القمر السبت ١٩ ذُو الْحِجَّة ١٤٤٧ هـ

التوكل VS الأخذ بالأسباب

توضيح ما هو التوكل مقارنة بالاخذ بالاسباب من كتاب الله والسنة الصحيحة

التوكل،.. والأخذ بالأسباب

نسمع كثيراً: الأخذ بالأسباب، الأخذ بالأسباب ودائماً يكررونها،. ولكن أي أسباب يا شيخ؟ أي أسباب؟ من أين لك هذا؟ هو الله وحده،. يشاء أو لا يشاء،. انتهى،..

قالَ اْلله،. قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا [الأحزاب 17]،.

لو شاء الله لهداك وفعل ما يريده بك، وأن تمسكتَ بكل سبب، ولو أراد الله أن يغويك لغويتَ،. لن ينفعك أخذك بكل الأسباب،. لا في الشر ولا في الخير،. ولا في أي شيء،. كل شيء بيد الله وحده،.

قالَ اْلله،. قُلۡ مَنۢ بِیَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ یُجِیرُ وَلَا یُجَارُ عَلَیۡهِ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ۝ سَیَقُولُونَ لِلهِ قُلۡ فَأَنَّىٰ تُسۡحَرُونَ [المؤمنون 88 – 89]،.

هو يمنع ويحفظ ويؤمن، ولا يستطيع أحدٌ أن يمنع أحداً من الله،.

قال الله،. قُلۡ إِنِّي لَن یُجِیرَنِي مِنَ ٱللهِ أَحَدٌ وَلَنۡ أَجِدَ مِن دُونِه مُلۡتَحَدًا [الجن 22]،.

لن يمنعنك من الله أحد،. كلام الله واضح،.

ــ الذي سيعتمد على الأسباب التي سيأخذ بها ليصل لمراده، لا يلزمه التوكل على الله صراحةً،. هو يرى أن عنده الأسباب التي تمكنه،.. وهي التي ستوصله لما يريد، أو قل : هذا ظنه،.

قال اْلله،. سَیَقُولُ لَكَ ٱلۡمُخَلَّفُونَ مِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ شَغَلَتۡنَاۤ أَمۡوَالُنَا وَأَهۡلُونَا فَٱسۡتَغۡفِرۡ لَنَا یَقُولُونَ بِأَلۡسِنَتِهِم مَّا لَیۡسَ فِي قُلُوبِهِمۡ قُلۡ فَمَن یَمۡلِكُ لَكُم مِّنَ ٱللهِ شَیۡـًٔا إِنۡ أَرَادَ بِكُمۡ ضَرًّا أَوۡ أَرَادَ بِكُمۡ نَفۡعَۢا بَلۡ كَانَ ٱللهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِیرَا [الفتح 11]،.

منذ متى كان الأخذ بالأسباب كافياً؟!

ألم ننظر للواقع حولنا لنتعلم؟!،. كم رأينا من حملة الشهادات العالية،. درسوا ليضمنوا مستقبلهم الوظيفي،. وليهنئوا بالعيش الرغيد، أخذوا بكل الأسباب على أتم وجه، ثم هاهم اليوم في بيوتهم، شهاداتهم لم تنفعهم بشيء،. لم يحصلوا على الوظيفة، وصاروا يرجون ما يرجوه حامل شهادة الثانوية، أي وظيفة، بأي راتب!،.

ــ وكم أخذنا بالأسباب لإنجاح مشروع تجاري، من دراسة الجدوى، واستشارة الخبراء، واختيار الموقع، وتقدير الأضرار، ووضع الخطط والميزانيات، ووضع نسبةٍ للإحتياط والدعم، والنتيجة : فشل المشروع من أول سنة!،.

ــ كم أخذنا بالأسباب في اختيار الزوجة، شريكة العمر، رفيقة الحياة، من حسنٍ وجمال، ومالٍ وعشرة ونسب، وجسم وذكاء،. والنتيجة : طلاق بعد سنتين!،. وكل المحاكم تشهد،.

والعكس صحيح،…

ــ كم رأينا من ناسٍ توكلوا على الله وصدقوا في توكلهم، فتحوا مطاعم في أسوء المواقع، وبأقل مجهود، ونجح مطعمهم وطالت سمعتهم لآخر البلاد،. حتى صار يأتيها الأثرياء والأمراء من أقاصي البلاد،. هؤلاء لم يأخذوا بالأسباب،.

ــ أليس من الأخذ بالأسباب زيادة العدد في الجيش؟!،. كل إنتصارات المسلمين في التاريخ، كان عدد المسلمين فيها أقل من عدد الكافرين،. وكانت أحيانا تكون 1 مقابل 100، وأحيانا 1 مقابل عشرة،. يكون الجيش الكافر 100 ألف، بينما المسلمون 12 ألفاً فقط،. ثم ينتصرون بهذا العدد القليل،. فأين الأخذ بالأسباب؟ وإن أعددت لهم ما استطعت من قوة ومن رباط الخيل، الأمر كله تحت ولاية الله، هو ينصرك أو لا،. وليس الأمر بيدك أنت،. ولا بأسبابك البائسة،.

الانتصارات بالتوكل

ــ في بدر [2 ﮬ.] انتصر المسلمون بــ 313 رجلاً مقابل 1000 مشرك،.

ــ وفي أحد [3 ﮬ.] كان عدد المسلمين 700 مقابل 3000 آلاف،.

ــ وفي الأحزاب [5 ﮬ.] كان أهل المدينة كلها 3000 والأحزاب 10,000،.

ــ وفي معركة اليرموك انتصر المسلمون بــ 39 ألف مقابل 200 ألف رومي،.

ــ وفي معركة القادسية، انتصر المسلمون بــ 32 ألف مقابل 250 ألف فارسي في عقر دارهم، بعيدون جداً عن المدد والدعم والمعونة،.

ــ وفي معركة الفارض، بقيادة خالد بن الوليد، ضد الفرس والروم معا،. كان المسلمون 15 ألفاً،. بينما كان جيش الكفار 150 ألفاً مجتمعين،. وانتصر المسلمون انتصاراً ساحقاً،.

ــ والأندلس فتحت بــ 12 ألف مسلم فقط، مقابل 100 ألف أسباني وفي عقر دارهم!،.

فهل في هذا أخذٌ بالأسباب؟!،. أن تقاتل بعددٍ قليل مقابل أعداد مهولة؟!،. وأنت بعيدٌ كل البعد عن معسكرك وملجئك،.

غزوة حنين

ــ أما في غزوة حنين، حين جمع المسلمون عدداً كبيراً، فاق عدد الكفار بكثير،. حتى أن المسلمين أعجبتهم كثرتهم وتيقنوا النصر [أخذاً بالأسباب]،.

قال اْلله،. لَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِیرَةٍ وَیَوۡمَ حُنَیۡنٍ إِذۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡ كَثۡرَتُكُمۡ فَلَمۡ تُغۡنِ عَنكُمۡ شَیۡـًٔا وَضَاقَتۡ عَلَیۡكُمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ ثُمَّ وَلَّیۡتُم مُّدۡبِرِینَ [التوبة 25]،.

حين كانوا كثر، هُزِموا،. حين أخذوا بالأسباب كما ينبغي، ولّوا مُدبرين!،.

قالَ اْلله،. وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللهِ ٱلۡعَزِیزِ ٱلۡحَكِیمِ [آل عمران 126]،.

هذا ينافي الأخذ بالأسباب،. عليك أن تعلم أن كل شيء بأمر الله،.

هذه المقولة سمعتها قديما،. "أنت تريد، أنا أريد، ولكن الله يفعل ما يريد"،. فكل الأمر بيد اللّٰه وحده،.

قالَ اْلله،. إِنَّ بَطۡشَ رَبِّكَ لَشَدِیدٌ ۝ إِنَّهُ هُوَ یُبۡدِئُ وَیُعِیدُ ۝ وَهُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلۡوَدُودُ ۝ ذُو ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡمَجِیدُ ۝ فَعَّالٌ لِّمَا یُرِیدُ [البروج 12 – 16]،.

أين الأخذ بالأسباب في هذه الآيات؟!

قال اْلله،. قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [الفتح 11]،.

وقال،. إِن یَنصُرۡكُمُ ٱللهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمۡ وَإِن یَخۡذُلۡكُمۡ فَمَن ذَا ٱلَّذِي یَنصُرُكُم مِّنۢ بَعۡدِهِ وَعَلَى ٱللهِ فَلۡیَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ [آل عمران 160]،.

الله نفسه يحفظنا من أمره

الله نفسه يحفظنا من أمره،. ولا يرد أمره وقدره إلا هو،.

قال اْلله،. قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَٰنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ ۝ أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ [الأنبياء 42 ــ 43]،.

فلا يوجد سبب يحول بيننا وبين الرحمن ربنا،. كل الأمر مرده لله،.

قال اْلله،. لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ [الرعد 10 ــ 11]،.

فليس لك إلا أن يتولاك الله،. ليس بالأخذ بالاسباب،.

دخول الجنة، والأخذ بالاسباب!

كلنا يريد الجنة،. نصلي، ونصوم، ونزكي ونحج، ونطيع ونتبع ولا نبتدع،. ولا نعصي قدر المستطاع،. نخشى وندعوا،. ولكن النتيجة،. هذه كلها لا تدخلك الجنة!،. إنما يدخلك الله الجنة برحمته هو، وبفضله هو،.

ﻟﻦ ﻳﺪﺧﻞ ﺃﺣﺪاً ﻋﻤﻠﻪ اﻟﺠﻨﺔ، ﻗﺎﻟﻮا ﻭﻻ ﺃﻧﺖ ﻳﺎ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﻗﺎﻝ: ﻻ، ﻭﻻ ﺃﻧﺎ ﺇﻻ ﺃﻥ ﻳﺘﻐﻤﺪﻧﻲ اﻟﻠﻪ ﺑﻔﻀﻞ ﻭﺭﺣﻤﺔ فسددوا ﻭﻗﺎﺭﺑﻮا
أخرجه البخاري، ومسلم ✅

أليست الأعمال كالصلاة والزكاة والصيام أسبابٌ نتخذها لندخل الجنة؟ فأين الأخذ بالأسباب في هذا الحديث؟!

قال النبي ﷺ: «لا ينجي أحدكم عمله، قالوا ولا أنت يا رسول الله قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمة، فسددوا وقاربوا، واغدوا وروحوا، وشيء من الدلجة والقصد القصد تبلغوا» أخرجه البخاري ✅

فأين ذهبت تلك الأسباب؟!،.

لو أراد شخص الهداية

لو أراد شخص الهداية والإيمان واتخذ لذلك كل الأسباب، ولكن الله لا يريد أن يهديه فلن يهتدي! وهل يعقل هذا؟!،. ألّا يريد الله أن يهدي أحداً؟!،. بالتأكيد، فالإيمان ليس منوطاً بيد العبد، والهداية كذلك، إنما هي من الله وحده، إن أراد هو، أو لم يُرد هو،.

قال اْلله،. وَمَن یُرِدِ ٱللهُ فِتۡنَتَهُ فَلَن تَمۡلِكَ لَهُ مِنَ ٱللهِ شَیۡـًٔا أُو۟لَئكَ ٱلَّذِینَ لَمۡ یُرِدِ ٱللهُ أَن یُطَهِّرَ قُلُوبَهُمۡ لَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡیَا خِزۡيٌ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡـَٔاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِیمٌ [المائدة 41]،.

وقال،. وَلَوۡ شَاۤءَ ٱللهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن یُضِلُّ مَن یَشَاۤءُ وَیَهۡدِي مَن یَشَاۤءُ وَلَتُسۡـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ [النحل 93]،.

ــ انظر لهذه الاسباب،. كيف أنها لم تنفع بشيء،. رغم عظمها وقوتها،.

قال اْلله،. وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ، وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَىٰ، وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا،…. مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ [الأنعام 111]،.

لست أنت من يكلمهم،. بل الملائكة بأنفسها تكلمهم،. والموتى يكلمونهم،. وكل شي يقابلهم في وجوههم قُبُلاً يكلمهم، الشجر والحجر والجدار والعمود وكل شيء، لن يؤمنوا [كل الأسباب لم تنفع]،. إلا سبباً واحداً! إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ،.

ظنك أن الأسباب قد تنفعك، جهلٌ،. لا شيء سوى الله ينفع،.

اعتمادك على الاسباب،. وظنك أنها تنجيك من قدر الله،. ينافي إيمانك بالقدر شره،.

القدر بيد الله وحده،. فيه الخير والشر

قال اْلله،. تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلۡفُرۡقَانَ عَلَىٰ عَبۡدِهِ لِیَكُونَ لِلۡعَالَمِینَ نَذِیرًا ۝ ٱلَّذِي لَهُ مُلۡكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَمۡ یَتَّخِذۡ وَلَدًا وَلَمۡ یَكُن لَّهُ شَرِیكٌ فِي ٱلۡمُلۡكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيءٍ فَقَدَّرَهُ تَقۡدِیرًا [الفرقان 1 – 2]،.

وقال،. مَاۤ أَصَابَ مِن مُّصِیبَةٍ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمۡ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبۡلِ أَن نَّبۡرَأَهَاۤ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى ٱللهِ یَسِیرٌ ۝ لِّكَیۡلَا تَأۡسَوۡا۟ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا تَفۡرَحُوا۟ بِمَاۤ ءَاتَاكُمۡ وَٱللهُ لَا یُحِبُّ كُلَّ مُخۡتَالٍ فَخُورٍ [الحديد 22 – 23]،.

وقال،. إِنَّا كُلَّ شَيءٍ خَلَقۡنَاهُ بِقَدَرٍ ۝ وَمَاۤ أَمۡرُنَاۤ إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمۡحٍ بِٱلۡبَصَرِ [القمر 49 – 50]،.

وقال،. وَمَن یَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللهِ فَهُوَ حَسۡبُهُ إِنَّ ٱللهَ بَالِغُ أَمۡرِهِ قَدۡ جَعَلَ ٱللهُ لِكُلِّ شَيءٍ قَدۡرًا [الطلاق 3]،.

فهل تظن بأن أخذك بالاسباب، سيمنع وصول ما قدره الله عليك من شر؟!،. لا بالتأكيد،.

كلام نوح، في سورة هود

قال نوحٌ لقومه،. وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [هود 34]،.

وهنا سؤال، لماذا قال نوح،. إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ؟،. لاحظ في الآية نفسها، هناك إرادتان! إرادة نوح، وإرادة اللّه،. فنوح كأنه يقول : أنا أريد أن أنصح لكم، لكني لن أفعل، لماذا؟ لأن اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ،.

تدبر سورة هود،. حتّىٰ تصل للآية،.

قال اْلله،. فَأَمَّا ٱلَّذِینَ شَقُوا۟ فَفِي ٱلنَّارِ لَهُمۡ فِیهَا زَفِیرٌ وَشَهِیقٌ ۝ خَالِدِینَ فِیهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلۡأَرۡضُ إِلَّا مَا شَاۤءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا یُرِیدُ [هود 106 – 107]،.

لتعلم أن كل شيء فعلاً بيد الله، بإرادة الله،.

وانتهت السورة بــ،. وَلِلهِ غَیۡبُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَإِلَیۡهِ یُرۡجَعُ ٱلۡأَمۡرُ كُلُّهُ فَٱعۡبُدۡهُ وَتَوَكَّلۡ عَلَیۡهِ [هود 123]،.

هل رأيت أين ذكر التوكل؟!،.

ما من نبي إلا ومعه من الآيات

ﻣﺎ ﻣﻦ اﻷﻧﺒﻴﺎء ﻣﻦ ﻧﺒﻲ ﺇﻻ ﻗﺪ ﺃﻋﻄﻲ ﻣﻦ اﻵﻳﺎﺕ ﻣﺎ ﻣﺜﻠﻪ ﺁﻣﻦ ﻋﻠﻴﻪ اﻟﺒﺸﺮ ﻭﺇﻧﻤﺎ ﻛﺎﻥ اﻟﺬﻱ ﺃﻭﺗﻴﺖ ﻭﺣﻴﺎً، ﺃﻭحى اﻟﻠﻪ إلي، ﻓﺄﺭﺟﻮ ﺃﻥ ﺃﻛﻮﻥ ﺃﻛﺜﺮﻫﻢ ﺗﺎﺑﻌﺎً ﻳﻮﻡ اﻟﻘﻴﺎﻣﺔ
أخرجه البخاري، ومسلم ✅

هذا يعني،. أن الآيات من الأسباب الداعية للتصديق والإيمان،. ولكن هل آمن الناس لهم؟ لا، رغم آياتهم [وهي من أهم وأدعى الأسباب للإيمان]،. لم يؤمنوا،.

قال النبي ﷺ: «عُرضت علي الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهيط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي ليس معه أحد» أخرجه البخاري، ومسلم ✅

هؤلاء أنبياء،. ومعهم آياتٌ من الله تؤيدهم وتقوي موقفهم،. ولكن لم يؤمنوا أقوامهم،. لا تظن بأن الأنبياء قد قصروا ولم يأخذوا بالأسباب على وجهها! بل أخذوا بأعظم الأسباب، (آيات الله) ولكن لم تنفعهم،.

اقرأ هذه الآيات وركّز على الأسباب،. [وانظر كيف يذكرك الله بالتوكل عليه]،،. قال اْلله،. كَذَٰلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَٰنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ [الرعد 30]،.

هذه هي، (بل لله الأمر جميعاً)،. سواء أخذت بالاسباب أو لم تأخذ بالاسباب،. للّٰه الأمر من قبل ومن بعد،.

سحرة فرعون آمنوا،. كيف آمنوا؟!

أين السبب الذي جعل سحرة فرعون يؤمنون كلهم بلا استثناء، بل ويقولون قولا عجيباً وصبروا صبراً شامخاً ليس له مثيل، بقوة إيمان بالآخرة، من أين أتوا بهذا الكلام؟! كلامٌ يصعب على من شاخ في الإيمان أن يقول مثله،. وثبات نَدُر مثله،. كل ذلك في لحظات،. من الذي لقنهم ما يقولون؟! إنه الله،.

قال اْلله،. وَأَلۡقِ مَا فِي یَمِینِكَ تَلۡقَفۡ مَا صَنَعُوۤا۟ إِنَّمَا صَنَعُوا۟ كَیۡدُ سَاحِرٍ وَلَا یُفۡلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَیۡثُ أَتَىٰ ۝ فَأُلۡقِي ٱلسَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوۤا۟ ءَامَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ [طه 69 – 70]،.

من أين أتوا بهذا الكلام كله في لحظات؟ هم قد آمنوا قبل قليل!،. إنه الله، أرادهم أن يؤمنوا فآمنوا،. أُلقوا ساجدين كلهم! شاءَ الله أن يؤمنوا فآمنوا، أراد الله أن يخذل فرعون، فجعل أسبابه التي اعتمد عليها لينصر نفسه هي التي تنقلب عليه،.

الحيطة والحذر

ــ هؤلاء أخذوا بالأسباب وخرجوا، من باب الحيطة والحذر،. ولكن لم ينفعهم أخذهم بالأسباب،.

قال اْلله،. أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِینَ خَرَجُوا۟ مِن دِیَارِهِمۡ وَهُمۡ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلۡمَوۡتِ فَقَالَ لَهُمُ ٱلله مُوتُوا۟ ثُمَّ أَحۡیَاهُمۡ إِنَّ ٱللهَ لَذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا یَشۡكُرُونَ [البقرة 243]،.

أخذوا بالأسباب وخرجوا حذر الموت،. ولم ينفعهم خروجهم،.

قال اْلله،. یَحۡذَرُ ٱلۡمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَیۡهِمۡ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِمۡ قُلِ ٱسۡتَهۡزِءُوۤا۟ إِنَّ ٱلله مُخۡرِجٌ مَّا تَحۡذَرُونَ [التوبة 64]،.

وقد نزلت سورة التوبة وفضحتهم،. رغم حذرهم،. (أخذهم بالاسباب)،.

الضرورات الخمسة

ــ العجيب، أن الله حين أمرنا بأن نأخذ حذرنا، كان ذلك في سبيل الموت وليس للحفاظ على الأنفس،. أي بعكس ما يريده الناس من أخذهم بالاسباب [كما يقال في الضرورات الخمس]،.

قال اْلله،. یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ خُذُوا۟ حِذۡرَكُمۡ فَٱنفِرُوا۟ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنفِرُوا۟ جَمِیعًا [النساء 71]،.

الضرورات الخمسة [هي حفظ الدين، والنفس، والنسل، والعقل، والمال]،. وانطلاقاً من الضرورة الثانية (ضرورة حفظ النفس)،. خرجت الكلمة المسخ،. (علينا الأخذ بالأسباب)،.

وطبقت في زماننا بأخذ اللقاح والتباعد في الصلاة،. وتخفيض عدد الحجاج،. وقطع الرحم ومنع عيادة المريض،. وكل ذلك يتعارض بقبح مع الضرورة الأُولى والأَوْلى،. ألا وهي (ضرورة حفظ الدين)،. فأضاعوا الدين بحجة حفظ النفس التي هي أدنى منها مرتبة باعترافهم،.

الله يفتنك بالأسباب، فتُصرف عن الحق

أنت حقيقةً تعتمد على الله في كل شيء وفي كل الأسباب،. وليس على الأسباب نفسها،. فاحذر كل الحذر أن ترد الفضل للأسباب [وهي عند البعض من الشرك]،.

ــ هذه [الأسباب] أو الإله الذي تعلق به الناس،. اسمه في القُرآن (بعل)،.

قال اْلله،. أَتَدۡعُونَ بَعۡلًا وَتَذَرُونَ أَحۡسَنَ ٱلۡخَالِقِینَ [الصافات 125]،.

ــ والبعل هو الزوج،. فكان المشركين يردون الفضل في خلق الجنين والحمل والانجاب إلى المسبب وهو الــ (بعل)،. بينما الحق أن اللّٰه هو الخالق الخلاق،.

قال اْلله،. نَحۡنُ خَلَقۡنَاكُمۡ فَلَوۡلَا تُصَدِّقُونَ ۝ أَفَرَءَیۡتُم مَّا تُمۡنُونَ [ماء الرجل] ۝ ءَأَنتُمۡ تَخۡلُقُونَهُ أَمۡ نَحۡنُ ٱلۡخَالِقُونَ [الواقعة 57 – 59]،.

فإيمانك أن الأخذ بالأسباب ضروري،. وأن الأسباب تنفع وتجلب الخير أو تضر وتدفع الشر مصيبة عظيمة،.

أمثلة يستخدمها الفقيه

الفقيه،. ليرفع من قدر "الأخذ بالأسباب"، ويضع شأن "التوكل على الله"،. وليقنعك بأن التوكل على الله لن يجدي،. يقوم بضرب بعض الأمثلة التي تسمعها دائماً،.

يقول : هيا، توكل على الله وارم نفسك في البحر!،. توكل على الله واقعد صل في المسجد وادعو الله، لا تخرج للتكسب والترزق،. يقولها ساخراً،.

هؤلاء حتى يبعدوك عن التوكل،. أتوا على مخالفات ونواهي يبغضها الله،. ليعطلوا بها التوكلَ الذي أمر به الله،.

المسلم يتوكل على الله،. ولا يعصيه ولا يخالف أمر الله،. فالله نهى عن قتل النفس،.

قال اْلله،. وَلَا تَقۡتُلُوۤا۟ أَنفُسَكُمۡ إِنَّ ٱللهَ كَانَ بِكُمۡ رَحِیمًا [النساء 29]،.

فكيف تريدني أن أرمي نفسي في البحر؟! لماذا تريدني أن أعصي اللّٰه؟!،. كيف تثبت لي بالمعصية، بأن التوكل لا ينفع؟!،.

قال اْلله،. وَأَطِیعُوا۟ ٱللهَ وَأَطِیعُوا۟ ٱلرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّیۡتُمۡ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلۡبَلَاغُ ٱلۡمُبِینُ ۝ ٱللهُ لَاۤ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى ٱللهِ فَلۡیَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ [التغابن 12 – 13]،.

الحل باعتمادك على التوكل

قال اْلله [ولاحظ كيف يخبرك أنه لن تمنعه الأسباب، ولن ينفعك إلا هو، فتوكل عليه]،. قُلۡ أَرَءَیۡتُمۡ إِنۡ أَهۡلَكَنِيَ ٱللهُ وَمَن مَّعِيَ أَوۡ رَحِمَنَا فَمَن یُجِیرُ ٱلۡكَافِرِینَ مِنۡ عَذَابٍ أَلِیمٍ ۝ قُلۡ هُوَ ٱلرَّحۡمَنُ ءَامَنَّا بِهِ وَعَلَیۡهِ تَوَكَّلۡنَا [الملك 28 – 29]،.

توكل على الله، وكن من الصالحين يتولاك الله،.

قال اْلله،. إِنَّ وَلِيّيَ ٱللهُ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلۡكِتَابَ وَهُوَ یَتَوَلَّى ٱلصَّالِحِینَ [الأعراف 196]،.

وقال،. أَلَاۤ إِنَّ أَوۡلِیَاۤءَ ٱللهِ لَا خَوۡفٌ عَلَیۡهِمۡ وَلَا هُمۡ یَحۡزَنُونَ ۝ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَكَانُوا۟ یَتَّقُونَ ۝ لَهُمُ ٱلۡبُشۡرَىٰ فِي ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا وَفِي ٱلۡـَٔاخِرَةِ [يونس 62 – 64]،.

آيات التوكل كثيرة، فقد وردت تصاريف كلمة التوكل في القُرآن 70 مرة،. وأهم شرط في التوكل على الله هو أن تكتفي باللّٰه،. ولا تتخذ الأسباب من دونه،.

قال الله،. وَءَاتَیۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَابَ وَجَعَلۡنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسۡرَاءِیلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا۟ مِن دُوني وَكِیلًا [الإسراء 2]،.

وقال،. وَٱتَّبِعۡ مَا یُوحَىٰۤ إِلَیۡكَ مِن رَّبِّكَ إِنَّ ٱللهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِیرًا ۝ وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللهِ وَكَفَىٰ بِٱللهِ وَكِیلًا [الأحزاب 2 – 3]،.

أمثلة ومقتبسات

"من جدّ وجد، ومن سار على الدرب وصل"

أنقل تعليق الأخ [علي الوردي] بتصرف يسير،. قال "هذه المقولة ليست صحيحة على الإطلاق؛ فقوة الإرادة والمثابرة لها حدود تقف عندها،. فهناك أيضا المواهب الشخصية والقدرات النفسية والظروف الاجتماعية التي تقرر أن تصل أو لا تصل،. خذ مثلاً، شخص يريد أن يكون عالِما مشهوراً وهو لا يملك الذكاء المطلوب!،. فهو مهما اجتهد وثابر، ذهبت جهوده سدىً،… وخذ مثلاً، شخصٌ لا يملك الصوت الجميل وهو يريد أن يكون مغنياً،. أو رجلاً نحيلاً ضعيفَ البنية والعضلات، يريد أن يكون مصارعاً يغلب الأقران،. وتجد من كان ابن حزبٍ حاكم، أو ابن زعيمٍ أو رئيس، قد يصل لما يريد دون جِدٍّ أو اجتهاد،. وقد يكون من الاغبياء،.

فمقولة (من جد وجد…) مقولة منحازة ابتكرها الناجحون ليقولوا: نحن نجحنا بقدراتنا ومثابرتنا، وليتهموا من لم ينجح بأنهم كانوا كسالى وغير مثابرين، وهذا ظلم اجتماعي،. ومثلها مقولة (بقدر الكدّ تكتسب المعالي، ومن طلب العلا سهر الليالي)،. فهي مثلها، غير صحيحة، خصوصاً في ظروف البشر الاجتماعية والسياسية [الواسطات]،. التي لا تقوم على تكافؤ الفرص،.

تخريج أحاديث،. اعقلها وتوكل

يقولون بأن دليلهم على (الأخذ بالأسباب) هو حديث (اعقل وتوكل)،. ففسروا كلمة اعقل بأنها أخذ بالأسباب،.

ﻗﺎﻝ ﺭﺟﻞ: ﻳﺎ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ، ﺃﻋﻘﻠﻬﺎ ﻭﺃﺗﻮﻛﻞ، ﺃﻭ ﺃﻃﻠﻘﻬﺎ ﻭﺃﺗﻮﻛﻞ؟ ﻗﺎﻝ: اﻋﻘﻠﻬﺎ ﻭﺗﻮﻛﻞ
أخرجه الترمذي (2517) ❌

التخريج:

ـ قال عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ : قَالَ يَحْيَى : وَهَذَا عِنْدِي حَدِيثٌ مُنْكَرٌ.

ـ ﻭﻗﺎﻝ ﺃﺑﻮ ﻋﻴﺴﻰ اﻟﺘﺮﻣﺬﻱ: وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.

الحديث ضعيف ❌،. بسبب المغيرة السدوسي منكر مجهول،.

ــ وإن صح الحديث،. فالحديث فيه أمر بالعقل [الربط]،. وأمر بالتوكل، وهذا لا يعني بأنهما منافيان لبعضهما ولا يعني بأنهما سواء،. فالمسلم يحرص على ما ينفعه،. ولا يظن أبداً أنها تنجيه،. ويتوكل على الله وهو مؤمن بأن كل شيء بيده،.

التوكل الحقيقي على الله،. ((يسمونه التواكل!))

التوكل اليوم شبه معطل بسبب أكابر العلماء والفقهاء والخطباء، هؤلاء الأكابر علموا الناس التوكّل بالمقلوب،.

قالوا بأن التوكل هو أن تعتمد على قضاء الله وقدره، مع اتخاذ الأسباب،. أما لو اعتمدت على الله في مشكلتك، ثم قعدت ولم تفعل شيئاً،. فهذا اسمه تواكل،. وهذا مذموم مقبوح،.

في الحقيقة،. الذي قالوا عنه تواكل، هو المعنى الحقيقي للتوكل أصلاً،. ولكنهم قلبوها، فانقلبت عليهم،. جعلوا الخير شراً، والشر خيرٌ وفلاح،.

قال اْلله،. لَقَدِ ٱبۡتَغَوُا۟ ٱلۡفِتۡنَةَ مِن قَبۡلُ وَقَلَّبُوا۟ لَكَ ٱلۡأُمُورَ حَتَّىٰ جَاۤءَ ٱلۡحَقُّ وَظَهَرَ أَمۡرُ ٱللَّهِ وَهُمۡ كَارِهُونَ [التوبة 48]،.

الذي يسمونه (التواكل) مذمومٌ عندهم، لماذا؟،. لأن فيه ترك الاسباب،. والاكتفاء على قدرة الله الذي يدبر كل شيء،.

قال اْلله،. قُلۡ أَفَرَءَیۡتُم مَّا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللهِ إِنۡ أَرَادَنِيَ ٱللهُ بِضُرٍّ هَلۡ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ؟!،. أَوۡ أَرَادَنِي بِرَحۡمَةٍ هَلۡ هُنَّ مُمۡسِكَاتُ رَحۡمَتِهِ؟،. قُلۡ حَسۡبِيَ ٱللهُ عَلَیۡهِ یَتَوَكَّلُ ٱلۡمُتَوَكِّلُونَ [الزمر 38]،.

ما معنى حسبي الله؟! ولماذا ترافق التوكل دائماً؟!

نقول عند كل مصيبةٍ ليس لنا في حلها سبيل،. حَسْبنا اللّٰه وَنِعْمَ الْوَكِيْل،. وكلمة حسبنا تعني أننا نكتفي بالله وحده ليخرجنا من هذه المصيبة، ويحل تلك المشكلة،. فكلمة (حسْب) تعني الاكتفاء بالشيء،.

قال اْلله،. وَإِذَا قِیلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡا۟ إِلَىٰ مَاۤ أَنزَلَ ٱللهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُوا۟ حَسۡبُنَا مَا وَجَدۡنَا عَلَیۡهِ ءَابَاۤءَنَاۤ أَوَلَوۡ كَانَ ءَابَاۤؤُهُمۡ لَا یَعۡلَمُونَ شَیۡـًٔا وَلَا یَهۡتَدُونَ [المائدة 104]،.

أي يكفينا ما وجدنا عليه آباءنا،. ولا نريد شيئاً آخر،.

قال اْلله،. وَمَن یَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللهِ فَهُوَ حَسۡبُهُ [أي يكفيه] إِنَّ ٱللهَ بَالِغُ أَمۡرِهِ قَدۡ جَعَلَ ٱللهُ لِكُلِّ شَيءٍ قَدۡرًا [الطلاق 3]،.

التوكل يعني الكفاية بالله،. أن تكتفي بالله، أن يكون حسبك الله،. وكل ذلك ضد الأخذ بالأسباب،. فالأخذ بالأسباب هو اتكال على الله وعلى غيره [الأسباب]،.

قال اْلله،. أَلَیۡسَ ٱللهُ بِكَافٍ عَبۡدَهُ؟!،. وَیُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِینَ مِن دُونِهِ وَمَن یُضۡلِلِ ٱللهُ فَمَا لَهُ مِنۡ هَادٍ ۝ وَمَن یَهۡدِ ٱللهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ أَلَیۡسَ ٱللهُ بِعَزِیزٍ ذِي ٱنتِقَامٍ [الزمر 36 – 37]،.

كيف تتوكل على الله؟!

تستعصم به،.

قال اْلله،. وَمَن یَعۡتَصِم بِٱللهِ فَقَدۡ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسۡتَقِیمٍ [آل عمران 101]،.

وقال،. إِنَّهُ لَیۡسَ لَهُ سُلۡطَانٌ عَلَى ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ یَتَوَكَّلُونَ ۝ إِنَّمَا سُلۡطَانُهُ عَلَى ٱلَّذِینَ یَتَوَلَّوۡنَهُ وَٱلَّذِینَ هُم بِهِ مُشۡرِكُونَ [النحل 99 – 100]،.

كيف تتكل عليه؟!،. تلجأ إليه، تثق به، تعتمد عليه، تضعه نصب عينيك، تتكلم عنه، تذكره على الدوام،.

اﻟﻠﻬﻢ ﺃﺳﻠﻤﺖ ﻭﺟﻬﻲ ﺇﻟﻴﻚ، ﻭﻓﻮﺿﺖ ﺃﻣﺮﻱ ﺇﻟﻴﻚ، ﻭﺃﻟﺠﺄﺕ ﻇﻬﺮﻱ ﺇﻟﻴﻚ، ﺭﻏﺒﺔ ﻭﺭﻫﺒﺔ ﺇﻟﻴﻚ، ﻻ ﻣﻠﺠﺄ ﻭﻻ ﻣﻨﺠﺎ ﻣﻨﻚ ﺇﻻ ﺇﻟﻴﻚ
أخرجه البخاري، ومسلم ✅

حين تتوكل على الله، لا تتدخل في الأمر، بل اخرج منه،. [ما لك شغل]،. هنا حين تعتمد على الله وحده، تكون قد توكلت عليه، وهنا سيوفي الله بوعده،.

قال اْلله،. وَمَن یَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللهِ فَهُوَ حَسۡبُهُ إِنَّ ٱللهَ بَالِغُ أَمۡرِهِ،.. [الطلاق 3]،.

نصيحة،. لا تتحدى الله

معظم الذين سمعوا عن التوكل الصحيح،. ردوه بمثال،. يقولون : إذاً اقعد في بيتك وانظر كيف سيأتيك الرزق والمال!!،.

هو يظن بأنه يستطيع تحدي الله، ومنع رزقه لو حبس نفسه في بيته،. لا يدري المسكين أن رزق الله لا يمنعه حبس ولا قفل باب،.

قال اْلله،. مَّا یَفۡتَحِ ٱللهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحۡمَةٍ فَلَا مُمۡسِكَ لَهَا وَمَا یُمۡسِكۡ فَلَا مُرۡسِلَ لَهُ مِنۢ بَعۡدِهِ وَهُوَ ٱلۡعَزِیزُ ٱلۡحَكِیمُ [فاطر 2]،.

لن تستطيع أن تمسك رزق الله،. سيأتيك رغماً عنك، فلا تحاول أن تتحدى الله بمثالك هذا،.

لا تفهمت من الكلام أن تجلس في محلك ولا تفعل شيئاً، ذكرنا حديث النّبي ﷺ،. احرص على ما ينفعك ولا تعجز،. وتذكر أن الله أمرنا بأن ننتشر في الأرض ونبتغي من فضله،.

افعل ما تشاء،. ولكن لا تظن بأن فعلك هو الذي رزقك،. ولا تظن بأن أسبابك هي التي تحفظك وتصونك وتحميك وتنصرك،.

قال اْلله،. وَأۡمُرۡ أَهۡلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصۡطَبِرۡ عَلَیۡهَا لَا نَسۡـَٔلُكَ رِزۡقًا نَّحۡنُ نَرۡزُقُكَ [طه 132]،.

وقال،. قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلۡمُلۡكِ تُؤۡتي ٱلۡمُلۡكَ مَن تَشَاۤءُ وَتَنزِعُ ٱلۡمُلۡكَ مِمَّن تَشَاۤءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاۤءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاۤءُ بِیَدِكَ ٱلۡخَیۡرُ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيءٍ قَدِیرٌ [آل عمران 26]،.

وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا،..

ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ.