القمر السبت ١٩ ذُو الْحِجَّة ١٤٤٧ هـ

ذو الكفل

تدبر في نبي ذو الكفل: معنى الكفل وربطه بالصبر وإسماعيل، وبيان أنه يوسف عليه السلام

مقدمة

"ذو الكفل" نبيٌ كريم، تعرفه حقا بل له سورة بإسمه، وليس نكرةً ولا مجهولاً كما يدعون، في هذا التدبر سندرس من هو "ذو الكفل".

هذا النبي الكريم ورد اسمه في القرآن مرتين،.

⇜ الأولى في سورة "الأنبياء" ❒ ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ ((وَذَا الْكِفْلِ)) كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [اﻷنبياء 85]

⇜ والثانية في سورة "ص" ❒ ﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ¹ ((وَذَا الْكِفْلِ)) وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ﴾ [ص 48]

¹ . حمزة والكسائي وخلف العاشر: قرؤوا (وَالــَّـيـْـسَـعَ) بلام مشددة مفتوحة، وياء ساكنة، على وزن (ضَيغَم)،. باقي الرواة قرؤوا (وَالـْـيـَـسَـعَ) بلام ساكنة، وياء مفتوحة.

الصبر وإسماعيل

ــ حتى تعرف من هو "ذو الكفل" عليك أن تعرف مدار سورة "الأنبياء" وسورة "ص"، لأن ربنا لم يذكر ذا الكفل إلا في هاتين السورتين دون غيرهما من السور وهذا بالتأكيد لحكمة أرادها.

1 ــ الملاحظة الأولى، أينما ذُكِرَ "ذو الكفل" ذُكِرَ معه "إسماعيل" عليهما السلام، يعني هناك علاقة بينهما، فما العلاقة التي بين "ذو الكفل" و "إسماعيل"؟!!

ــ الجواب هو "الصبر" ﴿... كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾؛. العجيب في سورة "ص" أنها كلها على الصبر، لاحظ من أولها،. ❒ ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ ۝ ((اصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ)) ((وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ)) ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص 16 ــ 17]

ثم يذكر ربنا بعد داوود، سليمان، ثم أيوب، ثم إبراهيم... ذكرهم ربنا كلهم ليُعَلِّمَ محمد ﷺ الصبر ((اصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ))، فلَمَّا ذكر الله فيها أيوب قال ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ ((صَابِرًا))،.

فوجود "ذو الكفل" في هذه السورة ((سورة الصبر)) إنما هي لتربية النبي ﷺ على الصبر،.

2 ــ الملاحظة الثانية ⇜ في القرآن ذكر ربنا :

نعت «ذو» والكفل

# ذو الأيد : وهو داوود عليه السلام (معروف)

# ذو النون : وهو يونس عليه السلام صاحب الحوت (معروف)

# ذو الأوتاد : وهو فرعون (معروف)

# ذو القرنين : وهو سليمان عليه السلام (وعندنا بينات على هذا)

# الله سبحانه وتعالى : ذو الطَّول، ذو الفضل العظيم، ذو انتقام، ذو الرّحمة، ذو القوة المتين،...

يعني لما ربنا تعالى يريد أن يخص أحداً بنعت يقول "ذو"... وهذا كذلك يصح حتى في اللسان نقول ذو اليدين وذو عقل وذو بصيرة،..

ــــــ نأتي الآن لــ "ذو الكفل" من هو؟!! يجب أن يكون له اسماً، أي "فلان" ذو الكفل فلابد أن يكون "ذو الكفل"، فهذا نعتً اختص به دون غيره.

قبل أن نتدبر معنى "الكفل"، نذهب أولا لأقوال المفسرين لنرى من هو ذو الكفل عندهم، طبعا سنجد تضارباً واختلافاً كثيراً، لا يطمئن إليه قلب المؤمن السائل المتدبر (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا)،.

أقوال المفسرين

قال ابن كثير :-

1- أن الظاهر من السياق أنه ما قُرِنَ مع الأنبياء إلا وهو نبي؛

2- وقال آخرون إنما كان رجلا صالح وكان ملكا عادلا وحكما مقسطا؛

3- وقيل رجل صالح غير نبي تكفل لنبي قومه أن يكفيه أمر قومه ويقيمهم له ويقضي بينهم بالعدل ففعل ذلك فسمى ذا الكفل؛

4- وقيل شاب صالح تزدريه العين (من ذرية العيص) استخلفه اليسع، أو ملك صالح، لما كبر على الناس يعمل عليهم في حياته لينظر ماذا يفعل بعدما شرط عليه شروطا ثم كانت له قصة طويلة مع إبليس، فسماه الله ذا الكفل لأنه تكفل بالأمر فوفَّى به؛

5- وقيل هو ابن أيوب ونسبه هو نسب أيوب واسمه في الأصل ((حزقيل)) وقيل اسمه في الأصل ((بشر)) وقد بعثه الله بعد أيوب إلى أهل دمشق وما حولها وسماه ذا الكفل لأنه تكفل ببعض الطاعات فوفى بها؛

6- وقيل أنه كان قاض في بني إسرائيل فحضره الموت فقال من يقوم مقامي على أن لا يغضب فقال رجل: أنا فسُمي ذا الكفل فكان ليله جميعا يصلي ثم يصبح صائما فيقضي بين الناس؛

7- وقيل كان - يعني في بني إسرائيل- رجل صالح يصلي كل يوم مائة صلاة فتكفل له ذو الكفل من بعده فكان يصلي كل يوم مائة صلاة فسمي ذا الكفل؛

8- وقيل رجل صالح لقي ملكا كافرا فدعاه ليسلم ففعل ثم مات بعدها وغفر الله له فتكفل ذلك الرجل الصالح بما تكفل به للملك، فآمنوا له كل الناس فسمي ذا الكفل؛

9- وقيل كان رجلا عفيفا يتكفل بشأن كل إنسان وقع في بلاء أو تهمة أو مطالبة فينجيه الله على يديه؛

10- وقيل سمي ذا الكفل لأن الله تعالى تكفل له في سعيه وعمله بضعف عمل غيره من الأنبياء الذين كانوا في زمانه؛

11- وقيل هو نبي قبل إلياس، وقيل هو زكريا بكفالة مريم؛

12- وقيل هو إلياس المسمى في كتب اليهود (إيليا)، وقيل هو خليفة اليسع في نبوة بني إسرائيل. وقيل أنه (عُوبديا) الذي له كتاب من كُتب أنبياء اليهود، وهو الكتاب الرابع من الكتب الاثني عشر، وتعرف بكتب الأنبياء الصغار؛

13- وقيل هو اليسع بن أخطوب بن العجوز،...

وهكذا، كما رأيتم وقرأتم، قيل وقيل وقيل، من القائل؟ مبهم، أين السند؟! لا يوجد، ما البرهان على هذه القيلات؟ لا يوجد، هل أوحي إليكم؟ لا، هل كنتم في زمن ذو الكفل؟ لا، فمن أين لكم هذا؟!

رد القيل والقال

المؤمنون لا يخضعون للقيل والقيل والقيل، بل ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾، ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾

ــ نرجع لسؤالنا ما هو "الكفل"؟! فلنتدبر معنى "الكفل"،.

معنى الكفل

أول ما ذُكِرَ في القرآن من الجذر (ك ف ل) في سورة النساء الآية 85 :

﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً ((حَسَنَةً)) يَكُنْ لَهُ ((نَصِيبٌ)) مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً ((سَيِّئَةً)) يَكُنْ لَهُ ((كِفْلٌ)) مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ ((مُقِيتًا))

ــ ثم جاءت الآية بعدها،. ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ ((فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا)) إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ ((حَسِيبًا))

من خلال الآية، ذكر ربنا النصيب مع (الحسنة) وعنده الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبع مئة ضعف، فهذا هو (نصيبك) الذي فيه زيادةٌ وفضل، أما الكفل ذكرت مع (السيئة) فهي تكون بمثلها تماما يعني (كفلٌ) مقابل لها دون نقصان ولا زيادة، ولاحظ في آية أخرى ﴿((وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا)) فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ ثم أنظر كذلك ﴿مَنْ عَمِلَ ((سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا)) وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ ((يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ)) ثم جاء في الحديث الصحيح :

عن أبي رجاء العطاردي، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ، ((فيما يروي عن ربه، عز وجل))، قال: قال: "إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك، فمن هم بحسنة فلم يعملها، كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو هم بها فعملها، ((كتبها الله له عنده عشر حسنات، إلى سبع مئة ضعف، إلى أضعاف كثيرة))، ومن هم بسيئة فلم يعملها، كتبها الله له عنده حسنة كاملة، ((فإن هو هم بها فعملها، كتبها الله له سيئة واحدة))" أخرجه أحمد، وعبد بن حميد، والدارمي، والبخاري، ومسلم، والنسائي، وأبو عوانة، والطبراني.

فعلمنا أن الكفل جزاء موافق، مساوٍ بالتمام، لا زيادة ولا نقص.

ثم نجد نفس الجذر (ك ف ل) في موضع آخر في سورة الحديد الآية 28 ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ((اتَّقُوا اللَّهَ)) وَ ((آمِنُوا بِرَسُولِهِ)) يُؤْتِكُمْ ((كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ)) وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

هذه الآية جاءت بعد ذكر عيسى بن مريم ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾

لماذا كفلين من رحمته؟! الخطاب للذين آمنوا بعيسى ﷺ من قبل ثم آمنوا كذلك بمحمد ﷺ فيكون لهم كفلين، الأول لإيمانهم بعيسى بن مريم، فبذلك لم يضيع لهم الله إيمانهم به، ثم الكفل الثاني لإيمانهم بمحمد ﷺ،.

كما قال الله عن مؤمني اليهود الذين اتبعوا موسى،. وآمنوا بالنبي ﷺ وبرسالته، ولاحظ كيف أثابهم الله في آخر الآيات،.

﴿فَلَمَّا جَاۤءَهُمُ ٱلۡحَقُّ مِنۡ عِندِنَا قَالُوا۟ لَوۡلَاۤ أُوتِیَ مِثۡلَ مَاۤ أُوتِیَ مُوسَىٰۤ أَوَلَمۡ یَكۡفُرُوا۟ بِمَاۤ أُوتِیَ مُوسَىٰ مِن قَبۡلُ قَالُوا۟ سِحۡرَانِ تَظَـٰهَرَا وَقَالُوۤا۟ إِنَّا بِكُلࣲّ كَـٰفِرُونَ ۝ قُلۡ فَأۡتُوا۟ بِكِتَـٰبࣲ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ هُوَ أَهۡدَىٰ مِنۡهُمَاۤ أَتَّبِعۡهُ إِن كُنتُمۡ صَـٰدِقِینَ ۝ فَإِن لَّمۡ یَسۡتَجِیبُوا۟ لَكَ فَٱعۡلَمۡ أَنَّمَا یَتَّبِعُونَ أَهۡوَاۤءَهُمۡۚ وَمَنۡ أَضَلُّ مِمَّنِ ٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ بِغَیۡرِ هُدࣰى مِّنَ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یَهۡدِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِینَ ۝ وَلَقَدۡ وَصَّلۡنَا لَهُمُ ٱلۡقَوۡلَ لَعَلَّهُمۡ یَتَذَكَّرُونَ ۝ ٱلَّذِینَ ءَاتَیۡنَـٰهُمُ ٱلۡكِتَـٰبَ مِن قَبۡلِهِ هُم بِهِ یُؤۡمِنُونَ ۝ ((وَإِذَا یُتۡلَىٰ عَلَیۡهِمۡ قَالُوۤا۟ ءَامَنَّا بِهِ إِنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّنَاۤ إِنَّا كُنَّا مِن قَبۡلِهِ مُسۡلِمِینَ ۝ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ یُؤۡتَوۡنَ أَجۡرَهُم مَّرَّتَیۡنِ)) بِمَا صَبَرُوا۟ وَیَدۡرَءُونَ بِٱلۡحَسَنَةِ ٱلسَّیِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَـٰهُمۡ یُنفِقُونَ﴾ [القصص 48 - 54]

نرجع للآيتين في سورة النساء نجد :

﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً ((حَسَنَةً)) يَكُنْ لَهُ ((نَصِيبٌ)) مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً ((سَيِّئَةً)) يَكُنْ لَهُ ((كِفْلٌ)) مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ ((مُقِيتًا)) ۝ وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ ((فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا)) إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ ((حَسِيبًا))،.

لاحظ كذلك لما ذكر الله التحية قال،. فحيوا بأحسن منها، هذا الــ (نصيب)،. أو ردوها، هذا الــ (كفل)،.

ذكر كذلك في الآيتين (المُقِيت) و (الحسيب) وكلاهما من أسمائه الحسنى، المُقِيت من (ق و ت) ومنها القُوت أي الرزق وجاء فيه كذلك في آيات كثيرة من القرآن :

﴿اللَّهُ ((يَبْسُطُ الرِّزْقَ)) لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ((وَيَقْدِرُ لَهُ)) إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [العنكبوت 62]

﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي ((يَبْسُطُ الرِّزْقَ)) لِمَنْ يَشَاءُ ((وَيَقْدِرُ)) وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُون﴾ [سبأ 36]

﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ ((فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ)) فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ۝ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ ((فَقَدَرَ عَلَيْهِ)) رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ [الفجر 15 ــ 16]

فالرزق والقوت إما أن يبسطهما الله لك فيكرمك وينعمك، فيكون لك (نصيبٌ) من الدنيا، أو يُقدِرهما الله عليك، بحيث لا يعطيك إلا ما تحتاجه دون زيادة أو نقصان وهذا هو (الكفل)؛.

تجد كذلك في كتاب الله الرزق يجمعه الله مع الجذر (ك ف ل) في هذه الآية ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا ((وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا)) كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران 37]

ثم ذكر الكفل في هذا الحديث كذلك وله نفس المعنى الذي سقناه من قبل، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ "لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول ((كفل)) من دمها لأنه أول من سن القتل" أخرجه الحميدي، وأحمد، والبخاري، ومسلم، وابن ماجة، والترمذي، والنسائي.

الكفل هو المقابل المساوي الذي تستحقه بدون زيادة ولا نقصان.

كذلك في هذا الحديث،. عن الأعرج، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال ﴿تكفل الله لمن جاهد في سبيله لا يخرجه من بيته إلا جهاد في سبيله وتصديق كلمته، بأن يدخله الجنة أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر أو غنيمة﴾ أخرجه مالك، والحميدي، وأحمد، والدارمي، والبخاري، ومسلم، والنسائي.

كذلك هنا،. عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال: قال رسول الله ﷺ ﴿أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة، وأشار بالسبابة والوسطى، وفرق بينهما قليلا﴾ أخرجه أحمد، والبخاري، وأبو داود، والترمذي، وأبو يعلى، وابن حبان، والطبراني، والبيهقي.

سُبْحَانَ اللّٰه، لو تكفلت باليتيم، أي بمجرد إعطاءه حقه، ولو كان دون زيادة (الزيادة لها أجر آخر زيادة)،. أما لمجرد أنك كفلته فأعطيته ما يحتاج، تُجزى بكونك مع النّبي ﷺ في الجنة، جزاءً وفاقاً، فما بالك لو زدت نافلة وفضل؟! النّبي ﷺ يتكلم عن أقل معاملة منك لليتيم،. هذا هو الكفل، وهذا عكس النصيب،. النصيب فيه الزيادة،. ليس بالمساواة في الحقوق،.

قالَ اْللّٰه،. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ۝ أُولَٰئِكَ ((لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا)) وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [البقرة 201 ــ 202]،. بمعنى الزيادة، لأن الحسنة تتضاعف، أما السيئة فبمثلها،. قال الله،. ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ ((نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ)) وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا ((وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ)) [الشورى 20]،. ليس له نصيب في الآخرة لأنه أخذها في الدنيا زيادة،.

وهذا عكس ما اعتاد الناس عليه اليوم،. لو قلت لشخص (هذا نصيبك من الربح)، فسيفهم أن هذه حصته، حصة محددة لا زيادة فيها،. ولو حصل لأحد ما يكره قيل له (هذا نصيبك)، ولا يقصدون الزيادة، بل يقصدون هذا جزاؤك، ولكن كلمة نصيب تعني الزيادة فوق الجزاء الوافي،. الأصح أن يقال هذا قدرك، مكتوب عليك،. وليس هذا نصيبك!

ــ الآن بعد أن تعلمنا معنى "الكفل" وأنه عكس النصيب،. يأتي السؤال : من هو هذا النبي العَلَم الذي سماه ربنا في القرآن وخصه بأنه "ذو الكفل" أي أنه يُقَسِّمُ ما عنده للناس حيث لا يعطيهم إلا ما يحتاجونه دون نقصان ولا زيادة؟!

يوسف ذو الكفل

ــــــــ الجواب وبدون تكلف هو يوسف عليه السلام؛.

حين ندرس قصص الأنبياء نجد أن يوسف دخل معه السجن فتيان :

﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي ((خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ)) نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف 36]

لم يذكر في القرآن كله الخبز إلا هاهنا والآية تتكلم عن رؤيا في الطعام (في الرزق) ثم أنظر ماذا قال لهما يوسف عليه السلام؛.

﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا ((طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ)) إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [يوسف 37]

فيوسف عليه السلام له علاقة بالطعام والرزق؛ وتفسير الآية أعمق من ما ذهب إليه كثير من الناس من تأويل الرؤى حيث أن يوسف عليه السلام له القدرة على الرجوع لأول الطعام كيف كان وأين كان قبل أن يأتيهما، (فالتأويل في اللسان من أوّل) وهو الرجوع لأول الشيء وذكر أوله وحدوث الشيء كذلك، لهذا قال بعدها ذلك (مما علمني ربي) يعني هذا العلم الذي عنده هو من الله، أعطيك مثالا : لما يأتيك دجاج مشوي وخبز شعير ومرق وزيتون، فيوسف عليه السلام يعطيك تأويل وأول هذا الطعام بأن يذكر لك مصدره ومقابله ويحسب ثمنه بالدراهم والدنانير قبل أن يأتيك،.

ثم بعدها جاءت رؤيا الملك وأنتم تعلمون تتمة القصة؛.

﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف 43]

فهنا الملك يفتش عن من يجيبه عن رؤياه بعلم وتَمَكُّنٍ فجاء الجواب ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ ۝ يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ ۝ قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ ۝ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ ۝ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ [يوسف 45 ــ 49]

كل الرؤى كانت في الطعام، أنظر ليوسف عليه السلام كيف يكفل تأويله كفالة ويضمن النتيجة التي سيصل إليها بحساب دقيق جدا؛ سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليل، ثم عام فيه يغاث الناس، كل الآيات في الكفل الذي لا يضيع فيه شيء بدون زيادة ولا نقصان، ثم بعدها ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾

لاحظ أن ذو الكفل يوسف عليه السلام لا يريد أن يخرج من السجن إلا بكفالة حقه وضمانة أن يسأل ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن لأنهن السبب بدخوله السجن، ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا ((مَكِينٌ أَمِينٌ)) ۝ ((قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ)) [يوسف 54 ــ 55]

هذه هي شروط (ذو الكفل) أن يكون مكين (متمكن من كفالته للطعام)، أمين (يُؤَمِّنُ الكفالة والكفل بحق)، حفيظ (يحفظ الرزق والطعام دون أن ينتقص منه شيء)، عليم (يعلم كل ما عنده من طعام ويعلم ما يحتاجه كل إنسان وكم سيعطيه من طعام مقابل بضاعته)

#فهو يوسف عليه السلام يكفل كل هذا، لكن من الذي يضمنه ويكفله هو؟ الجواب هو الله فقد مكن له ذلك ﴿وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ ((فِي الْأَرْضِ)) يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ [حَيْثُ نَشَاءُ] نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاء وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾،.

فيوسف يتبوأ من الأرض وخزائنها حيث يشاء هو، وحيث يشاء ربه سبحانه وتعالى، لهذا في قراءة أخرى جاءت هكذا (حيث نشاء)، فمن يضمنه؟ الله الكبير الغني الحميد، اعطاه كفالة وضمانة منه وحده، هو من يقدر على كفالة الطعام للناس بالقدر الذي يحتاجونه وبمقابل البضاعة التي عندهم، وهذا ما رأيناه عند يوسف بعد ذلك لما جاء إخوته ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ۝ ((وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ)) قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي ((أُوفِي الْكَيْلَ)) وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ۝ فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ ۝ قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾ [يوسف 58 ــ 61]

تلاحظ أن يوسف بعلمه، حيث هو نفسه ذو الكفل (نعته) يجهزهم بجهازهم ((ويوفي لهم الكيل)) بالميزان وبالقسط وهو خير المنزلين :

﴿((أَوْفُوا الْكَيْلَ)) وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ ۝ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ۝ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾

﴿وَيَا قَوْمِ ((أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ)) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾

﴿((وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ)) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ((وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا))((لاحظ هنا التأويل، كالتي عند يوسف))

ثم بعد ذلك، لماذا طلب منهم أن يأتوه بأخيهم من أبيهم؟! الجواب لكي يوفي له الكيل فيحضروا أخوهم عنده فيأخذ هو كذلك كفله (حاجته من الطعام بدون زيادة ولا نقصان)، قال ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ﴾ فلا كيل لهم عند يوسف (ذو الكفل) لو لم يحضروه،. ﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَىٰ أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ۝ قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَىٰ أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ۝ وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَٰذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ ۝ قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ۝ وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ۝ وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ۝ وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىٰ إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ۝ فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ ۝ قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ ۝ قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ ۝ قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ ۝ ((قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ ۝ قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ)) [يوسف 63 ــ 75]، هذا من الكفل،.

نتلو الآيات فنجدها واحدة واحدة تبين لنا كيل يوسف، كيف كان يضمنه ويكفله بالتفصيل لإخوته، فهو لا يزيد لهم عن كفلهم بحجة أنهم إخوته ولا ينقص لهم منه بحجة أنهم كادوا له من قبل حيث ألقوه في غيابت الجب،.

أعلم أني أطلت في هذا التدبر، لكني سأتطرق لنقطتين مهميتين فقط ثم أختم، أولهما هاتين الآيتين الأخيرتين اللاواتي ذكرت؛ كانت شريعة بني إسرائيل أنه من سرق فعقوبته أن يصبح عبدا لدى من سرقه لهذا قالوا ليوسف أن ﴿جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ فهذا (كفل) مساوٍ للسرقة أن يكون هذا جزاءه،.

﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ۝ قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ ۝ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ۝ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ [يوسف 76 ــ 79]

أنظر لدقته في (الكفل) ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ فكما سبق وفصلنا أن الكفل هو العطاء المساوي للحاجة بدون زيادة ولا نقصان،.

فيكون بهذا قد تحقق أن (ذو الكفل) هو (يوسف) صاحب الميزان والكيل بالقسط،.

﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف 87]،. هنا في هذه الآية كذلك تبين لنا الصبر الذي عند أبو يوسف، الذي تعلمه منه يوسف (ذو الكفل) فصبر على إخوته، وصبر لما سجن، وصبر على النسوة، فكان نتيجة صبره أن مكن الله له في الأرض وخزائنها،. وهذا كفل،.

﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ۝ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف 100 ــ 101]

خاتمة التدبر

اللهم هذا مبلغنا من العلم, فاغفر لنا خطأنا وزلتنا،

وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا،..

ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ.