﴿وَقَاتِلُوا۟ ٱلۡمُشۡرِكِینَ كَاۤفَّةࣰ كَمَا یُقَاتِلُونَكُمۡ كَاۤفَّةࣰ﴾، لأن الكفار يقاتلوننا دائماً، يعودون فيه، فنعود فيه.

قال ٱلله، ﴿..وَلَا یَزَالُونَ یُقَاتِلُونَكُمۡ حَتَّىٰ یَرُدُّوكُمۡ عَن دِینِكُمۡ إِنِ ٱسۡتَطَاعُوا۟..﴾ [البقرة 217]، فالحرب بيننا وبين الكفار سجال، لن تتوقف، تعود دائماً، قال عن اليهود، ﴿عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن یَرۡحَمَكُمۡ ((وَإِنۡ عُدتُّمۡ عُدۡنَا)) وَجَعَلۡنَا جَهَنَّمَ لِلۡكَافِرِینَ حَصِیرًا﴾ [الإسراء 8].

وسمى اللّٰه التجهز الدائم لحربهم (عُدة)، كونه يعود كل مدة، قال ٱلله، ﴿((وَأَعِدُّوا۟)) لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةࣲ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَیۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ ٱللهِ وَعَدُوَّكُمۡ...﴾ [الأنفال 60]، وقال عن المنافقين، ﴿وَلَوۡ أَرَادُوا۟ ٱلۡخُرُوجَ ((لَأَعَدُّوا۟ لَهُ عُدَّةࣰ)) وَلَكِن كَرِهَ ٱللهُ ٱنۢبِعَاثَهُمۡ فَثَبَّطَهُمۡ وَقِیلَ ٱقۡعُدُوا۟ مَعَ ٱلۡقَاعِدِینَ﴾ [التوبة 46].

وفي رمضان، إن كنت مريضاً أو على سفر، فعليك أن تعيد هذا الصيام، قال الله، ﴿..وَمَن كَانَ مَرِیضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرࣲ ((فَعِدَّةࣱ مِّنۡ أَیَّامٍ أُخَرَ)) یُرِیدُ ٱللهُ بِكُمُ ٱلۡیُسۡرَ وَلَا یُرِیدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ ((وَلِتُكۡمِلُوا۟ ٱلۡعِدَّةَ)) وَلِتُكَبِّرُوا۟ ٱللهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ [البقرة 185]، فالعدة عودة، تعود فيه لصيامك فتعيده، وتعود إليه بعد انقضاء رمضان.

ومن مشتقاتها (عيادة المريض)، في وقتٍ يفارق المريض متع الدنيا، ويتركه الناس لوحده فيزداد هماً فوق هم، فيمكث عنده العاد يسليه ويواسيه حتى تعود له العافية ويرجع لحياته، فعيادة المريض فيها علاج [نفسي] مهم للمريض نفسه، ولو بقي وحيداً لزاد مرضه من الوحشة، ولمات هماً وكمداً من وحدته، وأمرنا النّبي ﷺ بعيادة المريض.

وفي أصحاب الكهف قال ٱلله، ﴿قُل رَّبِّي أَعۡلَمُ ((بِعِدَّتِهِم)) مَّا یَعۡلَمُهُمۡ إِلَّا قَلِیلࣱ،..﴾ [الكهف 22]، قال ﴿بِعِدَّتِهِم﴾ ولم يقل (قل ربي أعلم بعددهم)، والكلام هنا عن العدد، ولكن لأن هذا العدد، يعود الناس في محاولة معرفته مراراً وتكراراً وهذا حاصلٌ إلى اليوم، بشاهد قول الله [سيقولون ثلاثة،.. ويقولون خمسة،.. ويقولون سبعة،..]، فهذه الأفعال كلها ستتكرر في المستقبل، ولا يعلمهم عددهم إلا قليل، والجميع يتكلم فيه دائماً فهو عدد وعِدة معاً، ولكن اللّٰه ذكر العدة وحدها لكونها تعاد وتتكرر.

ولا علاقة لهذا الاسم [عِدة] بعدد الأيام، فعدة الطلاق ليست محددة بزمن معين، إنما حتى يأتي الحيض وهو أمر مفاجئ يصعب تحديده بدقة، وكذلك الولادة، فالحامل لا تعرف في أي يوم ستلد [رغم أنها تجد أشراطها وأماراتها]، أما طلاق [اليائس من المحيض]، فهي من الحالات النادرة جداً في الطلاق، فالرجل الذي في هذا العمر لا يطلق غالباً، وإن حصل وأراد الطلاق، فقد عسره الله عليه أكثر وأكثر من غيره، حيث جعلها ثلاثة أشهر، وهذا انتظار طويل وشاق ومتعب، لأنها خدمته وأعانته سنين عديدة، فاستحقت التشديد في طلاقها.

والعجيب، أن الله لم يسم [عِدة] للمرأة المتوفى عنها زوجها، إنما قال [تربص]، لأن الموت لا عودة فيه، قال اْلله، ﴿((وَٱلَّذِینَ یُتَوَفَّوۡنَ مِنكُمۡ وَیَذَرُونَ أَزۡوَاجࣰا یَتَرَبَّصۡنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرۡبَعَةَ أَشۡهُرࣲ وَعَشۡرࣰا)) فَإِذَا بَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَیۡكُمۡ فِیمَا فَعَلۡنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَٱللهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِیرࣱ﴾ [البقرة 234]، الذي يسمي تربص الأرملة (عدة الأرملة) هم الشيوخ الجهّال.

العدة تكون لأجل العَودة، والميت لن يعود، فلَم يسمها الله (عدة)، ولا حتى النّبي ﷺ سماها (عدة) مطلقاً، إنما سماه النبي ﷺ (حداد)، تحد المرأة على زوجها، وكذا في جميع ما صح عن النّبي ﷺ.

عن زينب بنت أبي سلمة، قالت: دخلت على زينب بنت جحش حين توفي أخوها، فدعت بطيب، فمست منه، ثم قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة؛ «غير أني سمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا»

التخريج:

أخرجه مالك، وأحمد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وأبو يعلى. واللفظ لمسلم 4/202 (3719). ✅

فمن عجائب الشيوخ والفقهاء، تسميتهم لحداد المرأة بعد وفاة زوجها [عِدة]، فكيف تكون عدة؟!، وهو لن يعود لها بعد موته!

عدد الطلقات

الطلاق ثلاثة طلقات، وليست طلقتان كما فهم البعض من قول اْلله، ﴿ٱلطَّلَاقُ مَرَّتَانِ..﴾ [البقرة 229]، إنما هي ثلاثة طلقات.

والأدلة أن الطلاق ثلاثة، وليست اثنتان كالتالي:

✺ 1. سياق الآية:

قال اْلله، ﴿((ٱلطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمۡسَاكٌ بِمَعۡرُوفٍ أَوۡ تَسۡرِیحٌ بِإِحۡسَانࣲ)) وَلَا یَحِلُّ لَكُمۡ أَن تَأۡخُذُوا۟ مِمَّاۤ ءَاتَیۡتُمُوهُنَّ شَیۡـًٔا إِلَّاۤ أَن یَخَافَاۤ أَلَّا یُقِیمَا حُدُودَ ٱللهِ فَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا یُقِیمَا حُدُودَ ٱللهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَیۡهِمَا فِیمَا ٱفۡتَدَتۡ بِهِ تِلۡكَ حُدُودُ ٱللهِ فَلَا تَعۡتَدُوهَا وَمَن یَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللهِ فَأُو۟لَئكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ ۝ ((فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنۢ بَعۡدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوۡجًا غَیۡرَهُ)) فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَیۡهِمَاۤ أَن یَتَرَاجَعَاۤ إِن ظَنَّاۤ أَن یُقِیمَا حُدُودَ ٱللهِ وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللهِ یُبَیِّنُهَا لِقَوۡمࣲ یَعۡلَمُونَ﴾ [البقرة 229 - 230].

في الآية الأولى، ذكر الطلاق مرتان، وجعل فيهما اختيار العودة من غير أن تنكح زوجاً غير الأول، قال، ﴿فَإِمۡسَاكٌ بِمَعۡرُوفٍ أَوۡ تَسۡرِیحٌ بِإِحۡسَانࣲ﴾، فالتي قال الله عنها ﴿حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوۡجًا غَیۡرَهُ﴾، ليست ضمن هاتين المرتين، إنما هي الطلقة الثالثة.

فلكل طلقة خصائص ولواحق تلحقها، لا تتشابه جميعها، الطلقة الثالثة لا تشبه الطلقتان الأولان، ففي الطلقتان الأولان، تستطيع إرجاعها، ولكن في الثالثة لا تستطيع.

✺ 2. الطلاق في عهد النّبي ﷺ:

عن طاوس، أن أبا الصهباء، قال لابن عباس: هات من هناتك، ألم يكن ((الطلاق الثلاث على عهد رسول الله ﷺ، وأبي بكر واحدة؟)) فقال: قد كان ذلك، فلما كان في عهد عمر، تتايع الناس في الطلاق، فأجازه عليهم".

التخريج:

أخرجه إسحاق بن راهويه، وأحمد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وأبو عوانة، والطبراني، والدارقطني، والبيهقي. ✅

✺ 3. حديث آخر صحيح:

عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، عن عائشة، ((أن رجلاً طلق امرأته ثلاثاً)) فتزوجها آخر، فطلقها قبل أن يمسها، فسئل رسول الله ﷺ: أتحل للأول؟ فقال: لا، حتى يذوق عسيلتها كما ذاق الأول».

وفي رواية: ((طلق رجل امرأته ثلاثاً)) فتزوجها رجل، ثم طلقها قبل أن يدخل بها، فأراد زوجها الأول أن يتزوجها، فسئل رسول الله ﷺ، عن ذلك، فقال: لا، حتى يذوق الآخر من عسيلتها ما ذاق الأول»

التخريج:

أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة، وأحمد، والبخاري، ومسلم، والنسائي، وأبو يعلى. ✅

✺ 4. القروء ثلاثة:

ذكر اْلله قبل آية [الطلاق مرتان]، كلمة، منها تتيقن جزماً وتقطع به وتقسم، أن الطلاق ثلاثة وليست طلقتان.

قال ٱلله، ﴿((وَٱلۡمُطَلَّقَاتُ یَتَرَبَّصۡنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوۤءࣲ/قُرُوّ)) وَلَا یَحِلُّ لَهُنَّ أَن یَكۡتُمۡنَ مَا خَلَقَ ٱللهُ فِي أَرۡحَامِهِنَّ إِن كُنَّ یُؤۡمِنَّ بِٱللهِ وَٱلۡیَوۡمِ ٱلۡآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنۡ أَرَادُوۤا۟ إِصۡلَاحࣰا...﴾ [البقرة 228].

وقرأ هشام بن عمار، عن عبدالله بن عامر، عن المغيرة بن أبي شهاب، عن أبي الدرداء وعثمان، عن النّبي ﷺ، ((ثلاثة قرو)).

حضانة الأبناء

1. الأبناء يتبعون للأب دائماً وأبداً، المسؤولية تكون على ظهر الأب، كما أن أسماءهم تعود إلى أبيهم [يدعون لأبيهم]، قال ٱلله، ﴿((ٱدعُوهمۡ لِآبَاۤئهِمۡ هُوَ أَقۡسطُ عِند ٱللهِ)) فَإِن لَّمۡ تَعۡلَمُوۤا۟ ءَابَاۤءَهُمۡ فَإِخۡوَانُكُم في ٱلدّینِ وَموَالِیكُمۡ،....﴾ [الأحزاب 5].

2. الأب هو المسؤول عن بنيه حتى بعد تطليق أمهم، وعليه نفقتهم، وليست النفقة على أمهم، وإن كان الابن رضيعاً فيعرضه الأب على الأم عرضاً، فإن قبلت بإرضاعه، فيكون أجر الرضاعة على الرجل كونه هو المسؤول عنهم وليست هي، قال الله، ﴿أَسۡكِنُوهُنَّ مِنۡ حَیۡثُ سَكَنتُم مِّن وُجۡدِكُمۡ وَلَا تُضَاۤرُّوهُنَّ لِتُضَیِّقُوا۟ عَلَیۡهِنَّ وَإِن كُنَّ أُو۟لَاتِ حَمۡلࣲ فَأَنفِقُوا۟ عَلَیۡهِنَّ حَتَّىٰ یَضَعۡنَ حَمۡلَهُنَّ ((فَإِنۡ أَرۡضَعۡنَ لَكُمۡ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأۡتَمِرُوا۟ بَینَكم بِمَعۡرُوفࣲ وَإِن تَعَاسَرۡتُمۡ فَسَترۡضِعُ لَهُ أُخۡرَىٰ))﴾ [الطلاق 6].

أمر الله ((لرضاعتها)) أجراً، فالرضاعة تكون بمقابل الأجر، يعطيها مالاً مقابل إرضاعها، لأنه هو المسؤول عن الرضيع، وليست هي، ولو كانت هي الأحق بالرضيع، فلم يدفع لها أجراً؟!، إنما كان الأجر شاهداً أن الابن تابعٌ لأبيه وليس لأمه المطلقة.

3. وإن تعاسروا بينهما [اختلفوا]، فيأخذ الأب الرضيع إلى مرضعة أخرى غير أمه، ويعطيها أجراً مقابل إرضاعها، قال ٱلله فيها ﴿فَستُرضِعُ ((لَهُ)) أخرَىٰ﴾، قال ﴿لَهُ﴾ ولم يقل (فسترضع لها أخرى) لأن المرضعة ترضع لصالح الأب، وليس لصالح الأم المطلقة، وإن كانت الأحقية للأم التي وضعت الوليد، فكيف ترضع له أخرى؟!

4. الأبناء منذ ولادتهم، هم في حضانة الأب، وليس للمطلقة بعد الطلاق شيء [إلا المتابع للبائنة]، وليس لها سكنى ولا نفقة (هذا قول النّبي ﷺ) ولا حضانة للولد ولا شيء، ولكن بعد الطلقة الثالثة، حين تسمى مطلقة، جعل الله لها حقاً متاعاً بالمعروف، قال ٱلله، ﴿وَلِلۡمُطَلَّقَاتِ مَتَاعُۢ بِٱلۡمَعۡرُوفِ حَقًّا عَلَى ٱلۡمُتَّقِين﴾ [البقرة 241]، والمتاع مرة واحدة، وليس كالنفقة الدائمة.

5. نهانا الله أن نسلم أموالنا للصبية والنساء فيتصرفوا بها كما يشاؤون، قال ٱلله، ﴿وَءَاتُوا۟ ٱلنِّسَاۤءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحۡلَةࣰ فَإِن طِبۡنَ لَكُمۡ عَن شَيءࣲ مِّنۡهُ نَفۡسࣰا فَكُلُوهُ هَنِیۤـࣰٔا مَّرِیۤـࣰٔا ۝ ((وَلَا تُؤۡتُوا۟ ٱلسُّفَهَاۤءَ أَمۡوَالَكُمُ ٱلَّتِي جَعَلَ ٱللهُ لَكُمۡ قِیَامࣰا)) وَٱرۡزُقُوهُمۡ فِیهَا وَٱكۡسُوهُمۡ وَقُولُوا۟ لَهُمۡ قَوۡلࣰا مَّعۡرُوفࣰا ۝ ((وَٱبۡتَلُوا۟ ٱلۡیَتَامَىٰ حَتَّىٰۤ إِذَا بَلَغُوا۟ ٱلنِّكَاحَ فَإِنۡ ءَانَسۡتُم مِّنۡهُمۡ رُشۡدࣰا فَٱدۡفَعُوۤا۟ إِلَیۡهِمۡ أَمۡوَالَهُمۡ وَلَا تَأۡكُلُوهَاۤ إِسۡرَافࣰا وَبِدَارًا أَن یَكۡبَرُوا۟)) وَمَن كَانَ غَنِیࣰّا فَلۡیَسۡتَعۡفِفۡ وَمَن كَانَ فَقِیرࣰا فَلۡیَأۡكُلۡ بِٱلۡمَعۡرُوفِ فَإِذَا دَفَعۡتُمۡ إِلَیۡهِمۡ أَموا لَهُمۡ فَأَشۡهِدُوا۟ عَلَیۡهِمۡ وَكَفَىٰ بِٱللهِ حَسِیبࣰا﴾ [النساء 4 - 6]، سياق الآية التي فيها كلمة السفهاء، الكلام فيها عن الأيتام والنساء، والأيتام تزول عنهم هذه النعتة (أيتام) إذا بلغوا النكاح، يعني كلمة الأيتام تقال للصغار فقط، الذين مات أبوهم.

6. قال ٱلله، ﴿وَٱلۡوَالِدَاتُ یُرۡضِعۡنَ أَوۡلَادَهُنَّ حَوۡلَیۡنِ كَامِلَیۡنِ لِمَنۡ أَرَادَ أَن یُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ ((وَعَلَى ٱلۡمَوۡلُودِ لَهُ)) رِزۡقُهُنَّ وَكِسۡوَتُهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفۡسٌ إِلَّا وُسۡعَهَا لَا تُضَاۤرَّ وَالِدَةُ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوۡلُودࣱ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى ٱلۡوَارِثِ مِثۡلُ ذَلِكَ فَإِنۡ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضࣲ مِّنۡهُمَا وَتَشَاوُرࣲ فَلَا جُنَاحَ عَلَیۡهِمَا وَإِنۡ أَرَدتُّمۡ أَن تَسۡتَرۡضِعُوۤا۟ أَوۡلَادَكُمۡ فَلَا جُنَاحَ عَلَیۡكُمۡ إِذَا سَلَّمۡتُم مَّاۤ ءَاتَیۡتُم بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَٱتَّقُوا۟ ٱللهَ وَٱعۡلَمُوۤا۟ أَنَّ ٱللهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِیرࣱ﴾ [البَقَرَةِ 233].

(المولود له) هو الزوج، فقد وُلد له المولود، ونُسب إليه.

الوالدات يرضعن المولود، ولكن من الذي ينفق عليهن ويكسوهن ويرزقهن؟! هو الزوج (المولود له)، هذه عليه هو، مسؤوليه هو.

فالمعنى : وعلى الزوج كسوتهن ورزقهن بالمعروف، ولكن بدل الزوج قال (المولود له)، طبعاً كلمة المولود له، تدل أن المولود يُلحق بأبيه وليس بأمه، فالحضانة للأب وليست للأم.

جعل الفقهاء الحضانة للأم استناداً على حديثين ضعيفين (أنتِ أحق به ما لم تنكحي) وحديث (تخيير الصبي بين الأبوين) وأهملوا ٱلۡقُرآن بتاتاً، والحديثين كالتالي:

أخرجه عبد الرزاق وأحمد وأبو داود بسندهم عن عمرو بن شعيب [ضعيف جداً، خاصةً إذا روى عن أبيه عن جده ❌]، عن أبيه شعيب بن محمد، عن جده عبد الله بن عمرو؛ «أن امرأة طلقها زوجها، وأراد أن ينتزع ولدها منها، فجاءت النبي ﷺ، فقالت: يا رسول الله: حين كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء، أراد أبوه أن ينتزعه مني؟ فقال رسول الله ﷺ: أنت أحق به ما لم تزوجي» (اللفظ لعبدالرزاق).

التخريج:

إسناده ضعيف ❌، بسبب ضعف عمرو بن شعيب، خاصةً حين يروي عن أبيه عن جده، يشتد ضعفه.

طلاق الغائب

هذا الحديث كذلك من الأسباب التي دفعت الفقهاء لأن يجعلوا العدة بعد الطلاق!، وهو سوء فهم منهم للأحاديث والأحداث الخاصة، العدة في ٱلۡقُرآن وفي الأحاديث الصحيحة تكون قبل الطلاق، وليست بعده، ولا يمكن أن يتعارض الدين أو ينقض بعضه بعضاً.

الحديث التالي، كانت العدة فيه بعد الطلاق [[وليس قبل الطلاق كما هو في ٱلۡقُرآن والحديث الصحيح]]، ولكن هذا الطلاق كان مختلفاً عن الوضع الشائع السائد المعروف، هذا الطلاق كان للغائب [وهذا يدخل ضمن الحالات النادرة]، فالغائب له حكم خاصٌ فيه لأنه غائب، الغائب لا يستطيع أن يُسكن امرأته معه في البيت كونه كان غائباً عنها، ففي مثل هذه الحالة، يحكم فيها الحاكم أو القاضي بما يراه مناسباً بعد اجتهادٍ منه، ولهذا رفعت فاطمة بنت قيس قضيتها للنبي ﷺ كونه ولي الأمر، ليقضي في أمرها، فحكم لها أن تعتد بعد طلقتها (الثالثة)، فلم يجعل لها العدة في بيت زوجها كونه ليس بحاضرٍ معها، إنما كان مسافرا طلقها عبر رسالة أرسلها، وهذه الحالات النادرة مردها لولي الأمر يقضي فيها بما يراه مناسباً لظروف كل حالة، ولا ينبغي معارضة هذه القضية بما أمر الله به في شأن الطلاق، ((من أن العدة تكون قبل الطلاق وليست بعده))، ذلك أن هذه الحالة تعتبر من الحالات النادرة، ولا تحصل غالباً مع أكثر الناس، والحالات النادرة وأشباهها مردها لولي الأمر [القاضي]، ويبقى حكم الله في الطلاق ثابتاً كما هو لبقية الناس [العدة قبل الطلاق].

اقرأ الحديث بتمعن وانظر السياق لتعلم أنه أمر خاص.

عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن فاطمة بنت قيس؛ «أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة، وهو غائب بالشام، فأرسل إليها وكيله بشعير، فسخطته، فقال: والله ما لك علينا من شيء، فجاءت رسول الله ﷺ، فذكرت ذلك له، فقال: ليس لك عليه نفقة، وأمرها أن تعتد في بيت أم شريك، ثم قال: تلك امرأة يغشاها أصحابي، اعتدي عند عبد الله ابن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى، تضعين ثيابك عنده، فإذا حللت فآذنيني، قالت: فلما حللت ذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان، وأبا جهيم بن هشام خطباني، فقال رسول الله ﷺ: أما أبو جهيم، فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية، فصعلوك لا مال له، انكحي أسامة بن زيد، قالت: فكرهته، ثم قال: انكحي أسامة بن زيد، فَنكحته، فجعل الله في ذلك خيراً، واغتبطت به».
روايات أخرى للحديث:
  • رواية ثانية: «عن فاطمة بنت قيس، أنها كانت تحت أبي عمرو بن حفص بن المغيرة، فطلقها آخر ثلاث تطليقات، فزعمت أنها جاءت رسول الله ﷺ، فاستفتته في خروجها من بيتها، فأمرها أن تنتقل إلى بيت ابن أم مكتوم الأعمى»

أخرجه مالك، وأحمد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي.

(1) اللفظ لمالك في «الموطأ» (1837) عن عبد الله بن يزيد، مولى الأسود بن سفيان، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، به.

(2) اللفظ لأحمد (27982) قال: حدثنا حجاج، قال: حدثنا ليث، يعني ابن سعد، قال: حدثني عقيل بن خالد، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، به. ✅

عن أبي بكر بن أبي الجهيم، قال: سمعت فاطمة بنت قيس، قالت: «أرسل إلي زوجي أبو عمرو بن حفص بن المغيرة، عياش بن أبي ربيعة بطلاقي، وأرسل إلي بخمسة آصع (جمع صاع) شعير، وخمسة آصع من تمر، فقلت: ما لي غير هذا، ولا أعتد في بيتكم؟ قال: لا، فشددت علي ثيابي، ثم أتيت النبي ﷺ، فقال: كم طلقك؟ قلت: ثلاثاً، قال: صدق، وليس لك نفقة، اعتدي في بيت ابن عمك ابن أم مكتوم، فإنه ضرير البصر، تلقين ثيابك عنك، فإذا انقضت عدتك فآذنيني، فخطبني خطاب، منهم معاوية، وأبو الجهيم، فقال رسول الله ﷺ: أما معاوية، ترب خفيف الحال، وأبو الجهيم يضرب النساء، أو فيه شدة على النساء، ولكن عليك بأسامة بن زيد، أو قال: انكحي أسامة بن زيد».
روايات أخرى:
  • رواية ثانية: «عن أبي بكر بن أبي الجهيم بن صخير العدوي، قال: سمعت فاطمة بنت قيس تقول: إن زوجها طلقها ثلاثاً، فلم يجعل لها رسول الله ﷺ، سكنى، ولا نفقة، قالت: قال لي رسول الله ﷺ: إذا حللت فآذنيني، فآذنته، فخطبها معاوية، وأبو جهيم، وأسامة بن زيد، فقال رسول الله ﷺ: أما معاوية، فرجل ترب لا مال له، وأما أبو جهيم، فرجل ضراب للنساء، ولكن أسامة بن زيد، فقالت بيدها هكذا: أسامة، أسامة، فقال لها رسول الله ﷺ: طاعة الله وطاعة رسوله خير لك، قالت: فتزوجته، فاغتبطت»

أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة، وأحمد، وعبد بن حميد، ومسلم، وابن ماجه، والترمذي، والنسائي.

(1) اللفظ للنسائي في «الكبرى» (9397) قال: أخبرنا عمرو بن علي، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، عن أبي بكر بن أبي الجهيم، به.

(2) اللفظ لمسلم 4/198 (3705) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن أبي بكر بن أبي الجهيم بن صخير العدوي، به. ✅

عن أبي بكر بن أبي الجهيم، قال: دخلت أنا وأبو سلمة على فاطمة بنت قيس، قال: فقالت: «طلقتني زوجي فلم يجعل لي سكنى ولا نفقة، قالت: ووضع لي عشرة أقفزة عند ابن عم له: خمسة شعير، وخمسة تمر، قالت: فأتيت رسول الله ﷺ، فقلت ذلك له، قال: فقال: صدق، فأمرني أن أعتد في بيت فلان، قال، وكان طلقها طلاقاً بائناً».
روايات أخرى:
  • رواية ثانية: «عن أبي بكر بن أبي الجهيم، قال: دخلت أنا وأبو سلمة بن عبد الرحمن على فاطمة بنت قيس، فحدثت أن زوجها طلقها ثلاثاً، ولم يجعل لها سكنى ولا نفقة، قالت: ووضع لي عشرة أقفزة عند ابن عم له، خمسة شعير، وخمسة بر، قالت: فأتيت رسول الله ﷺ، فذكرت ذلك له، قالت: فقال: صدق، فأمرني أن أعتد في بيت أم شريك، ثم قال لي رسول الله ﷺ: إن بيت أم شريك بيت يغشاه المهاجرون، ولكن اعتدي في بيت ابن أم مكتوم، فعسى أن تلقين ثيابك فلا يراك، فإذا انقضت عدتك فجاء أحد يخطبك فآذنيني، فلما انقضت عدتي خطبني أبو جهيم ومعاوية، قالت: فأتيت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: أما معاوية فرجل لا مال له، وأما أبو جهيم فرجل شديد على النساء، قالت: فخطبني أسامة بن زيد، فتزوجني، فبارك الله لي في أسامة»

أخرجه أحمد، ومسلم، والترمذي، والنسائي.

(1) اللفظ لأحمد (27973) قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن أبي بكر بن أبي الجهيم، به.

(2) اللفظ للترمذي (1135) قال: حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا أبو داود، قال: أنبأنا شعبة، قال: أخبرني أبو بكر بن أبي الجهيم، به. ✅

فهذه الروايات الثلاثة الصحيحة لنفس الحادثة، لامرأة واحدة في حادثة نادرة، وقعت في عهد النّبي ﷺ، وكانت العدة فيها بعد الطلاق (بأمر من ولي الأمر)، لأن الرجل غائب، وأرسل بطلاقها عبر رسالة، فهو ليس بحاضر ليسكن معها وتتم العدة كما ينبغي في الطلاق، ولأجل هذا أمرها الرَّسوْل ﷺ أن تعتد ((بعد طلاقها))، وفي بيت ((غير بيت زوجها))، فهذه حالة خاصة استثنائية، ولا تعارض العدة التي أمر بها الله ورَسُوله ﷺ، أي أن العدة تكون قبل الطلاق، وحكم النبي ﷺ لفاطمة بنت قيس لكونه ولي أمر، وعليه أن يبت في أمرها، وليس هذا حكم الطلاق الأساسي، أما حكم الطلاق الأساسي والأصلي، فقد ذكره الله في سورة الطلاق وبينه النبي ﷺ بالتفصيل في حديث ابن عمر رَضِيَ اللّٰه عَنْهُ.

الإرجاع بعد الطلاق

أول طلقتين فيهما إمساك، أي تستطيع إرجاعها لك، وهي تستطيع أن تتزوج غيرك إن سرحتها، ولك الحق بردها، قال ٱلله، ﴿((ٱلطَّلَاقُ مَرَّتَانِ [[فَإِمۡسَاكُۢ بِمَعۡرُوفٍ]] أَوۡ تَسۡرِیحُۢ بِإِحۡسَانࣲ)) وَلَا یَحِلُّ لَكُمۡ أَن تَأۡخُذُوا۟ مِمَّاۤ ءَاتَیۡتُمُوهُنَّ شَیۡـًٔا إِلَّاۤ أَن یَخَافَاۤ أَلَّا یُقِیمَا حُدُودَ ٱللهِ فَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا یُقِیمَا حُدُودَ ٱللهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَیۡهِمَا فِیمَا ٱفۡتَدَتۡ بِهِ تِلۡكَ حُدُودُ ٱللهِ فَلَا تَعۡتَدُوهَا وَمَن یَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللهِ فَأُو۟لَئكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ﴾ [البقرة 229].

بل أنت أولى بها من غيرك، قال ٱلله، ﴿وَٱلۡمُطَلَّقَاتُ یَتَرَبَّصۡنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوۤءࣲ وَلَا یَحِلُّ لَهُنَّ أَن یَكۡتُمۡنَ مَا خَلَقَ ٱللهُ فِي أَرۡحَامِهِنَّ إِن كُنَّ یُؤۡمِنَّ بِٱللهِ وَٱلۡیَوۡمِ ٱلۡآخِرِ ((وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنۡ أَرَادُوۤا۟ إِصۡلَاحࣰا)) وَلَهُنَّ مِثۡلُ ٱلَّذِي عَلَیۡهِنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَیۡهِنَّ دَرَجَةࣱ وَٱللهُ عَزِیزٌ حَكِیمٌ﴾ [البقرة 228].

والرد [الإرجاع] ليس فيه عقد ولا مهر، ولا يجوز لوليها أن يعضلها [يمنعها ويمسكها عنوة]، قال ٱلله، ﴿وَإِذَا طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَاۤءَ فَبَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ ((فَلَا تَعۡضُلُوهُنَّ أَن یَنكِحۡنَ أَزۡوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوۡا۟ بَیۡنَهُم بِٱلۡمَعۡرُوفِ ذَلِكَ یُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمۡ یُؤۡمِنُ بِٱللهِ وَٱلۡیَوۡمِ ٱلۡآخِرِ ذَلِكُمۡ أَزۡكَىٰ لَكُمۡ وَأَطۡهَرُ)) وَٱللهُ یَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ﴾ [البقرة 232]. فبعد الطلقة الأولى والثانية، ترجع لولاية السابق، ويحق لها الزواج من غير طليقها، ولكن بعلها أحق بردها، ولا توجد فترة زمنية محددة وتنتهي، ولو رجعت لزوجها، ترجع بعد إذن وليها.

أما الطلقة الثالثة فلا تستطيع ردها حتى تنكح غيرك، ثم يطلقها كما طلقتها أنت، قال ٱلله، ﴿فَإِن طَلَّقَهَا ((فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنۢ بَعۡدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوۡجًا غَیۡرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَیۡهِمَاۤ أَن یَتَرَاجَعَاۤ)) إِن ظَنَّاۤ أَن یُقِیمَا حُدُودَ ٱللهِ وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللهِ یُبَیِّنُهَا لِقَوۡمࣲ یَعۡلَمُونَ﴾ [البقرة 230].

وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا،..

ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ.